امان مستعار

أما سليم… فكان يخوض معركته الخاصة.
يحاول أن يقنع نفسه أن ما يشعر به مجرد اهتمام، وأن خوفه عليها ليس أكثر من مسؤولية، وأن قلبه ما زال قادرًا على الوقوف بعيدًا عن فتاةٍ بدأت تقترب منه دون أن تدري أنها أصبحت أخطر نقطة ضعف في حياته.

لكن القدر لم يمنحهما وقتًا طويلًا لفهم مشاعرهما…

ففي اللحظة التي بدأ فيها الأمان يأخذ شكل إنسان، قرر الماضي أن يستيقظ.

اسمٌ واحد كان كفيلًا بأن يبدل ملامح محمود، وذكرى قديمة كانت كفيلة بأن تعيد إلى البيت خوفًا ظن الجميع أنه دُفن منذ سنوات.

حسان…
فؤاد الشافعي…
كمال…
وأسرار لم تُدفن وحدها، بل دُفنت معها حقوق وحكايات ووجوه ما زالت الحقيقة تبحث عن أصحابها.

والآن…

ليان تقف بين قلبٍ بدأ يميل، وأبٍ يطلب منها الابتعاد.
وسليم لا يعرف أن اقترابه منها لم يعد مجرد حكاية قلب… بل أصبح خيطًا يسحبه إلى ماضٍ لا يعرف عنه شيئًا.

فهل يستطيع الحب أن يصمد حين تصبح الحقيقة أقوى من المشاعر؟
وهل يكون سليم فعلًا الرجل الذي وجدت فيه ليان أمانها… أم أن قربه منها سيقودها إلى أخطر سر في حياة عائلتها؟

——————————-
وبعد ما هديت الأوضاع وخرجت ليان من المكتب، نادها سليم ليُعيد لها الملف اللي نسيته، ولما رمقته بنظرة مستنكرة وسألته:

– هو أنا لما أجي هنا من غير مالك بالنسبة لك مشكلة؟

ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

– غريبة… أنا أول مرة أعرف إن المراكز الطبية بتعجب حد.

احمر وشها ومشيت وهي بتسمع ضحكته الخافتة اللي فضلت عالقة في ذهنها. لكن العاصفة الحقيقية كانت جوة سليم؛ لما رجعت ليان البيت وقعدت جنب أختها مريم، وسألتها بعفوية:

– تفتكري دكتور سليم عنده كام سنة؟

ضحكت مريم بخبث وسألتها عن سر تغيرها، فسكتت ليان وقالت بصوت خافت:

– أنا لسه على مبدأي إن الحب لوحده مش كفاية… بس لما بيكون موجود، بحس إن الدنيا أجمل.

ما كانتش ليان تعرف إن الأمان اللي بتدور عليه تحول لشخص، وما كانش سليم عارف يهرب من العشق الصامت اللي بيزيد كل يوم، بينما الأيام كانت بتثبت للاتنين إن الحكاية أكبر منهم، وإن خطواتهم نحو بعض هي نفسها الخطوات اللي بتاخدهم جوة بركان أسرار الماضي اللي كمال وفؤاد مرعوبين منه فوق في البيت الكبير.

داخل مكتب سليم، كان الهدوء المعتاد مغلف المكان، بس كان هدوء ظاهريا و ثقيلًا، مليان توتر حاد. سليم واقف ورا مكتبه الفخم، بين صوابعه القلم بيتحرك بسرعة منتظمة، وعينيه مركزة على أرقام تحاليل مالك، لكن تركيزه كان بيتقطع كل ثانية بصورة ليان وهي واقفة قدامه من كام دقيقة؛ نظرتها المرعوبة، صوابعها العفوية اللي اتعلقت بطرف جاكيته، والجملة اللي خرجت منه بضعف إنساني عارٍ، ولسه مش فاهم إزاي نطقها: “وجودك برة هنا… بيلخبطني”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *