امان مستعار

بعض الأسرار تُدفن تحت الأرض،
وبعضها ينتظر حتى يُولد من جديد في عيون من نحب.
ــــــــــــــــ
ابتسمت ليان بسخرية وجع:
ـ طب ليه بقيت كل ما أبعد عنك بخطوة، إنت بتلحقني بعشرة ؟ ليه عيونك بتخونك كل مرة؟
قبض سليم على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت أصابعه، ثم رفع عينه ونظر لها بنظرة عارية تمامًا من أي دفاع:
ـ لأني مش قادر .أنا بقالي أيام بحاول أقنع نفسي إنك مجرد ظهورك صدفه … بنت ظروفها صعبة. بس كل مرة ألاقيكي بتقعي قدامي تاني. وأنا خايف… خايف إن اللي بينا زمان يدمرنا، وخايف أكون السبب في كسرك.
قربت ليان منه، وصوتها نزل لطبقة مليانة شجن:
ـ أنا مش بطلب منك وعد يا سليم… أنا بس عايزة أعرف، الاهتمام و الغيرة دي كلها مجرد “دعم وإنسانية و اعتراف بالذنب ” زي ما بتقول؟ ولا إنت بتحبني ومش قادر تعترف عشان السن، وعشان السر، وعشان كل حاجة؟
انقطع الهواء داخل السيارة، وهمس سليم بصوت مكسور:
ـ أنا قررت أبعد عنك عشان أحميكي مني… ومن عيلتي. بس كل ما ببعد، بلاقي نفسي أقرب.
مسح دمعة خانتها ونزلت على خدها بإبهامه، لمسة خفيفة هزت كيانهم، فرجع شغل العربية بهدوء وقال بصوت فيه وعد خفي:
ـ هوصلك البيت… وبكرة عايز أشوفك، نتكلم من غير خوف ولا اتهامات.
همست ليان وهي تبص له من الجنب:
ـ مش هقدر… أوعدني تحاول تبعد عني خاص .
مرت ابتسامة صغيرة على طرف فم سليم:
ـ مش هقدر حتى لو حاولت. انا مقدر الظروف هنزلك بعيد عن البيت .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي، كانت ليان جالسة في الجامعة بجوار سلمى، وعقلها بعيد تمامًا عن المحاضرة، تقلب القلم بين أصابعها بشرود، حتى سحبت سلمى الورقة من أمامها بسرعة:
ـ خلاص يا ست ليان، القلم هيتكسر في إيدك . من ساعة ما قعدنا و إنتِ بتبصي في الورقة كأن سليم هيطلع لك منها.
احمر وجه ليان و تنهدت بقلة حيلة، ثم حكت لسلمى ما دار بينهما عن الخلافات القديمة والشكوك، لتجيبها سلمى بنبرة جادة اختفت منها السخرية:
ـ و إنتِ بتحبيه يا ليان؟
خفضت ليان عينيها و همست بهدوء:
ـ أيوه… أعتقد إني بحبه.
ابتسمت سلمى بحزن:
ـ يبقى الموضوع بقى أخطر… لو طلع كويس قلبك هيكبر له، ولو طلع ورا كل الحكاية دي، قلبك هو اللي هيدفع التمن.
ردت ليان وهي تضع يدها على قلبها:
ـ أنا عارفة… بس مش هقدر ابعد عنه من غير ما أعرف الحقيقة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
في نفس الوقت داخل المركز، كان سليم يقلب بين يديه أوراق ملف قديم دخل عمر الشريف دون استئذان، ودنا منه بفضول:
ـ لسه بتدور على اسم محمود النوحي؟
رفع سليم ورقة متهالكة وقال:
ـ المشروع القديم… كان فيه شراكة بين عيلتنا و عيلة محمود، والحسابات كان ماسكها محاسب اسمه حسان… اللي مات في الحادثة.
أخذ عمر الملف و قلّب أوراقه بسرعة، ثم توقف فجأة:
ـ سليم… فيه صفحة مقطوعه هنا، الصفحة اللي فيها الحسابات النهائية.
تجمد سليم، وسحب الملف يعيد تقليبه بصدمة:
ـ الورقة دي كانت موجودة… حد شالها.
قال عمر بنبرة قاتمة:
ـ معناه إن حد لسه مهتم إن الحقيقة تفضل مدفونة… وده معناه إن ليان ممكن تكون في خطر. هتحميها من مين يا سليم؟ حتى لو الحد ده من عيلتك؟
لم يرد سليم، لكن نظرته الحادة أجابت بما فيه الكفاية.
ــــــــــــــــــ
في المساء، عادت ليان إلى المنزل لتجد والدها محمود ينتظرها في الصالة بملامح واجمة ومشدودة. بمجرد أن خطت خطواتها للداخل، قال بصرامة:
ـ ليان… ركبتي امبارح مع سليم الشافعي؟
تجمدت مكانها، لكنها رفعت رأسها هذه المرة بقوة:
ـ أيوه يا بابا… وليه كل ما أفتقده أو أقرب تمنعني؟
ضرب محمود الطاولة بكفه وقال بغضب مكتوم:
ـ لأنك بنتي وأنا عارف مصلحتك .
ـ وأنا مش طفلة . أنا محتاجة أعرف الحقيقة… سليم قال لي إن فيه سر قديم بين العيلتين .
تغير وجه محمود تمامًا وظهر الخوف جليا في عينيه:
ـ الحقيقة دي مش هتريحك… وممكن تدمر حاجات كتير. ابعدي عنه يا ليان.
ردت ليان بعيون دامعة وهي تستدير صاعدة لغرفتها:
ـ وأنا لو فضلت جاهلة… هندم أكتر.
جلس محمود وحده كسيرًا
ـ كنت فاكر إن الماضي مات… بس الظاهر إنه رجع يدور على ولادي بنفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في غرفتها، أغلقت ليان الباب و أسندت ظهرها عليه، وعقلها يضج بالأسئلة. مسكت هاتفها لتكتب لسليم: «أنا محتاجة أعرف كل حاجة»، وقبل أن تضغط إرسال، أضاءت الشاشة باسمه: سليم يتصل.
أجابت بنبضات متسارعة:
ـ ألو؟
جاء صوته هادئا لكنه يحمل ثقلاً غير معتاد:
ـ ليان… لازم نتقابل دلوقتي.
ـ دلوقتي؟ ليه؟
سكت سليم لثانية ثم قال بجمود:
ـ لقيت حاجة تخص أبوكي… ولو اللي لقيته صح، يبقى إحنا مش قدام مجرد خلاف قديم، إحنا قدام حقيقة ممكن تغير كل حاجة… بينك وبيني، وبين عيلتك و عيلتي.
أغلق الخط، وظلت ليان واقفه مكانها تتنفس بسرعة، تدرك أن الساعات القادمة ستحدد إما بداية النهاية… أو انهيار كل شيء. و لكن ابن و رفضت أن تذهب إليه هذه المرة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





