امان مستعار

ـ أي شغل بمسكه لازم أتعامل معاه كأنه مسؤوليتي.

سكت ياسين. الجملة البسيطة دي لمست شيئاً جاداً جواه. هو متعود على ناس بينبهروا باسم الشافعي و بسيارته و بنفوذ عيلته، لقى قدامه بنت مش شايفه كل ده، و شايفة بس شغلتها و ضميرها.

ـ طب إنتِ ديما جدية كده وصعبة؟

ـ وإنت ديما بتهزر كده و بتحاول تفتح كلام؟

ـ غالبا.

ـ يبقى كل واحد فينا له طريقته، وأنا مش هنا عشان أدور على صحاب جداد.

ابتسم ياسين ابتسامة تحدي ساحرة:

ـ بس أنا مش بحب أستسلم، وبحب الحاجات المختلفة… و حاسس إن وجودي هنا هيبقى ممتع أوي.

ـ بالنسبة لك؟

ـ جدًا.

ـ بالنسبة لي مش فارق.

ـ دي أول مرة تقولي حاجة توجعني.

ـ متقلقش، هتتعود.

ضحك ياسين، وقبل أن يبتعد خطوتين، التفت إليها وقال:

ـ على فكرة يا باشمهندسة… أنا مش بحب حد يتجاهلني

ـ وأنا مش بحب حد يعطلني.

ثبت عيناه عليها ثواني، ثم قال بنبرة مشحونة شغفاً:

ـ واضح إننا هنختلف كتير… و مسيركِ تسيبيني أقرب.

ـ طالما الاختلاف في الشغل، مفيش مشكلة… ولما يحصل غير كده، نبقى نشوف.

استدار ياسين وهو يبتسم ابتسامة جانبية، و تمتم لنفسه وهو يبتعد:

ـ دي مش شبه أي واحدة قابلتها قبل كده… والموضوع ده مش هينتهي عند أول مقابلة.

أما تاليا، فلم تلتفت خلفه حتى، وعادت لمتابعة العمال بثبات، لكن ابتسامة صغيرة جداً وغير محسوسة ظهرت على طرف شفتيها وهي تضع القلم وراء أذنها.

وفي تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتف ياسين في جيبه برسالة نصية حادة من سليم: (فينك؟ محتاج أكلمك أول ما تخلص).

نظر ياسين إلى شاشة الهاتف، ثم رفع عينيه لتاليا من بعيد، وهو لا يعلم أن السر الذي يضغط على صدر أخيه سليم، والأزمة التي تتشكل بين عيلتهما وعائلة ليان، أوشكت أن تعصف بالمركز كله… و تحط كل شيء، حتى هذه اللحظة الدافئة، على المحك.
————————————-
مرت أربعة أيام ثقال، وسليم يعيش في جحيم لا يهدأ… أربعة أيام من الصمت المطبق والجدار الجليدي الذي بنته ليان فجأة بينهما.

كان يمسك بهاتفه داخل مكتبه المغلق بالمركز الطبي، يقلب في المحادثة بينهما؛ اتصالاته المتكررة التي لم يُرد عليها، ورسائله المتتالية التي تظهر علامة القراءة دون أن تدس لها إجابة واحدة. الرجل الذي اعتاد إدارة أعقد العمليات الجراحية والسيطرة على كل تفصيلة في حياته، وجد نفسه فجأة مكبلًا بأسئلة تلتهم عقله كالنار.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *