امان مستعار

ـ ليان… بصيلي هنا.
رفع عينيه لعينها، ونبرة صوته كانت مليانة حنان وخوف مكتوم، طالعة فيها بحة دافية أربكت كيانها:
ـ أنتِ كويسة؟ جرى لك حاجة؟ ردي عليا يا ليان.
ليان كانت بتترعش، عينها جت في عينه. ولأول مرة، ما شافتش الطبيب الصارم ولا الشاب الغني صاحب النفوذ… شافته هو. الراجل اللي عينيه بتطق أمان، الراجل اللي بيعرف يقف في وش الدنيا ويحميها.
الدموع نزلوا من عينها عفوية، ومن غير ما تفكر ولا تعمل حساب للحدود أو لفرق السن، رفعت إيديها المرعوبة و مسكت في طرف جاكيت سليم بقوة… كأنها غرقانة و مسكت في طوق النجاة الوحيد.
سليم حس باللمسة في كل حتة في جسمه. قلبه دق بسرعة جنونية هدت كل حصونه. مسك إيديها بالراحة و قومها معاها:
ـ تعالي… تعالي اركبي العربية.
فتح لها باب العربية الفخمة، و قعدها بهدوء. لف وركب من الناحية التانية، جاب إزازة مية كانت معاه، فتحها و ناولها لها بإيد ثابتة بالعافية.
ـ اشربي يا ليان… اهدِي، الدنيا أمان.
أخدت ليان الإزازة بإيدين لسه بتترعش، شربت بق صغير، و بصت له من فوق الإزازة. السكون جوة العربية كان مليان مشاعر مشحونة، صوت التكييف الهادي مع ريحة عطر سليم الفخم، عملوا غلاف براحة غريبة.
ليان اتنهدت نفس طويل، وريحة خوفها بدأت تروح، وقالت بصوت واطي و مكسور:
ـ أنا… أنا آسفة، اتخضيت بس. أنا كنت رايحة المكتبة… شغل جزئي عشان أساعد بابا في المصاريف، والشارع كان فاضي…
سليم بص لها، النظرة اللي خرجت منه كانت أعمق بكثير من مجرد نظر طبيب لمريضة أو خالة طفل. كانت نظرة راجل عيونه بتقول كل العشق والحماية اللي مخبيهم بقالهم شهور. قرب منها شوية، ومد إيده بالبطيء، ولمس بظهر صوابعه خدها بالراحة خالص كأنه بيطمنها إنها موجودة وسليمة:
ـ متعتذريش… مفيش حاجة تستاهل تتأسفي عليها. وأنا موجود يا ليان… طول ما أنا عايش و بتحرك، محدش يلمس شعرة منك ولا يخليكِ تخافي.
الكلام نزل على قلب ليان زي البلسم. عينيهم اتلاقت في نظرة طويلة، ساد فيها صمت أبلغ من ألف كلمة. ليان حست في اللحظة دي إن السور اللي بنته حوالين قلبها، والقاعدة اللي عاشت بيها إن “الحب لوحده مش كفاية”… بدأت تتغير. سليم مش بس بيوفر حب، سليم هو “الأمان” نفسه اللي كانت بتدور عليه طول عمرها.



