امان مستعار

في نفس الوقت، كانت ليان واقفة في كافيه المركز الطبي بتحاول تهدى بعد يوم طويل ومرهق. كانت ماسكة كوباية القهوة بإيدها، وعينيها بتسرح في الفراغ. مريم أختها قربت منها، وضغطت على إيدها بابتسامة دافية:

– سرحانة في إيه يا ليان؟

ليان اتنهدت وابتسمت ببطء:

– ولا حاجة يا مريم… كنت بفكر في الدكتور ده. سليم الشافعي.

– ماله؟ بصراحة هو يخوف في الأول، بس فيه هيبة وطمأنينة غريبة… تحسي إنك معاه في أمان.

– هو ده بالظبط اللي كنت بفكر فيه… الأمان اللي بيعطيه مش أمان كلام حلو ولا طمأنينة كدابة، ده أمان نابع من قوة وثبات. شخصيته معقدة أوي يا مريم، تحسيه شايل أسرار الدنيا فوق كتفه وماشي بيها من غير ما يشتكي.

عدت الأيام القليلة التالية في المركز الطبي بهدوء حذر. حالة الطفل مالك بدأت تتجه للاستقرار الكامل بفضل الخطة العلاجية الدقيقة اللي وضعها سليم، وكان قرار خروجه من المركز قرب يتحقق.

في صباح اليوم الأخير، كان سليم بيمر على الحالات في جناح الإقامة. دخل غرفة مالك، ولقى ليان قاعدة جنبه بتمرر إيدها في شعره بحب وحنان كبير. أول ما دخل، وقفت وبصت له بابتسامة هادية مختلفة تمامًا عن النظرة الحادة اللي بدأت بيها المواجهة الأولى.

– صباح الخير يا دكتور.

– صباح النور. جاهزين للخروج النهارده؟

– مالك منتظر اللحظة دي بفارغ الصبر… وأنا كمان بصراحة.

سليم قرب وفحص الطفل للمرة الأخيرة، وكتب أمر الخروج في التقرير. لما رفع عينه، التقت عينيه بـليان، وساد صمت قصير فيه لغة تفاهم جديدة اتكونت بينهم من غير كلام.

ليان قربت منه خطوة، وقالت بصوت خفيض و ناضج:

– أنا حابة أعتذر لك تاني يا دكتور سليم… و بشكرك من قلبي. أنت مش بس عالجت مالك، أنت إديتنا درس في إن الحقيقة أوقات بتكون أرحم بكتير من الأوهام.

سليم بص لها بتمعن، و نبرته هديت أوي:

– المهم إن الطفل بخير يا آنسة ليان… وده شغلي. بس نصيحة مني، بلاش تخلي الخوف هو اللي يسوقك في علاقتك بالناس، مش كل حد بتقابليه محتاج تحاربيه عشان تطلعي منه بالحقيقة.

ابتسمت ليان ابتسامة دافية وذكية:

– لما تحس إن العالم اللي حواليك مش أمان، الحرب بتبقى دفاع عن النفس… بس أوعدك هحاول أثق أكتر.

سليم أومأ برأسه بثبات، ولأول مرة تظهر على وشه ابتسامة صريحة وواضحة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *