امان مستعار

ابتسمت ليان ابتسامة باهتة مليانة امتنان ودفء، وقالت بصوت هادي:
ـ عارف يا دكتور سليم؟ أنت ديما بتظهر في الوقت الصح… ديما تطلع لي من وسط الزحمة عشان تنقذني.
سليم دور العربية بالراحة، والتفت لها قبل ما يتحرك. لمست ابتسامة صغيرة و دافية طرف شفتيه، وقال بنفس البحة اللي دوّختها:
ـ يمكن عشان أنا ديما عيني عليكِ يا ليان… حتى لما تكوني مش شايفاني. وده مش إنقاذ… ده واجبي، أو يمكن… الحاجة الوحيدة اللي بقيت بعملها وربنا شاهد إنها طالعة من قلبي.
انطلقت السيارة بهدوء، لكن الجو داخلها كان يشبه هدوء ما قبل العاصفة. كانت عينا سليم تتنقلان بحدة بين الطريق ومرآة السيارة الجانبية، و القبضة القوية على عجلة القيادة تعكس الغضب المكتوم الذي يحاول كبحه. خروجها وحده في هذا الوقت، و اضطرارها للعمل سرا، وتعرضها للخطر… كل هذه التفاصيل كانت تغلي في رأسه كالنار.
التفت إليها فجأة، وكانت نبرة صوته هذه المرة قاطعة، صارمة، ومليئة بنفوذ لا يقبل النقاش:
ـ الشغل ده يتلغى فورا يا ليان. من بكره، مش عايز رجلك في المكان ده تاني.
ليان اتفاجأت بالنبرة، و ارتبكت، بس حاولت تدافع عن استقلاليتها رغم خوفها:
ـ دكتور سليم… أنت ملكش حق تقرر عني، أنا محتاجة أساعد بابا، وأنا مش…
لم تسترعِ كلماتها انتباهه ليُكمل، بل أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق الخالي، والتفت إليها بكامل جسده. كانت نظرته حادة زي الصلب، ونبرة صوته واطية بس تهز الكيان:
ـ ليان، بصيلي هنا و افهمي كويس اللي هقوله.
سكت ثانية واحدة عشان يثبت نظرتها في عينه، وتابع بنبرة مليانة حماية قاطعة ونار مكتومة:
ـ طول ما أنا موجود على وش الأرض، محدش هيسيبكِ تتبهدلي عشان قرشين، ولا تتزنقي في شوارع فاضية و تتحطي في موقف زي ده. أزمتكِ وأزمة والدك مش شغلِك أنتِ… دي شغلانتي أنا. والراجل اللي يفكر بس يضايقكِ أو يلمس منكِ شعرة… هكون آخر حاجة يشوفها في حياته. فاهمة ولا لأ؟
الكلام نزل على ليان كأنه صدمة كهربائية. القوة والنفوذ والإصرار المرعب في عينيه ما سابوش لها أي مجال للرد أو الاعتراض. حست إن أي سور حاولت تبنيه عشان تعتمد على نفسها اتدمر تمامًا قدام الهيبة والحماية المطلقة دي.
انكمشت في مكانها، وهزت رأسها ببطء ومن غير ما تحس، والدموع اتجمعت في عينها تاني، بس المرة دي مش من الخوف… من حجم المشاعر والتملك والحماية اللي كانت شايفاهم في عينيه.


