الفصل الاول 🔥 حين اهتزَّ الأمان 🔥 مقدمــــــــــــة ليـــــــــــــان وسليـــــــــــــم 🔥🔥🔥🔥 أحيانًا لا تأتي الصدمات لتُسقطنا... بل لتكشف لنا أن الشيء الذي قضينا عمرنا نبحث عنه، لم يكن بالضرورة كما تخيلناه. منذ طفولتها، قررت ليان أن الحب وحده لا يكفي... أن القلب مهما أحب، يظل في حاجة إلى يدٍ تمسك به حين تضيق الحياة، وبيتٍ لا تهدده الظروف، ورجلٍ يعرف كيف يحمل مسؤولية الغد قبل أن يصل. لذلك وضعت للأمان شروطًا... واختارت أن يكون الحب آخر ما تبحث عنه. لكنها لم تكن تعلم أن الحياة ستضع أمامها رجلًا لا يشبه الصورة التي رسمتها في خيالها... رجلًا لم يلفت انتباهها بكلمات منمقة، ولا حاول أن يقترب من قلبها... بل ظهر أمامها في أكثر لحظاتها خوفًا، وسط فوضى لم تستطع هي السيطرة عليها، بينما كان هو يقف في قلبها بثبات غريب. هو يرى الأمان في السيطرة على الفوضى... وهي تراه في الرحمة والاحتواء. هو يثق بالأرقام والحقائق... وهي لا تطمئن إلا حين تشعر بالأمان. وبين أول مواجهة... ونظرة لم تكن في الحسبان... ستبدأ حكاية لم تكن ليان مستعدة لها. فهل يمكن لرجلٍ لم تبحث عنه أن يصبح يومًا... الإجابة عن السؤال الذي عاشت عمرها كله تبحث عنه؟ ولا يا ترى... الأمان اللي كانت ليان بتدور عليه، هيكون هو نفسه أكتر حاجة هتخلي قلبها في خطر؟ لايك وكومنت حبيباتي ❤️🔥 الفصل 👇 قفلت ليان دفتر المحاضرات براحة إيديها، وحطته فوق الكتب اللي متكومة قدامها، قبل ما ترفع عينيها ناحية بوابة الجامعة. الدنيا كانت زحمة بشكل يخنق. طلبة خارجة من المحاضرات، عربيات داخلة وطالعة، أصوات ضحك متداخلة مع كلاكسات العربيات، وبياعين واقفين على الناصية بينادوا على الطلبة. كل حاجة حواليها كانت بتتحرك... إلا هي. كانت واقفة مكانها، عينيها ثابتة قدامها، لكن عقلها كان في مكان تاني خالص. - ليان ما ردتش. - بت يا ليان برضه ما ردتش. لحد ما سلمى مدت إيدها ولوحت بيها قدام وشها وهي بتضحك: - إيه يا بنتي؟! سرحانة في إيه؟ أنا بقالي عشر دقايق بكلمك رمشت ليان كأنها فاقت من حلم، وبصتلها باستغراب. - نعم؟ قولتي إيه؟ ضحكت سلمى وهي بتبص لها من فوق لتحت. - لا، انت مش معايا خالص. ابتسمت ليان غصب عنها. - معلش يا سلمى، كنت بفكر بس. - بتفكري في إيه بقى؟ في الامتحان؟ ولا في العريس السري اللي مخبياه عني؟ ضحكت ليان: - عريس إيه يا مجنونة؟ - أمال الوش ده وش واحدة سرحانة برومانسية ليه؟ هزت ليان راسها وهي بتضحك، لكن ضحكتها اختفت بسرعة. - مصاريف الجامعة. سلمى سكتت. كملت ليان وهي بتبص للدفاتر اللي في إيدها: - لسه في أدوات ناقصة، والفلوس اللي معايا مش هتكفي. ولسه مصاريف الشهر... ومش عايزة أطلب من بابا حاجة تانية. اتغيرت ملامح سلمى. - ليه ؟ ابتسمت ليان ابتسامة باهتة. - أقول له إيه؟ هو أصلًا بيحسب القرش قبل ما يصرفه. سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت أوطى: - بابا بقى بيرجع من الشغل مهدود. امبارح شوفته وهو داخل البيت، كان شكله تعبان أوي... حاول يضحكلي، بس أنا عارفة ضحكته لما بيكون مخبي حاجة. سلمى بصتلها بحزن. - عمو دايمًا بيحاول يبان قوي قدامكم. - وأنا مش عايزة أفضل شايفة التعب ده في عينه. شدت ليان على الكتب اللي في إيدها. - مش عايزة في يوم أصحى ألاقي إن البيت اللي إحنا عايشين فيه مهدد... أو إن بابا مش قادر يوفر لنا أبسط حاجة. بصت لها سلمى شوية، وبعدين قالت: - عارفة؟ أنا ساعات بحس إنك شايلة هم الدنيا كلها فوق دماغك. ضحكت ليان بسخرية خفيفة. - يمكن علشان أنا شوفت الدنيا وهي بتوقع ناس قدامي. سلمى عقدت حواجبها. - قصدك إيه؟ سكتت ليان. ثواني قليلة... وبعدين عينيها راحت بعيد. بعيد أوي. لليوم اللي عمرها ما قدرت تنساه. --- كانت ليان لسه طفلة وقتها. فاكرة كويس صوت خبط باب الشقة. وصوت أبوها وهو بيتكلم مع حد بصوت متوتر. فاكرة أمها، نادية، وهي قاعدة على طرف السرير، ماسكة إيدها وبتحاول تمنع دموعها. وهي... كانت واقفة عند باب الأوضة، صغيرة، مش فاهمة حاجة. لكنها كانت فاهمة حاجة واحدة. إن فيه مصيبة. سمعت والدها بيقول: - والله أنا هتصرف... بس ادوني وقت. وصوت الراجل التاني كان قاسي: - الوقت خلص يا محمود. فضلت الجملة دي محفورة في دماغها سنين. الوقت خلص. ومن يومها وهي بتخاف من الجملة دي. بتخاف إن الفلوس تخلص. إن الأمان يخلص. إن البيت ينهار فجأة. إن الشخص اللي بتحبه يبقى عاجز قدام مشكلة، لمجرد إنه معهوش فلوس يحلها. ولما خرج أبوها من الأوضة، شافته بيبتسم لها. ابتسامة مصطنعة. قرب منها ومسح على شعرها وقال: - مالك يا لولو؟ خايفة ليه؟ ساعتها ما ردتش. بس جريت حضنته. ومن يومها، فهمت ليان إن الحب لوحده مش دايمًا بيحمي. --- رجعت ليان للحظة الحالية على صوت سلمى: - ليان؟ رفعت عينيها لها. - ها؟ - إنتِ كنتِ فين؟ تنهدت ليان. - في زمان بعيد. وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: - أنا اتعلمت بدري إن الحب حلو... بس الأمان أهم. سلمى هزت راسها: - يعني لو جه واحد بتحبيه ومش معاه فلوس هتعملي ايه ؟ ردت ليان من غير تردد: - بعيد بعيد عني . شهقت سلمى: - يا بنتي ضحكت ليان: - إيه؟ هو أنا ناقصة وجع قلب؟ - يعني ممكن ترفضي واحد كويس علشان مش غني؟ - مش لازم غني. سكتت لحظة، ثم قالت بجدية: - بس لازم يكون مستقر. عنده شغل، وعارف هو عايز إيه، ويقدر يشيل مسؤولية بيت. ابتسمت سلمى بمكر: - واضح إن مواصفات العريس عندك طويلة. - جدًا. - طب والحب؟ بصتلها ليان للحظة. - الحب ييجي بعد الأمان. قالتها بثبات... لكنها ما كانتش تعرف إن الحياة هتثبت لها بعد وقت قصير إن بعض القواعد اللي بنبني عليها حياتنا، ممكن تنهار في لحظة واحدة. --- فجأة، رن موبايل ليان. بصت للشاشة. بابا. ابتسامتها اختفت. فتحت الخط بسرعة: - ألو؟ بابا؟ جالها صوته من الناحية التانية، لكنه كان مختلف. هادئ زيادة عن اللزوم. - إزيك يا حبيبتي؟ - كويسة... إنت كويس؟ سكت ثانيتين. الثانيتين دول كانوا كفاية يخلو قلبها ينقبض. - أنا كويس يا لولو، بس... - بس إيه؟ - لما ترجعي البيت نتكلم . ليان وقفت مكانها. - ليه؟ حصل حاجة؟ - لا، مفيش حاجة. - بابا، صوتك مش طبيعي. حاول يضحك: - خلصي بسرعه وتعالي نتكلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في نفس الوقت...هناك في المركز الطبي الحديث اللي كان عامل زي خلية نحل مش بتهدى. أصوات جزم الأطباء بتخبط بسرعة في البلاط، الممرضات طالعين نازلين بالتقارير والمحاليل، أجهزة القلب بتصافر بنغمة منتظمة في الأروقة، والناس رايحة جاية... دوشة تحسسك إن العالم كله بيجري ورا الوقت. ورغم كل المهرجان ده بره، كان فيه باب في أخر الممر... وراه عالم تاني خالص. مكتب الدكتور سليم فؤاد. سليم قاعد ورا مكتبه الخشب الفخم، حوليه جبل ملفات وتقارير طبية، عينيه بتتحرك بين السطور بتركيز يرهب. هدوؤه مش عادي... هدوء هيبة، من النوع اللي يخلي اللي قدامه غصب عنه يظبط وقفته ويحاسب على كلامه. سليم مش من الدكاترة اللي يترعبوا لو الحالة اتعقدت، بالعكس... كل ما الدنيا تتقلب، كل ما هو يزداد ثبات وجمود، كأنه بيتغذى على التحدي. مسك القلم، كتب ملاحظة سريعة على حرف التقرير، ورجع ظهره لورا وهو بيهز راسه بالراحة: - النسبة دي مش مظبوطة خالص... فيه حاجة غلط في التحليل. سرح في الورقة ثواني، وقبل ما يقلب الصفحة، الباب اتفتح على البحري من غير ولا خبطة دخل الدكتور عمر الشريف، حاطط إيد في جيب البالطو، والإيد التانية ماسكة كوباية قهوة بتطلع بخار. وقف قدام المكتب، وبص لسليم بنظرة فيها غلظة وملاغاة صحاب: - صباح الخير يا سيادة المدير الصارم سليم ما رفعش عينه من الورق حتى: - صباح النكد يا عمر. عمر ضحك وقعد على الكرسي ببرود، وحط رجلاً على رجل: - نكد؟! بقى أنا داخل عليك بوشي السمح ده وتقولي نكد؟ ده أنا جايبلك طاقة إيجابية تكفي المركز كله - أرجوك احتفظ بالطاقة دي لنفسك، بتجيلي على هيئة صداع نصفي. - ظلم صريح رفع عمر كوباية القهوة وقال بانتفاخ وثقة: - أنت قدامك دكتور محترم، ناجح، وسيم، ومحبوب من كل الكادر الطبي والمرضى... رفع سليم عينه بالبطيء، وبصله بنظرة حادة زي المشرط: - خلصت خطبة الجمعة؟ - لسه فيه حتة صغيرة. - طب كمل يا أخويا عشان نشوف آخرتها معاك. عدل عمر ياقة البالطو وقال بفخر حقيقي: - أنا "عمر الشريف" بتاع الجيل الجديد يا ابني... الكاريزما دي حرام تدفن جوه أوضة عمليات سليم ابتسم بسخرية وهو بيهز راسه: - أنت محتاج تتحول لدكتور نفسي يا عمر... بس مش عشان تعالج الناس، عشان تعالج نفسك من حجم الثقة اللي هيفرقع منك ده. انفجر عمر بالضحك لحد ما القهوة كانت هتقع منه: - والله أنت أكتر واحد في الدنيا بيعرف يفرقع البالونة - وأنا أكتر واحد مستحمل جنونك، فاحمد ربنا. - دي حقيقة أعتز بيها. سكت عمر ثواني، ومال بجسمه لقدام، والضحك اختفى تدريجيًا من وشه: - بس بجد يا سليم... أنت ناوي تفضل دافن نفسك هنا؟ سليم حجب نظره عنه: - هنا فين؟ - جوه السجن الأبيض ده. أجي الصبح ألاقيك، أمشي بالليل ألاقيك، أطب الفجر ألاقيك قاعد نفس القعدة أنت حتى القهوة بتشربها وهي تلج من كتر ما بتنساها سليم مسك الكوباية اللي جنبه، بص فيها ولقاها فعلاً بردت من بدري. ابتسم ابتسامة باهتة: - ما خدتش بالي. عمر هز راسه بأسى وصدمة حقيقية: - شايف؟ دي مأساة أنت نسيت شكل الشارع يا سليم.. محتاج تعيش شوية يا صاحبي. - وأنا عايش أهو.. نفس طالع ونازل. - لأ أنت بتشتغل.. فيه فرق بين إنك تشيل مسؤولية الناس، وبين إنك تنسى إنك بني آدم. سليم سكت. الهدوء ساد بين المكان، وعمر كان أكتر واحد فاهم إن صاحبه مش مجرد دكتور شاطر وشغوف... عمر عارف إن ورا الهدوء والصلابة دي، جبل من الأسرار القديمة، حاجات سليم مش بيسمح لأي مخلوق يهوب ناحيتها. عمر قال بصوت واطي ودافي: - الشغل مش كل حاجة يا سليم. - عارف. - طب إمتى هتدي لنفسك فرصة تتنفس؟ - لما ألاقي وقت. - والوقت هتلاقيه فين وأنت بتجري وراه وماسك ساعة إيقاف؟ ما ردش سليم. عينيه سارحة في نقطة بعيدة في الفراغ... السؤال خبط في حتة مكشوفة جواه، حتة هو بيهرب منها بطاقة الشغل الخرافية دي. وفجأة، اتكسر السكون بخبط متوتر وسريع على الباب. الباب اتفتح بلهفة، ودخلت الممرضة وشها أصفر وملامحها مرعوبة: - دكتور سليم سليم قام واقف في أقل من ثانية: - في إيه؟ - الحالة اللي في الطوارئ... الضغط وطي . - الضغط كام؟ - سبعين على أربعين ونازل - والنبض؟ - مش منتظم وبيقف ساعات . سليم سحب الملف من إيدها وهو بيتحرك بلمح البصر: - جهزوا أوضة العناية رقم ٢ فورًا عمر قام وراه بنفس السرعة والجدية، واختفت روح الهزار تمامًا: - أنا معاك يا سليم. خرجوا للممر، والخطوات السريعة كانت بتسمع في السقف. - جهزوا 3 وحدات دم بسرعة - حاضر يا دكتور دخل سليم غرفة الطوارئ، تحول تمامًا لشخص تاني... شخص ما يعرفش غير لغة الحياة والموت. قرب من السرير، عينيه بتلمح المؤشرات بسرعة خرافية. - سامعني؟ يا حاج المريض مش حاسس بالدنيا. بس سليم مفيش في قاموسه يأس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الطريق للبيت كان تقيل، وتقيل أوي كمان. عربيات بتزمر، زحمة بتخنق، وناس بتجري في كل حته... بس ليان كانت ماشية وسط كل ده كأنها في عالم تاني خالص. لما وصلت قدام باب الشقة، وقفت ثواني. إيدها بالمفاتيح كانت بترتعش، ونفسها مقطوع. بلعت ريقها بالعافية، وحطت المفتاح في القفل ودخلت. البيت كان هادي... هادي زيادة عن اللزوم، هدوء يسبق الانفجار. أبوها محمود قاعد على الكنبة في نص الصالة، إيديه محطوطة على بعض ووشه باهت وكأنه كبر عشر سنين في كام ساعة. جنبه أمها نادية قاعدة، عينيها حمرة بتفرك في صوابعها بحركة هيستيرية. وفي زاوية الصالة، كان أخوها كريم قاعد على الكرسي، مش في عادته خالص؛ هادي، وشه شاحب، وشايل ابن أخته مالك على رجله بيحاول يسكت حركته. أول ما باب الشقة اتقفل، رفعوا عينيهم ليها. ليان اتجمدت في نص الصالة، الشنطة وقعت من على كتفها على الأرض، وصوتها خرج مخنوق ومكسور: - إيه اللي حصل؟! في إيه يا جماعة؟ مالكم؟ محمود رفع راسه ببطء شديد، عينيه كانت مليانة انكسار عمرها ما شافته فيه قبل كده. اتكلم بصوت واطي ومبحوح: - اقعدي يا لولو... تعالي يا بنتي اقعدي. مشيت رجليها بالعافية، وقعدت قدامهم. محمود تنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من قعر روحه، وقال وهو بيحاول يثبت نبرته: - الشركة... الشركة بتقفل فرع المنطقة اللي شغال فيها. ليان جمدت مكانها، ونبضات قلبها وقفت لحظة: - بتقفل؟! محمود هز رأسه بكسرة: - أيوه يا بنتي. وهيصفوا العمالة... قدامهم كام يوم وهيقولوا مين هيفضل ومين هيمشي. وأنا... أنا من الناس اللي احتمال كبير أوي يتقال لي خلاص، كبرت ومبقاش لي مكان في الهيكلة الجديدة. الصمت نزل على الصالة تقيل أوي زي جبل خرسانة. كل المخاوف القديمة رجعت تنهال على ليان مرة واحدة. نادية لم تعد قادرة على الكتمان، انفجرت في العياط، وصوتها خرج متقطع وهي بتبص لمحمود: - هنعمل إيه يا محمود؟! هنعمل إيه المرة دي؟! المصاريف بقت ضعف زمان ألف مرة علاجك، وقسط الجامعة بتاع ليان، والدروس بتاعة كريم. ده غير مريم وحسام اللي كل يوم في مشاكل بسبب مصاريف مالك ومصاريف العيشة. إحنا ما نتحملش ضربة تانية يا محمود... والله ما نتحمل محمود غمض عينيه بقهر وما عرفش يرد، الكلام اتخنق في زوره. في اللحظة دي، كريم هز راسه بزهول، اتكلم بصوت متوتر وطالع بحدة مكتومة: - يعني إيه يا بابا؟! طب ومصاريف ثانوية عامة والدروس اللي عليا أنا كدة هضيع إحنا ليه كل ما نطلع خطوة لفوق بنقع عشر خطوات لتحت؟! نادية صرخت فيه وهي بتمسح دموعها: - بس يا كريم بس وما تزودهاش على أبوك أنت مش شايف حالته عاملة إزاي؟! مالك الصغير بص لجدته ولباقي العيلة بعيون واسعة، ودخل راسه في صدر كريم وهو بيهمس بصوت مسموع: - خالو كريم... هو جدو محمود زعلان ليه؟ هو إحنا مش هنشتري اللعبة؟ كريم ضم مالك بقوة وسكت ودموعه نزلت غصب عنه. محمود بص لولاده ، ولأول مرة في حياته... تشوف ليان دمعة بتنزل من عين جبلهم المتين. اتكلم بصوت مكسور تماماً: - أنا آسف يا كريم... آسف يا نادية... أنا آسف يا لولو. أنا حاولت أأمنكم على قد ما أقدر، والله العظيم عملت كل اللي أقدر عليه واشتغلت فوق طاقتي... بس الدنيا مش في إيدي، والظروف كانت أقوى مني. الدموع جمّدت في عين ليان لما شافت كسرة أبوها. تحركت من مكانها ببطء، وقعدت جنب أبوها على الكنبة. مسكت إيده الناشفة الخشنة اللي شالتهم سنين، وضغطت عليها بقوة. بصت له وقالت بصوت مرتعش بس ثابت: - متقلقش يا بابا... متعتذرش أبداً. إحنا هنعديها... زي ما عديناها قبل كده وهنقف على رجلينّا تاني. أنا هشوف أي شغل بجانب دراستي، وكريم هيركز في دروسه، وكلنا هنشيل مع بعض. محمود بص لها ونزل رأسه في الأرض بإحباط، ونادية غطت وشها بإيديها وهي بتعيط في صمت، وكريم فضلت عينيه معلقة على الأرض وهو بيطبطب على مالك. ليان فضلت باصة لأبوها وأمها، وهي بتطبطب على إيد محمود... بس وهي بتقوله الجملة دي، كانت عارفة من جواها إن الأمان اللي فضلت طول عمرها بتحلم بيه وبتبني في خيالها سور عشان تحمي نفسها بيه... بدأ يتزحزح ويتكسر من تحت رجليها من جديد، وبطريقة المرة دي... مش هترجع زي الأول أبداً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على آخر الأسبوع، كان الهدوء في بيت مريم زي الهدوء اللي بيسبق الإعصار. "مالك"، ابنها الصغير، كان من الصبح مش على بعضه. في الأول افتكرتها مريم سخونية عادية من تغيير الجو، بس مع اخر النهار، الحرارة عليت جدا، والولد بقى هادي وخامل بشكل يرعب. حطت إيدها على قورته، وسحبتها بسرعة وكأنها لمست جمرة نار، وبصت لاختها ليان بعيون فيها وخوف: - ليان... الولد مولع نار قربت ليان بسرعة، حطت ظهر إيدها على رقبة ابن أختها. اتجمدت ملامحها، ونبضها زاد: - يا نهار أبيض ده زي الفرن مريم بدأت تفرك في إيدها والدموع انهمرت من عينها: - أنا خايفة عليه أوي يا ليان.. الولد بيروح مني - متخافيش، هنلبس وننزل بيه على المستشفى حالاً كلمي حسام. مريم مسكت الموبايل بإيد بتترعش اتصلت بجوزها. حسام رد من أول رنة بصوت طالع بالعافية وسط خبط الكلاكسات: - أيوة يا مريم؟ - حسام مالك حرارته عالية أوي ومش بتنزل، أنا مرعوبة صوته اتغير فوراً والتوتر ركبه: - أنتِ فين؟ - لسه في البيت.. - خدي ليان وانزلي فوراً على المركز الطبي اللي اول الطريق أنا مزنوق في زحمة الكوبري، بس هحصلكم على هناك انزلي يا مريم بسرعة - حاضر.. حاضر بعد أقل من نص ساعة، كانت التاكسي بتقف فرملة شديدة قدام البوابة الزجاجية العريضة للمركز الطبي الحديث. نزلت ليان بسرعة، فتحت الباب، وشالت مالك مع أختها اللي كانت بتعيط ومش قادرة تصلب طولها. ليان مسكت كتف مريم وشدتها بقوة: - مريم بصيلي هنا.. مالك هيبقى كويس، فاهمة؟ ورغم إن قلب ليان كان بينبض جوه صدرها زي الطبول، هزت رأسها بثبات يقوي أختها. ما كانتش متأكدة من حاجة، بس كانت عارفة إن مريم محتاجة القشة دي تمسك فيها. دخلوا الصالة الكبيرة، والممرضات أول ما شافوا منظر الولد اتحركوا بسرعة، وشالوه على ترولي وطلعوا بيه على الطوارئ. مريم حاولت تطلع وراهم، بس الممرضة مسكتها: - معلش يا مدام، استني هنا لحد ما الدكتور يفحص الحالة. - ابني . ليان حطت إيدها على كتف أختها وشدتها لحضنها: - اهدي يا مريم، عشان نعرف نفهم - أنا حاسة إن فيه حاجة وحشة هتحصل يا ليان - مش هيحصل حاجة، ادعيله بس طلعوا علي السلم لغرفه الطوارئ وفجأة... من جوه الأوضة، طلع صوت الصفارة المتقطعة بتاعت جهاز الإنذار (بييب... بييب... بييب!) مريم شهقت صرخة مكتومة: - مالك!! حاولت تزق الباب والممرضة بتمنعها، والدنيا انقلبت هيستيريا وصريخ في الممر... لحد ما قطع كل الهيصة دي صوت واطي، بس حاد وثقيل زي الرصاص: - فيه إيه هنا؟ الكل اتخرس. الممرضات رجعوا خطوة لورا. دخل دكتور سليم . ما كانش محتاج يزعق ولا يرفع صوته عشان يفرض هيبته. مجرد دخوله بالمِشية المتزنة دي والبالطو الأبيض المفرود خلى المكان كله يسكن. بص للممرضة بنظرة حادة: - الحالة فين؟ - هنا في غرفة الطوارئ الرئيسية يا دكتور، طفل حرارته عالية وفيه اضطراب في النبض. دخل سليم الغرفة فوراً، وعمر اللي كان جاي من أخر الممر لمح الهرجلة واتحرك وراه على طول. سليم وقف جنب السرير، وبص لشاشة المؤشرات في ثانية واحدة... ثانية كانت كفيلة تلخص له الوضع. - الحرارة كام؟ - أربعين وشوية يا دكتور. - المحاليل شغالة؟ - أيوة. - زودوا الكمادات والتبريد بالتدريج، واعملوا لي تحليل دم كامل وفحص مؤشرات التهاب فوراً. قرب من مالك، حط إيده على قورته بهدوء يطمن، ونزل لمستواه: - مالك... بطل؟ الطفل فتح عينيه ببطء شديد. سليم ابتسم ابتسامة خفيفة ودافية: - شايفني؟ شاطر.. متخافش. التفت للفريق الطبي ونبرته اتغيرت لصرامة قاطعة: - هننزل الحرارة الأول بالراحة، وبعدين نعرف السبب. محدش يتصرف بعشوائية أو يستعجل.. بره الأوضة، كانت ليان واقفة ضاغطة على إيد أختها، بس عينها كانت متسمرة على الباب الزجاجي. ومن أول لحظة لمحت فيها سليم وهو داخل... حست بحاجة غريبة جواها. مش حب.. ولا انبهار شكلي بالبالطو والوسامة. كانت دهشة دهشة من راجل قدر يدخل وسط المعمعة والفوضى دي كلها، ويهدي الدنيا بنظرة واحدة. ما اتوترش، ما اتقمصش دور البطل، هو ببساطة... كان "أمان" يمشي على قدمين. مريم هزت إيد ليان وهي بتعيط: - هو ده دكتور اطفال يا ليان؟ ردت ليان وعينها لسه متعلقة بالباب: - مش عارفة.. بس شكله فاهم بيعمل إيه كويس. في اللحظة دي، اتفتح الباب وخرج سليم. اتجه ناحية مريم بثبات: - حضرتك والدة مالك؟ - أيوة يا دكتور ابني جرا له إيه؟ - متخافيش.. الحرارة بدأت تنزل وحالته استقرت بشكل مبدئي. هنعمل شوية تحاليل ونطمن أكتر. مريم انهارت في البكاء تاني، بس المرة دي بكاء راحة، وحطت إيدها على قلبها: - الحمد لله يا رب.. ربنا يريح قلبك يا دكتور ابتسم سليم ابتسامة هادية: - ده واجبي. وبعدين.. التفت لليان. ولأول مرة... اتلاقت عينيهم بشكل مباشر. ثانية واحدة، بس كانت أطول من اللحظات العادية. ليان كانت بتبص له بتركيز حاد، بنظرة بنت بتدرس الراجل اللي قدامها... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رفع سليم حاجبه قليلًا، وبدون ما يقصد، فضل باصص لها ثانية أطول. قطع الصمت صوت مريم وهي بتمسح وشها بإيدها وبتتهز: - أنا مش عارفة أشكرك إزاي أقدر أقعد جنبه؟ أنا مش هعمل دوشة. حول سليم عينيه لمريم، ونبرته هادية بس فيها حسم: - متشكرينيش دلوقتي، وأهم حاجة تفضلي هادية. هتقعدي جنبه بعد شوية، دلوقتي خلّيه يرتاح والفريق يخلّص شغله. مالك كان جوه، والباب اتساب مفتوح شوية، صوت الأجهزة جوه قل، بس الصفارة ما اختفتش خالص من ودن مريم. سليم بص ناحية باب الطوارئ وكمل: - مالك هيفضل تحت الملاحظة الليلة دي، ولما التحاليل تظهر هنحدد إذا كان محتاج يفضل هنا أو يقدر يكمل العلاج في بيته. ليان اتدخلت لأول مرة، وعينيها كانت متسمرة في وشه: - يعني هو لسه في خطر؟ سليم بص لها، وحط إيديه في جيوب البالطو الأبيض: - قلت إن حالته استقرت مبدئيًا. - مبدئيًا؟ - أيوه، لأن الحرارة كانت عالية ولسه مستنيين التحاليل. عقدت ليان حواجبها: - طب ليه طمنت أختي وقلت لها متخافش؟ إنت داخل قلت "متخافيش" بسرعة أوي.. على أي أساس؟ ثبت سليم عينيه عليها: - لأن الخوف مش هيعالج ابنها. ردت ليان فورًا، وصوتها ما علاش بس كان ناشف زي المشرط: - بس الحقيقة برضه مش بتتغير لو حاولنا نخبيها أنا مش هسيبها تتعلق بجملة طمأنة وتفرح، وتقوم تقع تاني. لو في احتمال وحش، قوله. لو مش متأكد، قول.. متلعبش دور اللي ماسك الدنيا بإيده الممرضة اللي وراه رفعت حاجبها بذهول، ومريم همست برعب: - ليان... مش دلوقتي ليان ما التفتتش، فضلت مكملة بنبرة فيها تحدي صريح: - دلوقتي بالظبط. التخمين مش شغلنا يا دكتور سليم، شغلنا نطمن. والأهم نطمن إن انك دكتور أطفال، مش مهندس بيتعامل مع آلات بتقرأ مؤشرات على شاشة. الولد كان مرعوب، وحضرتك نازل أوامر وتوجيهات للتمريض . عمر الشريف، اللي كان واقف على بُعد خطوات، رفع حاجبه وهو بيتابع الحوار، وبص لسليم وبعدين للبنت، وكأنه بيقول لنفسه: -أوبا! فيه حد هنا بيخبط في السقف وسليم مابيرحمش.. بدأنا بدري أوي. سليم أخد نفس هادي، وقرب منها خطوة واحدة. مش تهديد، تقدير مسافة. طاطا رأسه شوية عشان يجي مستوى عينيه في مستوى عينيها بالضبط، وعيونه كانت ثاقبة زي الصقر، وصوته نزل لطبقة أوطى وأحدّ: - "الآلات" اللي مش عاجباكي دي هي اللي أنقذت حياة ابن أختك من تشنج حراري كان ممكن يأذيه. والصرامة اللي شايفاها هي الفرق بين دكتور بيسيطر على الأزمة، ودكتور بيعيط جنب أهل المريض. أنا ما بلعبش أدوار يا آنسة، أنا شوفت مؤشرات واستجابة أولية للمحلول والتبريد وقلت اللي قدامي، مش تخمين. لو مكنتش متأكد كنت قلت "نستنى". ليان ما تحركتش، ولا رمشت قدام نظرته القوية. شابكت إيديها قدام صدرها كأن جسمها بقى سور، وابتسمت ابتسامة سخرية مريرة: - السيطرة مش معناها الجمود يا دكتور. السيطرة إنك تدي أمان... والأمان مش بس دوا ومحاليل، الأمان إحساس. وحضرتك مش بتعطي الإحساس ده، حضرتك بتفرضه بالقوة. الضمان مش رفاهية، أنا شوفت ناس اتطمنت بجملة وبعد ساعتين الدنيا اتشقلبت، فلو هتتكلم معايا، اتكلم بالرقم مش بالإحساس. الهوا في الممر وقف ثانية. اتنين واقفين قصاد بعض وسط ممر أبيض، وصوت التكييف بس هو اللي ماشى. سليم رجع فرض طوله وبص لها ببرود: - الإحساس مش بيكتب في الروشتات يا آنسة... أنا بديكِ قراءة طبية مش عقد تأمين، بس النتائج هي اللي بتبان. مالك هيطلع على غرفة الملاحظة، وتقدروا تتفضلوا معاه. لف عشان يمشي، بس قبل ما ياخد خطوتين، ليان قالت بصوت حاد ورنان: - النتائج مهمة طبعاً... بس الأسلوب هو اللي بيخلينا نأمن على أرواحنا عندكم. شتان بين المهارة... وبين الرحمة يا دكتور سليم. سليم وقف في مكانه. ما لفش، بس ظهره اتشد. عمر قرب منه وغمز له بضحكة مكتومة: - شكل الجولة الأولى انتهت بالتعادل يا حكيم... ولا أقولك؟ البنت كسبت نقطة بالضربة القاضية سليم بص لـ عمر بنظرة حادة خلت عمر يكتم ضحكته ويغطيها بإيده فورًا، وبعدين التفت سليم لليان . المرة دي ما ابتسمش، بس عيونه كانت مسجلة ملامحها بدقة. - اسمكِ إيه؟ يتبع مقدمة الفصل الثاني 🩷 (في هذه الحياة، ليس أصعب شيء أن تواجه الخطر... بل أن تختار بين كذبة تُطمئنك وألمٍ يُنقذك. بعضهم يبني حوله سورًا من الهيبة والصمت حتى لا يصل إليه أحد، وبعضهم يقف أمام السور نفسه ويرفض أن يصدق أي كلمة جميلة. لكن القدر لا يرحم حين يضع هذين النوعين في مواجهة واحدة؛ حين تصبح الحقيقة أثقل من أن تُقال، والأمان أغلى من أن يُشترى، ويبدأ قلبان متشابهان في الشك أن يعترفا ببعضهما... قبل أن يكتشف كلاهما أن الماضي الذي دُفن منذ سنين قد بدأ يتنفس من جديد.) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفصل الثاني «أول شرخ في الجدار» - اسمي ليان. - واضح إن عندك أسئلة كتير يا ليان، وإنك بتحبي تجادلي. رفعت ليان ذقنها قليلًا: - لما الموضوع يخص حد بحبه؟ آه. ولما أكون خايفة عليه... بس ده مش معناه إني هسكت. سليم ثبت عينيه في عينيها: - حتى لو الشخص اللي قدامك فاهم أكتر منك؟ - لو فاهم، يشرحلي. - ولو مفيش وقت للشرح؟ ردت ليان من غير تردد: - يبقى هسأل وأنا بجري وراه. لأول مرة، ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على طرف فم سليم. مش ابتسامة إعجاب، ابتسامة شخص لقى قدامه حد مش سهل. - تمام.. أنا مش هقعد أبررلكِ كل قرار. لو عايزة تفاصيل، ادخلي معايا المكتب هشرحلكِ التحليل، الاحتمالات، والخطة. من غير تجميل ومن غير دراما.. ولو لقيتي كلام إنشائي، ساعتها قومي وازعلي. ـ طب ولو الشرح ما عجبنيش؟ ـ ساعتها تسألي سؤال تاني. مش هتلاقي حد هنا بيزعل من السؤال، اللي بيزعل منه هو العشوائية. وإنتِ صح في حاجة... الطمأنة السريعة بتوجع أكتر من الخبر الوحش . ليان حست إن الجملة دي لمست حتة جواها ما كانتش مستعدالها. اعتراف صريح منه. - هدخل المكتب. بس زي ما قلتلك، مش هدخل أختي في أمل فاضي. وقبل ما سليم يرد، خرجت ممرضة بسرعة من غرفة الطوارئ: - دكتور سليم! التحليل الأولي ظهر، وفيه مؤشرات التهاب مرتفعة جدًا مريم شهقت وحطت إيدها على قلبها: - يعني ابني عنده إيه؟! سليم رفع إيده بهدوء: - مبدئيًا مش هنحكم قبل ما نكمل الفحوصات. ليان لاحظت التغيير السريع في عينيه؛ من الهدوء للتركيز القاتل، ولقطت لمعة قلق خفيفة أخفاها بسرعة. سألته: - يا دكتور... فيه حاجة خطيرة؟ سليم بص لها، ثواني قليلة مرت بين عينيهم، وقال بشفافية: - لسه مش عارف. التفت للممرضة بصرامة: - جهزي الجرعة المطلوبة، واطلبي تحليل إضافي فورًا. تحرك بسرعة ناحية الغرفة، وقبل ما يدخل، وقف وبص لليان من فوق كتفه: - وبالمناسبة يا ليان... المرة الجاية اسألي براحتك، بس متعطليش شغلي. ويا ليان... الولد هيبقى تحت نظرى مباشرة، مش محتاجة تفضلي واقفة كأنكِ الحارس الوحيد في المبنى. ليان اتفاجئت، بس ردت بنبرة متحدية: - والمرة الجاية، جاوبني من غير ما تتعامل معايا كأني مش فاهمة. عمر بص لسليم وانفجر ضاحكًا: - يا دكتور... دي أول مرة حد يرد عليك من غير ما يفكر مرتين. سليم بص له ببرود: - عمر.. ادخل شوف التحاليل بدل ما تتفرج. - حاضر يا سيادة المدير دخل عمر وسليم واتقفل الباب الزجاجي. مريم بصت لأختها وابتسمت رغم خوفها: - إنتِ كنتِ بتتخانقي مع الدكتور اللي لسة منقّذ ابني؟ هو شكله كان هادي أوي ليان سحبت نفس طويل، ولأول مرة رجليها حسّت بثقل، وبصت للباب وقالت: - مش بتخانق، هو اللي مستفز. ومن خلف باب الطوارئ، كان سليم بيراجع الفحوصات وهو بيعدل بالطوه، وللمرة الأولى يفكر في مريضة أو مرافقة قابلها لدقائق: - البنت دي مش سهلة، ومش بتسمع الكلام وخلاص. أما ليان، فكانت واقفة برة بتفكر في الراجل اللي متعود إن الكل يرضخ لأوامره... وهي، مستحيل تكون من النوع ده. المكتب كان مستني، والساعة الجاية مش هتبقى مجرد كشف طبي... هتبقى أول مواجهة حقيقية بين بنت عمرها ما وثقت في كلمة "متخافيش"، وراجل شغلته إنه يقولها في الوقت الصح. ـــــــــــــــــــــــــــ داخل أروقة المركز الطبي الحديث، كان الجو يغلي بالتوتر بعد تلك المواجهة الأولى و الحامية في الممر. اتقفل الباب الزجاجي لغرفة الطوارئ ورا سليم وعمر، بينما فضلت ليان واقفة بره، حاطة إيدها على قلبها اللي كان بينبض بسرعة، وعينيها متسمرة على المكان اللي اختفى فيه سليم. جوا الغرفة، كان العالم مختلف تمامًا؛ نغمة منتظمة، و أحيانًا متسارعة، لأجهزة المراقبة، حركة التمريض السريعة، وأصوات الأطباء اللي بتتداخل بصرامة. وقف سليم جنب سرير الطفل "مالك"، عينيه الثاقبة بتتحرك بين شاشة المؤشرات والطفل المستلقي بضعف. - النبض بدأ ينتظم، والضغط اتحسن... خمسة وتسعين على ستين. قالتها الممرضة وهي بتناوله التقرير الأولي. هز سليم راسه بهدوء، ومد إيده يراجع الأرقام بتركيز يرهب كل اللي حواليه. هدوئه ده ما كانش مجرد برود طبي، ده كان ساتر بيبنيه بذكاء عشان يداري بيه وجع قديم، ألم دفين من ماضي بيطارد روحه، وخوف خفي من إنه يفشل في حماية روحه تاني. - كويس... كملوا المراقبة، وخلي التحليل الإضافي يطلع بأسرع ما يمكن. عمر كان واقف الناحية التانية من السرير، بيتابع رسم القلب، لكن عينيه كانت بتتنقل كل شوية بين سليم والباب الزجاجي. ابتسم عمر ابتسامة عريضة، رمى الملاحظات من إيده، وقال بصوت واطي مليان ملاغاة: - على فكرة... البنت اللي بره دي قايدة نار. سليم ما رفعش عينه من التقرير: - ركز في الحالة يا عمر. - أنا مركز والله، بس ما ينفعش نتجاهل المواهب الجبارة اللي بتقتحم المركز دي أول مرة أشوف حد يقف قدامك بالشكل ده... البنت دخلت عليك بالأسئلة، وخرجت باعترافات، وفي الآخر خليتك تقول جملة حكيمة زي: "الطمأنينة السريعة بتوجع أكتر من الخبر الوحش" سليم قفل الملف بضربة مكتومة أحدثت صوتا رنانًا، و بص لـعمر بنظرة حادة زي المشرط: * أنت كنت بتسمعني و واقف تتفرج؟ - و ماله يا سيدي... وبصراحة؟ عجبتني جدًا، لأنها ببساطة ما خافتش منك. سليم رجع بص لمالك و نبرته هديت: - هي كانت خايفة على ابن أختها... الخوف بيخلي الناس تهاجم عشان تدافع عن نفسها. عمر قرب خطوة ومال بجسمه: - وأنا بتكلم عنك أنت أغلب الناس أول ما يسمعوا صوتك بيترعبوا ويقولوا "حاضر يا دكتور"، حتى لو مش فاهمين، لكن "ليان" واقفة بتبص لك كأنها بتبص لحيطة سد خايفة تتسند عليها فتقع بيها.... البنت دي ما بتوثقش في حد بسهولة. سليم سكت ثواني، والأرقام في إيده بدأت تبهت قدام خياله اللي اترسمت فيه ملامح ليان ونظرة التحدي اللي في عينيها. تنهد وقال بصوت دافي وعميق: - لأن الثقة المطلقة دي وهم يا عمر... محدش يقدر يضمن لحد حاجة في الدنيا دي. هي فاكرة إنها لو سألتني و عصرتني كلام هتوصل للأمان... ما تعرفش إن الحقيقة ساعات بتكون أتقل من إن حد يشيلها. عمر هز راسه بأسى خفيف وجدية نادرة: - بس هي مش طالبة غير إنها تثق... وأنت الثقة عندك بحساب أوي. الشك اللي في عينيك من زمان، هو هو الشك اللي في عيون البنت دي دلوقتي. كأنكم بتتكلموا نفس اللغة من غير ما تحسوا . أنت بتدفن نفسك في السجن الأبيض ده، و بتغلف نفسك بدرع الصلابة والتكتيك، عشان تهرب من إنك بني آدم بيحس . سليم اتحرك ببطء، خرج من غرفة الطوارئ واتجه لمكتبه، وعمر ماشي جنبه في الممر بيواصل كلامه: - أنت محتاج تعيش يا صاحبي... الشغل مش كل حاجة، والوقت بيجري من بين إيديك وأنت ماسك ستوب ووتش. سليم فتح باب مكتبه ودخل، والهدوء الثقيل استقبله. وقف ورا مكتبه الخشب الفخم، حط إيديه على السطح اللامع، و بص لـعمر اللي دخل وراه وقعد على الكرسي بكل أريحية: - أنا عايش يا عمر... والشغل ده هو اللي بيحميني و بيحمي الناس. ادخل شوف التحاليل الإضافية لمالك بدل ما تفرقع من كتر الرغي. وفجأة... قطعت صحبتهم الممرضة وهي بتدخل بسرعة و بإيدها ورقة: -دكتور سليم التحليل الإضافي وصل. سليم أخد الورقة فورا، وعينيه بدأت تلتهم السطور. ملامح وشه اتغيرت بالتدريج، والهدوء الصارم تحول لتركيز قاتل. عمر لاحظ التغيير فقام وقف فورا: - فيه إيه يا سليم؟ سليم رفع عينه و نبرته بقت حاسمة: - المؤشرات دي بتأكد إن الالتهاب مش مجرد ارتفاع عابر... محتاجين مزرعة فورا، وخليهم يجهزوا العينة التانية. خرج سليم من المكتب بسرعة، لكنه أول ما فتح الباب، تفاجئ ب"ليان" واقفة قدامه مباشرة في الممر. كان واضح إنها كانت مستنياه، ماسكة إيديها ببعض بتوتر، لكن نظرتها كانت ثابتة: - دكتور سليم... التحليل ظهر؟ سليم وقف قدامها. كان يقدر يجاوب بكلمة واحدة ويكمل طريقه، لكنه افتكر جملتها الحادة: "لو مش متأكد قول، ما تلعبش دور اللي ماسك الدنيا بإيده". أخد نفس هادي، وقال بشفافية تامة وبصوت خالي من الاستعلاء: - ظهر... وفيه مؤشرات التهاب عالية، لسه مش كفاية عشان نحدد السبب بدقة، وعشان كده هنكمل الفحوصات ونعمل مزرعة. في اللحظة دي، قربت مريم أختها وهي مرعوبة، و ضامة إيديها لصدرها ودموعها مغرقة وشها: - يعني ابني في خطر يا دكتور؟! سليم بص لـمريم بثبات يطمن، ثم حول عينيه لـليان وقال: - أنا مش هكدب عليكِ و أقولك إن مفيش احتمال لمضاعفات، وفي نفس الوقت مش هخوفك من حاجة لسه ما حصلتش. مالك حاليًا مستقر، وإ حنا بنتعامل مع السبب قبل ما يتطور. ليان فضلت باصة لـسليم. لأول مرة، التحدي و العناد اللي في عينيها اختفوا، ويحل محلهم شيء أقرب للتقدير والاحترام. هزت راسها ببطء وقالت بصوت هادي: - كده... أنا فهمت. سليم اكتفى بنظرة قصيرة، ولف عشان يمشي، لكن ليان نادت برقة مفاجئة: - دكتور سليم. وقف ولفت دماغه ليها: - نعم؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة وقالت: - أنا آسفة... لو طريقتي كانت حادة معاك بره. سليم بص لها لثواني، ولأول مرة يترسم على طرف شفتيه ظل ابتسامة دافئة: - و طريقتي كانت حادة برضه. رفعت ليان حاجبها بمشاكسة خفيفة: - يعني... نبدأ صفحة جديدة؟ - هنحاول. ضحكت ليان ضحكة خفيفة أذابت كل التوتر اللي كان في الممر: - تمام. مشي سليم بخطوات متزنة ناحية المعمل، بينما عمر كان واقف بيراقب المشهد من بعيد. ------ اقتحم عمر المكتب بعد دقائق معدودة من دخول سليم، وقفل الباب وراه بابتسامة خبيثة وهو بيسحب الكرسي ويقعد قدامه: - لا لا لا... أنا مش مصدق اللي شايفه دكتور سليم الشافعي، اللي ما بيسمحش لمخلوق يناقشه في قرار، واقف يبرر ويفسر ويقول "هنحاول"؟! أنت متأكد إنك بخير يا صاحبي؟ سليم ما رفعش عينه من الملف اللي قدامه، وفتح القلم وهو بيكتب ملاحظاته بنبرة هادية بس حاسمة: - البنت كانت بتسأل بفهم يا عمر... وما دام أهل المريض عندهم استيعاب، يبقى من حقهم يفهموا. وفر كلامك ده وركز في الحالات اللي عندك. عمر مال بجسمه على المكتب وابتسم: - فهم إيه بس البنت عينيها كانت بتطلع شرار وهي بتستفزك، وأنت عينيك كانت فيها نظرة إعجاب محاولتش حتى تداريها ليان دي شكلها هتغير قواعد اللعبة هنا في المركز. سليم قفل الملف بضربة خفيفة أحدثت صوتًا رنانًا، وبص لـ عمر بنظرة حادة: - عمر... البنت جاية هنا عشان ابن أختها، مش عشان تلعب لعبة. قفل على الموضوع ده خالص. في نفس الوقت، كانت ليان واقفة في كافيه المركز الطبي بتحاول تهدى بعد يوم طويل ومرهق. كانت ماسكة كوباية القهوة بإيدها، وعينيها بتسرح في الفراغ. مريم أختها قربت منها، وضغطت على إيدها بابتسامة دافية: - سرحانة في إيه يا ليان؟ ليان اتنهدت وابتسمت ببطء: - ولا حاجة يا مريم... كنت بفكر في الدكتور ده. سليم الشافعي. - ماله؟ بصراحة هو يخوف في الأول، بس فيه هيبة وطمأنينة غريبة... تحسي إنك معاه في أمان. - هو ده بالظبط اللي كنت بفكر فيه... الأمان اللي بيعطيه مش أمان كلام حلو ولا طمأنينة كدابة، ده أمان نابع من قوة وثبات. شخصيته معقدة أوي يا مريم، تحسيه شايل أسرار الدنيا فوق كتفه وماشي بيها من غير ما يشتكي. عدت الأيام القليلة التالية في المركز الطبي بهدوء حذر. حالة الطفل مالك بدأت تتجه للاستقرار الكامل بفضل الخطة العلاجية الدقيقة اللي وضعها سليم، وكان قرار خروجه من المركز قرب يتحقق. في صباح اليوم الأخير، كان سليم بيمر على الحالات في جناح الإقامة. دخل غرفة مالك، ولقى ليان قاعدة جنبه بتمرر إيدها في شعره بحب وحنان كبير. أول ما دخل، وقفت وبصت له بابتسامة هادية مختلفة تمامًا عن النظرة الحادة اللي بدأت بيها المواجهة الأولى. - صباح الخير يا دكتور. - صباح النور. جاهزين للخروج النهارده؟ - مالك منتظر اللحظة دي بفارغ الصبر... وأنا كمان بصراحة. سليم قرب وفحص الطفل للمرة الأخيرة، وكتب أمر الخروج في التقرير. لما رفع عينه، التقت عينيه بـليان، وساد صمت قصير فيه لغة تفاهم جديدة اتكونت بينهم من غير كلام. ليان قربت منه خطوة، وقالت بصوت خفيض و ناضج: - أنا حابة أعتذر لك تاني يا دكتور سليم... و بشكرك من قلبي. أنت مش بس عالجت مالك، أنت إديتنا درس في إن الحقيقة أوقات بتكون أرحم بكتير من الأوهام. سليم بص لها بتمعن، و نبرته هديت أوي: - المهم إن الطفل بخير يا آنسة ليان... وده شغلي. بس نصيحة مني، بلاش تخلي الخوف هو اللي يسوقك في علاقتك بالناس، مش كل حد بتقابليه محتاج تحاربيه عشان تطلعي منه بالحقيقة. ابتسمت ليان ابتسامة دافية وذكية: - لما تحس إن العالم اللي حواليك مش أمان، الحرب بتبقى دفاع عن النفس... بس أوعدك هحاول أثق أكتر. سليم أومأ برأسه بثبات، ولأول مرة تظهر على وشه ابتسامة صريحة وواضحة: - اتفقنا. خرج سليم من الغرفة، ووقفت ليان تتابعه بظهره وهو بيمشي في الممر بخطواته الواثقة. كانت حاسة إن القصة بينه وبينها ما انتهتش مع خروج مالك من المستشفى، بل إن دي كانت مجرد المقدمة. وما كانتش تعرف إن الأيام اللي جاية هتكشف لها إن دكتور سليم الشافعي، الجبل الأشم اللي بيوفر الأمان لكل اللي حواليه، بيخفي ورا دروعه الصلبة وجع وأسرار قديمة... وإن البنت اللي جت تدور عنده عن الأمان، هي الوحيدة اللي هتكون قادرة تقتحم حِصنه وتفك أسراره. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ في المساء، كان الهدوء متمدد في كل أركان البيت الكبير، هدوء ما يشبهش الراحة خالص، على قد ما يشبه الهدوء الزائف اللي بيسبق انفجار سر اتدفن من سنين طويلة. مكتب فؤاد كبير العائلة ابو سليم، الرجل اللي بنى إمبراطوريتهم بحديد ونار وصارت كلمته هي السيف كان في آخر الممر، ورا باب خشبي تقيل اعتاد يحجب عن باقي البيت كل اللي صاحبه مش عايزه يِتسمع أو يِتشاف. أباجورة واحدة كانت قايدة فوق المكتب، رامية دائرة ضوء أصفر على السطح الخشبي الفخم، بينما باقي الأوضة غرقان في نص عتمة مليانة بريحة الورق القديم. كان قاعد على الكرسي كمال عم سليم، و الأخ الأصغر لفؤاد، الراجل الحذر صاحب الذكاء الهادي اللي بيفضل ديما يدير الأزمات من تحت لتحت بعيد عن المواجهة المباشرة كان بيقلب بملل وحذر في ملفات قديمة أطرافها اصفرت؛ عقود و شيكات ومستندات تخص مشروع الشراكة القديم اللي اتقفل ملفه من زمان. فجأة... صوابعه اتسمرت فوق اسم مكتوب في تقرير حسابات قديم. محمود... (محمود النوحي). اللي بيكون ابو ليان توقفت حركة إيديه تمامًا. الاسم مكانش لشريك كبير ولا صاحب نفوذ، ده كان اسم راجل بسيط مرتبط بأكبر كابوس عاشته العائلة. مرر كمال كفه على وشه و تمتم بصوت خافت طالع منه الخوف: - محمود... معقولة؟ هو مش محمود ده اللي كان شغال مشرف في موقع المشروع القديم وقت الحادثة؟ قلب الصفحات بسرعة، كان الاسم جنبه توقيع قديم في أوراق الحسابات اللي راجعها حسان المحاسب قبل ما يموت بأيام. الحادثة اللي راح فيها حسان اتردم عليها بحجر تقيل تحت مسمى "قضاء وقدر"، عشان محدش يفتح ملفات الشراكة واللي حصل فيها. فتح كمال درج المكتب وأخرج صورة قديمة لموقع المبنى زمان، كان محمود واقف فيها بملابس شغل بسيطة و وش باين عليه العياء والشقاء. تراجع كمال في كرسيه ببطء و تمتم: - الراجل ده و عيلته طول عمرهم عايشين على قد حالهم و بيجروا على قوت يومهم... بس مجرد وجود اسمه في أوراق حسان خطر. لو الأوراق دي اتفتحت أو حد نبش ورا اللي حصل زمان، السر اللي دفناه حيطربق البيت فوق دماغنا كلنا في اللحظة دي، مقبض الباب اتقلب ودخل فؤاد (أبو سليم). دخل بهيبته الصلبة اللي بتفرض نفسها من غير ما يرفع صوته. بص لأخوه كمال وبعدين للملف اللي في إيده، وقفل الباب وراه بهدوء مريب. قرب فؤاد من المكتب ببطء، وسأل بصوت حاد: - بتدور في ملفات إيه يا كمال؟ حاول كمال يحافظ على ثباته قدام أخوه الكبير: - ملفات المشروع القديم يا فؤاد... لقيت اسم محمود النوحي في أوراق الحادثة. توقف فؤاد، وعينيه اتغيرت بصرامة حادة: - ومحمود ده إيه اللي يخليك تفتكره دلوقتي؟ راجل غلبان و عيلته طول عمرها بتجري على أكل عيشها وما يعرفوش حاجة عن اللي جرى. رد كمال بنبرة حذرة وذكية وهو باصص لأخوه: - عارف إنه غلبان وما حيلتوش حاجة... بس حسان المحاسب قبل ما يموت كتب اسمه في التقرير. محمود كان الشاهد الوحيد على اللخبطة اللي حصلت في الحسابات قبل الحادثة. أنا مش خايف من محمود كشخص ولا من عيلته الغلبانة... أنا خايف من السر اللي المظلومين دول شايلينه من غير ما يفهموا قيمته خايف لو حد من ولادنا أو حد من برة فتح الملف القديم، يعرف إن حادثة حسان مكانتش مجرد قضاء وقدر، وساعتها ابنك سليم ومشروعه و العيلة كلها هيدفعوا التمن. ساد الصمت في الأوضة، ونظر فؤاد لأخوه بنظرة ثقيلة تحسها إن الماضي فعلا بدأ يرمي ضله من جديد على العائلة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من اليوم اللي خرج فيه مالك من المركز، ما خرجتش الحكاية من دماغ ليان بنفس السهولة. كانت فاكرة إن أول ما ابن أختها يرجع البيت، هترجع هي كمان لحياتها الطبيعية، لمحاضراتها، و لمذاكرتها، و للبيت اللي كانت تفاصيله أحيانًا بتخنقها و أحيانًا تديها إحساس غريب بالانتماء، خصوصًا مع وجع أبوها محمود والجبل اللي بيميل بيه. لكن الغريب إن كل مرة كانت تعدي فيها من قدام المركز الطبي، كانت عينيها تروح تلقائيا ناحية المبنى... ناحية الدور اللي عرفت فيه سليم. مش سليم الطبيب وبس... لكن الراجل اللي دخل عليها في أكتر لحظات خوفها، وما حاولش يبيع لها وهم. الراجل اللي خوفها في البداية ببروده، وبعدين طمّنها من غير ما يقول لها كلام حلو. ومن يومها، بدأت زياراتها للمركز تزيد. في البداية كانت زيارات منطقية جدًا؛ تسأل على حالة مالك، تتابع تحاليله، و تتطمن على موعد المتابعة. وكانت في كل مرة تقنع نفسها إن الموضوع كله عشان ابن أختها. لكن الحقيقة كانت بتفضحها كل مرة؛ لأنها من غير ما تاخد بالها، كانت بتسأل مريم أختها وهي بتتظاهر باللامبالاة: - هو الدكتور سليم موجود النهارده في المركز ؟ في المرة الأخيرة، رفعت مريم حاجبها و بصت لها بنظرة فيها خبث الاخت اللي فاهمة كل حاجة: - و إنتِ عايزة تعرفي ليه؟ عدلت ليان شنطتها على كتفها بسرعة: - عشان... لو موجود أبقى أسأله على نتيجة التحليل الاخير . ضحكت مريم ضحكة قصيرة: - آه... نتيجة التحليل. طب ما أنا أقدر أسأل . سكتت ليان لحظة، و توترت صوابعها على الشنطة: - لا، خلاص... أنا هسأل بنفسي. سابتها مريم تطلع لوحدها وهي بتبتسم، أما ليان ففضلت واقفة مكانها متضايقة من نفسها؛ لأن السؤال الحقيقي ما كانش عن التحليل، كان عن راجل بدأ وجوده يثير فيها إحساس كانت بتدور عليه طول عمرها... الأمان والاستقرار. دخلت ليان الممر، وكان المكان أهدأ من المعتاد. وهي واقفة عند الاستقبال، سمعت الصوت اللي بيخلي نبضها يتلخبط من غير إذن: - مالك عامل إيه؟ التفتت بسرعة. كان سليم واقف على بُعد خطوات، بالهيبة نفسها اللي اعتادت تشوفه بيها؛ القميص المرتب، الملامح الهادية، والتركيز اللي يخلي اللي قدامه يحس إنه واخد كل انتباهه. ابتسمت ليان من غير ما تقصد: - أحسن كتير، الحمد لله. قرب منها و أخد ملف التحاليل من إيدها، و إيديه لمست الورق بقرب خلى الهواء بينهم يتشحن بالكهرباء. سليم اللي عدى الـ38 سنة، الجراح الصارم ورجل الأعمال اللي حياته كلها محسوبة بالمسطرة كان بيموت ويقرب، بس كان بيفكر نفسه كل ثانية: «14 سنة فارق سن مش قليل... دي مجرد بنت صغيرة، أهلها محتاجين مساعدة، وأنا طبيبهم و سندهم مش أكتر». بس الاهتمام البارد ده كان بيتحول جواه لـعشق صامت يحرقه. بص لها سليم وقال بنبرة جادة: - بس ما تستعجلوش في رجوعه لكل نشاطه. هزت رأسها: - حاضر. تحرك عشان يرجع مكتبه، لكنها نادته من غير تفكير: - دكتور سليم؟ توقف والتفت لها. ضغطت أصابعها حول الملف وترددت قبل ما تقول: - هو... ممكن أسألك سؤال؟ إنت دايمًا كده؟ هادي بالشكل ده؟ لمعت ابتسامة صغيرة ونادرة في عينيه: - دي أول مرة حد يسألني السؤال ده. للدرجه مهتمة تعرفي؟ ارتبكت ليان، وشها احمر وقالت بسرعة: - ولا حاجة... كنت بس بسأل. قرب سليم خطوة زيادة، و النظرة اللي خرجت منه كانت مليانة مشاعر مكتومة بقالها شهور، وبصوت خرج فيه بحة دافية و واطية أوي قال: - خليكي في اللي يخص مالك... أحسن لك يا ليان. رفعت حاجبها وهي بتحاول تداري ضربات قلبها المتسارعة: - وأنا فعلا كنت بتكلم عن مالك. رد بنبرة فيها سحر غريب وهو بيبعد: - واضح جدًا. فضلت ليان باصة له وهو بيبعد، و تمتمت بضيق: "مستفز".. بس ابتسامتها كانت بتقول العكس تمامًا. بعدها بشوية، دخلت ليان المكتب وراه عشان تاخد بقية الروشتة. الهدوء كان تقيل في الأوضة، وسليم واقف ورا مكتبه بيقفل الملف، إيديه كانت ثابتة، بس قلبه جوا صدره كان بيطرق بدقات مرعوبة من مشاعره. بصت له ليان، وعينيها فيها مزيج غريب من الامتنان والوجع، وقالت بصوت متوتر بس طالع من أعمق نقطة في قلبها: - دكتور سليم... أنا مش عارفة أشكرك إزاي. أنت مش بس بتعالج مالك... أنت الحاجة الوحيدة اللي بتخليني أحس إن الدنيا لسه بخير، وإن لسه فيه أمان في وسط الزحمة دى. اتجمد سليم في مكانه. كلامها نزل على الحصون اللي بانيها و هدمها. تراجع خطوة لورا بصعوبة، ومسك القلم اللي على المكتب عشان يثبت إيده اللي بدأت ترتعش، وقال بنبرة هادية بالعافية: - الأمان مش كلام بنقوله يا ليان... الأمان إنك تلاقي الحد اللي مستعد يقف قدام الدنيا كلها عشانك. وأنا معملتش غير واجبي... وأي حاجة تحتاجيها أنتِ وأهلك، أنا موجود. ابتسمت ليان ابتسامة خفيفة فيها وجع وشوق مكتوم، وقالت وهي بتمشي ناحية الباب: - عارفة يا دكتور... وعشان عارفة، أنا مطمنة. خرجت ليان و سابت سليم واقف في نص المكتب، حاطط إيده على قلبه اللي بيقيد. مكانتش تعرف إن الرجل اللي اختارته بعقلها عشان يمثل لها الأمان، هتنتهي بعشقه رغماً عنها... و مكانتش تعرف إن الباب اللي بتفتحه مع سليم في اللحظة دي، هو هو الباب اللي أبوه "فؤاد" و عمّه "كمال" قاعدين فوق في البيت الكبير مرعوبين منه مكنتش تعرف إنها بتخطو برجليها جوة عاصفة أسرار الماضي...، الحب والعشق والأمان ده كله هيتحول لنار تاكل الأخضر واليابس، لأن "ليان" مش مجرد بنت عابرة... دي ابنة الرجل اللي الماضي جاي لهم عشانه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالنسبة لبنت عاشت طول عمرها خايفة من بكرة، ومن الفلوس اللي بتخلص، ومن كسرة أبوها محمود قدام الديون، كان سليم هو القلعة المنيعة والحائط الثابت اللي لو الدنيا كلها اتهزت، هو أكيد ما بيتهزش. وفي يوم، والمركز زحمة، حصلت الكارثة اللي زلزلت المكان؛ راجل ثائر دخل الممر وهو بيصرخ و بيهدد بقطعة إزاز مكسورة في إيده بسبب تأخير تحليل لمراته. الناس تراجعت بخوف، وليان كانت واقفة في وش الممر متجمدة، بس قبل ما يوصل لها الراجل بخطوة، خرج سليم من مكتبه ووقف بينهم بثبات مرعب، وقال بنبرة قاطعة: - نزل اللي في إيدك يا حاج... حقك تاخده، بس مش بالأسلوب ده في مكاني. الهدوء الصلب أجبر الراجل يرمي الإزاز، وفي ثواني الأمن اتعامل معاه. بس سليم ما اهتمش باللي حصل، كل اللي عمله إنه التفت لـليان، مسك كتفها بإيديه الدافية، وعينيه بتتفحص وشها المرعوب بنظرة فيها خوف مكتوم زلزل جموده: - أنتِ كويسة؟ جرى لك حاجة؟ صوابع ليان العفوية مسكت في طرف جاكيته، وكأنها بتمسك في الأمان نفسه. فارق الـ14 سنة بينهما كان سدًّا منيعا يحاول سليم يبنيه كل يوم عشان يقنع نفسه إنه مجرد طبيب ورجل أعمال بيساعد بنت ظروفها صعبة، بس لمسة إيديها ونظرة عينها هدّت جدران العقل، فسحب إيده ببطء وهو بيضغط على القلم في جيبه عشان يثبت إيده اللي بدأت ترتعش، وقال بنبرة مشحونة مشاعر: - ادخلي جوة المكتب يا ليان... ارتاحي و اشربي حاجة دافية. وجودك برة هنا... بيلخبطني. خرجت كلماته بعفوية أربكتها، ولأول مرة تشوف الحيرة جوة نبرة الجراح الصارم، فابتسمت ابتسامة خفيفة ومشت وهي حاسة إن السور العالي بدأ يتشقق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 🔥الفصــــــــــــــــــل الثـــــــــــــــــالث 🔥 🔥 حين استيقظ الماضي 🔥 مقدمــــــــــــــة الفصـــــــــل🔥 ليــــــــــــان وسليــــــــــــم 🔥🔥 ليس كل أمانٍ نلجأ إليه يكون بريئًا من الأسرار... فأحيانًا يأتي الشخص الذي يمنحنا الطمأنينة، حاملًا في يده مفتاحًا لأبوابٍ قديمة لم نكن نعرف بوجودها. كانت ليان تظن أن قلبها بدأ يتغير بهدوء... وأن ذلك الرجل الذي يظهر في اللحظات الصعبة، ويمنحها شعورًا لم تعرفه من قبل، ربما يكون الاستثناء الوحيد لقاعدة وضعتها لنفسها: أن الأمان أهم من الحب. أما سليم... فكان يخوض معركته الخاصة. يحاول أن يقنع نفسه أن ما يشعر به مجرد اهتمام، وأن خوفه عليها ليس أكثر من مسؤولية، وأن قلبه ما زال قادرًا على الوقوف بعيدًا عن فتاةٍ بدأت تقترب منه دون أن تدري أنها أصبحت أخطر نقطة ضعف في حياته. لكن القدر لم يمنحهما وقتًا طويلًا لفهم مشاعرهما... ففي اللحظة التي بدأ فيها الأمان يأخذ شكل إنسان، قرر الماضي أن يستيقظ. اسمٌ واحد كان كفيلًا بأن يبدل ملامح محمود، وذكرى قديمة كانت كفيلة بأن تعيد إلى البيت خوفًا ظن الجميع أنه دُفن منذ سنوات. حسان... فؤاد الشافعي... كمال... وأسرار لم تُدفن وحدها، بل دُفنت معها حقوق وحكايات ووجوه ما زالت الحقيقة تبحث عن أصحابها. والآن... ليان تقف بين قلبٍ بدأ يميل، وأبٍ يطلب منها الابتعاد. وسليم لا يعرف أن اقترابه منها لم يعد مجرد حكاية قلب... بل أصبح خيطًا يسحبه إلى ماضٍ لا يعرف عنه شيئًا. فهل يستطيع الحب أن يصمد حين تصبح الحقيقة أقوى من المشاعر؟ وهل يكون سليم فعلًا الرجل الذي وجدت فيه ليان أمانها... أم أن قربه منها سيقودها إلى أخطر سر في حياة عائلتها؟ ------------------------------- وبعد ما هديت الأوضاع وخرجت ليان من المكتب، نادها سليم ليُعيد لها الملف اللي نسيته، ولما رمقته بنظرة مستنكرة وسألته: - هو أنا لما أجي هنا من غير مالك بالنسبة لك مشكلة؟ ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: - غريبة... أنا أول مرة أعرف إن المراكز الطبية بتعجب حد. احمر وشها ومشيت وهي بتسمع ضحكته الخافتة اللي فضلت عالقة في ذهنها. لكن العاصفة الحقيقية كانت جوة سليم؛ لما رجعت ليان البيت وقعدت جنب أختها مريم، وسألتها بعفوية: - تفتكري دكتور سليم عنده كام سنة؟ ضحكت مريم بخبث وسألتها عن سر تغيرها، فسكتت ليان وقالت بصوت خافت: - أنا لسه على مبدأي إن الحب لوحده مش كفاية... بس لما بيكون موجود، بحس إن الدنيا أجمل. ما كانتش ليان تعرف إن الأمان اللي بتدور عليه تحول لشخص، وما كانش سليم عارف يهرب من العشق الصامت اللي بيزيد كل يوم، بينما الأيام كانت بتثبت للاتنين إن الحكاية أكبر منهم، وإن خطواتهم نحو بعض هي نفسها الخطوات اللي بتاخدهم جوة بركان أسرار الماضي اللي كمال وفؤاد مرعوبين منه فوق في البيت الكبير. داخل مكتب سليم، كان الهدوء المعتاد مغلف المكان، بس كان هدوء ظاهريا و ثقيلًا، مليان توتر حاد. سليم واقف ورا مكتبه الفخم، بين صوابعه القلم بيتحرك بسرعة منتظمة، وعينيه مركزة على أرقام تحاليل مالك، لكن تركيزه كان بيتقطع كل ثانية بصورة ليان وهي واقفة قدامه من كام دقيقة؛ نظرتها المرعوبة، صوابعها العفوية اللي اتعلقت بطرف جاكيته، والجملة اللي خرجت منه بضعف إنساني عارٍ، ولسه مش فاهم إزاي نطقها: "وجودك برة هنا... بيلخبطني". شد نفس طويل ومسح وجهه بإيده، بيحاول يمسح المشهد من دماغه، وفي اللحظة دي اتفتح الباب ودخل عمر الشريف، حاطط إيديه جوة بالطو الأبيض، و بيمشي بخطوات واثقة، ووقف قدام المكتب و أمال رأسه بابتسامة خبيثة ومجربة: - سليم... فاضي شوية نتكلم يا مديرنا الجاد؟ ولا مشغول بالمراجعة على المرضى... أو بالأحرى، مراجعة واحدة بعينها؟ سليم ما رفعش عينيه فورا، حاول يمسك نبرته وقال بصرامة حازمة عشان يداري ارتباكه الداخلي: - عمر، لو معندكش شغل في قسمك، انزل تابع مرضى الطوارئ. أنا معنديش وقت للهزار ده دلوقتي. سحب عمر الكرسي وقعد قدامه براحة، وسند كوعيه على المكتب وقال بضحكة خفيفة فيها مكر صديق فاهمه أوي: - هزار؟ يا بني أنا عمر الشريف... خبير القلوب قبل ما أكون دكتور بشرى . - أنت دكتور، مش عراف. - الطبيب الشاطر بيعرف يشخص الحالة من أول نظرة، وحالتك أنت بالذات محتاجة متابعة عاجلة. حط سليم القلم على المكتب وقال بجدية حادة: - عمر، لو عندك حاجة مهمة قولها و خلصني. ابتسم عمر، بس النبرة المرة دي هديت وبقت مليانة مشاعر وصادقة: - عندي... أنت اتغيرت يا سليم. في طريقة كلامك، في نظرتك. من يوم ما ليان دخلت حياتك وأنت بتقول: مجرد حالة، مجرد خالة مالك، مجرد عيلة محتاجة مساعدة... وكل مرة تزود كلمة جديدة عشان تقنع نفسك، لكن عينيك بتقول حاجة تانية خالص. - لأنها الحقيقة يا عمر... هي مجرد بنت ظروفها صعبة، وأنا بساعدها. مال عمر بجسمه للأمام وضغط بإصبعه على سطح المكتب: - متأكد؟ طيب ليه لما كانت واقفة في الممر النهارده، خرجت من مكتبك زي المجنون أول ما سمعت صوت الخناقة؟ وليه بعد ما الأمن سيطر على الراجل، ما سألتش على مخلوق في المركز غيرها؟ مسكت كتفها وقلت لها: "أنتِ كويسة؟ جرى لك حاجة؟" بنفس النبرة اللي عمري ما سمعتك بتكلم بيها حد؟ أنت كنت مرعوب عليها أكتر ما هي مرعوبة. سليم اتجمد لثواني، الأوراق في إيده اتضغط عليها من غير ما يقصد، ولف بكرسيه و بص ناحية الشباك الكاشف للممر، وقال بنبرة طالع منها برود مصطنع بالعافية: - هي بنت صغيرة طالبة جامعة، قدامها حياتها و طريقها... وأنا راجل عندي شغلي، و عيلتي، و مسؤولياتي اللي ما تنتهيش. الموضوع مش بالشكل اللي أنت فاهمه. - فارق السن كام يا سليم؟ - أربعة عشر سنة. صفر عمر بخفة وقال: - تمام... يعني أنت بالفعل عامل الحساب و بتحسبها بالمسطرة والقلم بس العقل حلو، والسيطرة اللي أنت مدمنها ينفع تفرضها على مستشفى أو شركة، إنما القلوب عمقها أكبر من جدول أعمالك. البنت دي بتبص لك كأنك السند والأمان اللي بيحميها من كوابيس حياتها، وأنت من جواك بتموت وتبقى السند ده... ما تخافش من الإحساس لدرجة إنك تكذبه وتظلم نفسك و تظلمها معاك. سليم سكت تمامًا، و سكوته كان أصلب و أوجع من أي كلام. قام واتجه للنافذة، حاطط إيده في جيبه و بيتحرك بعينيه مع حركة الناس تحت. قام عمر هو كمان، وقرب منه وحط إيده على كتفه بقوة ودعم: - أنا مش بضغط عليك يا صاحبي، أنا بس خايف عليك تضيع فرصة عشان خوفك... الأمان اللي بتديهولها ده، هيتحول لعشق يهد كل حصونك، وساعتها مش هتعرف تفرمل. خرج عمر و ساب الباب موارب. سليم رجع لمكتبه، حط إيديه على وشه وتنهد تنهيدة طويلة و محملة بتقل الدنيا. مسك الملف اللي قدامه، بس عينيه راحت تلقائيا على الاسم المكتوب في أعلى الصفحة: "ليان محمود النوحي". ـــــــــــــــ كانت ليان تخرج بخطوات متسارعة من بوابات كلية الآداب بعد انتهاء آخر محاضراتها في وقت متأخر من بعد الظهيرة. كانت وجهتها محددة و محسومة في رأسها: مكتبة صغيرة مخصصة لطباعة وبيع الأدوات الجامعية تقع في أطراف الحي القريب، حيث اتفقت مع صاحبها على عمل جزئي في تفريغ وتنسيق الأوراق والملازم الدراسية، لعل الراتب البسيط يساعد في تغطية مصاريف دراستها والمساهمة في أزمة والدها المالية دون أن تشعر أسرتها بالحرج أو الرعب من الضيقة التي يمرون بها. أثناء خروجها، كانت تمسك بكتبها و حقيبتها الثقيلة وتحاول طلب سيارة عبر التطبيق، لكن هاتفها أوشك على النفاذ. اضطرت للمشي قاطعة الشارع الرئيسي المتجه نحو الأزقة الجانبية الأقصر وصولا للمكتبة. في هذه الأثناء، كان دكتور سليم يقود سيارته في الشارع الرئيسي المحاذي لمحيط الجامعة بعد خروجه من اجتماع سريع. وأثناء توقفه في الإشارة المرورية، لمح ليان وهي تعبر المشاة بملامح شاحبة وخطوات قلقة و مضطربة جدًا. سليم بحكم متابعته الخفية لها والحب المكتوم الذي يحمله تجاهها ـ لاحظ فورا أن اتجاه سيرها ليس نحو طريق منزلها ولا الموقف العام. انتابه شك وقلق من هيئتها؛ فقرر ألا يتجاهل الأمر و هدّأ من سرعة السيارة، ليمشي ببطء على مسافة أمان خلفها دون أن تلاحظ، ليطمئن فقط إلى وجهتها. دخلت ليان في شارع جانبي شبه خالٍ من المارة والمحلات، مختصرة الطريق للوصول للمكتبة قبل غروب الشمس. كانت مشغولة بالنظر في أوراقها وضغط الأزمة في رأسها، ولم تنتبه للشابين اللذين كانا يتسكعان أمام إحدى البنايات قيد الإنشاء. بمجرد مرورها، لمحا توترها وحملها الثقيل، فاعترضا طريقها بكلمات ومضايقات متدرجة مفاجئة، مما جعلها تتراجع للخلف بذعر و تتصلب في مكانها وهي تضغط على كتبها. في تلك اللحظة بالذات، كان سليم قد انعطف بالسيارة إلى الشارع الجانبي نفسه. بمجرد أن رأى تراجعها المرعوب ومحاصرة الشباب لها، أوقف السيارة فورا على جانب الطريق، ونزل بهيبته و صرامته ليقطع المسافة بينهما بخطوات جادة قاطعة... مشى سليم بخطوات بطيئة، بس قاطعة زي المشرط. عينيه ما كانتش على الشباب... عينيه كانت مثبتة على وش ليان المرعوب و صوابعها اللي ماسكة في كتبها و شنطتها بحسرة. في اللحظة دي، الجمود و البرود اللي بيغلف بيه نفسه كل يوم انكسر تمامًا، ليحل محله غضب مكتوم ونار بتغلي جوة صدره. وقف سليم بينها وبينهم، ساتر كامل بحجم الجبل. حط إيده في جيب بنطلونه، و بص للشابين بنظرة صقر حادة، وصوته نزل لطبقة واطية جدًا... بس مرعبة: ـ خطوة كمان... و هتنسوا السكة اللي جيتوا منها. الشباب بصوا لبعض، والشاب المتهور حاول يكابر و يزق صدره لقدام: ـ وأنت مالك يا كابتن؟ إحنا بنـ... قبل ما يكمل كلمته، سليم خطى خطوة واحدة بس لقدام، خلت الهوا بينه وبينهم يتجمد. قرب منه بثبات مرعب، و بص له بعيون تفيض بالسيطرة والنفوذ، ورفع حاجب واحد بنبرة قاطعة: ـ قلت كلمة واحدة. والكلمة عندي مابترجعش. تمشوا بالحسنى... ولا أعرفكم إزاي الراجل اللي قدامكم بيتصرف مع اللي يضايق حاجة تخصه؟ الكلمة طلعت منه بوزن، والشباب لقطوا الهيبة والنفوذ من نبرته وشكله وقوته الجسدية، فانسحبوا فورا وبسرعة من غير ما ينطقوا بحرف، و اختفوا في آخر الشارع. أول ما الشارع فضي، التفت سليم بسرعة. كل الصرامة والنفوذ تبخروا في ثانية. سليم الجراح الصلب، الراجل اللي عنده 38 سنة و بيحسب كل خطوة بالمسطرة، قرب من ليان اللي كانت واقفة بتتنفض من فوق لتحت والكتب وقعت منها على الأرض. نزل سليم لمستواها على ركبته، و لمّ الكتب بسرعة و ركنهم على جنب، وبعدين مسك إيديها الاثنين بين كفوفه الدافية. لمسة كفوفه كانت أصلب و أحن حاجة حست بيها ليان في حياتها. ـ ليان... بصيلي هنا. رفع عينيه لعينها، ونبرة صوته كانت مليانة حنان وخوف مكتوم، طالعة فيها بحة دافية أربكت كيانها: ـ أنتِ كويسة؟ جرى لك حاجة؟ ردي عليا يا ليان. ليان كانت بتترعش، عينها جت في عينه. ولأول مرة، ما شافتش الطبيب الصارم ولا الشاب الغني صاحب النفوذ... شافته هو. الراجل اللي عينيه بتطق أمان، الراجل اللي بيعرف يقف في وش الدنيا ويحميها. الدموع نزلوا من عينها عفوية، ومن غير ما تفكر ولا تعمل حساب للحدود أو لفرق السن، رفعت إيديها المرعوبة و مسكت في طرف جاكيت سليم بقوة... كأنها غرقانة و مسكت في طوق النجاة الوحيد. سليم حس باللمسة في كل حتة في جسمه. قلبه دق بسرعة جنونية هدت كل حصونه. مسك إيديها بالراحة و قومها معاها: ـ تعالي... تعالي اركبي العربية. فتح لها باب العربية الفخمة، و قعدها بهدوء. لف وركب من الناحية التانية، جاب إزازة مية كانت معاه، فتحها و ناولها لها بإيد ثابتة بالعافية. ـ اشربي يا ليان... اهدِي، الدنيا أمان. أخدت ليان الإزازة بإيدين لسه بتترعش، شربت بق صغير، و بصت له من فوق الإزازة. السكون جوة العربية كان مليان مشاعر مشحونة، صوت التكييف الهادي مع ريحة عطر سليم الفخم، عملوا غلاف براحة غريبة. ليان اتنهدت نفس طويل، وريحة خوفها بدأت تروح، وقالت بصوت واطي و مكسور: ـ أنا... أنا آسفة، اتخضيت بس. أنا كنت رايحة المكتبة... شغل جزئي عشان أساعد بابا في المصاريف، والشارع كان فاضي... سليم بص لها، النظرة اللي خرجت منه كانت أعمق بكثير من مجرد نظر طبيب لمريضة أو خالة طفل. كانت نظرة راجل عيونه بتقول كل العشق والحماية اللي مخبيهم بقالهم شهور. قرب منها شوية، ومد إيده بالبطيء، ولمس بظهر صوابعه خدها بالراحة خالص كأنه بيطمنها إنها موجودة وسليمة: ـ متعتذريش... مفيش حاجة تستاهل تتأسفي عليها. وأنا موجود يا ليان... طول ما أنا عايش و بتحرك، محدش يلمس شعرة منك ولا يخليكِ تخافي. الكلام نزل على قلب ليان زي البلسم. عينيهم اتلاقت في نظرة طويلة، ساد فيها صمت أبلغ من ألف كلمة. ليان حست في اللحظة دي إن السور اللي بنته حوالين قلبها، والقاعدة اللي عاشت بيها إن "الحب لوحده مش كفاية"... بدأت تتغير. سليم مش بس بيوفر حب، سليم هو "الأمان" نفسه اللي كانت بتدور عليه طول عمرها. ابتسمت ليان ابتسامة باهتة مليانة امتنان ودفء، وقالت بصوت هادي: ـ عارف يا دكتور سليم؟ أنت ديما بتظهر في الوقت الصح... ديما تطلع لي من وسط الزحمة عشان تنقذني. سليم دور العربية بالراحة، والتفت لها قبل ما يتحرك. لمست ابتسامة صغيرة و دافية طرف شفتيه، وقال بنفس البحة اللي دوّختها: ـ يمكن عشان أنا ديما عيني عليكِ يا ليان... حتى لما تكوني مش شايفاني. وده مش إنقاذ... ده واجبي، أو يمكن... الحاجة الوحيدة اللي بقيت بعملها وربنا شاهد إنها طالعة من قلبي. انطلقت السيارة بهدوء، لكن الجو داخلها كان يشبه هدوء ما قبل العاصفة. كانت عينا سليم تتنقلان بحدة بين الطريق ومرآة السيارة الجانبية، و القبضة القوية على عجلة القيادة تعكس الغضب المكتوم الذي يحاول كبحه. خروجها وحده في هذا الوقت، و اضطرارها للعمل سرا، وتعرضها للخطر... كل هذه التفاصيل كانت تغلي في رأسه كالنار. التفت إليها فجأة، وكانت نبرة صوته هذه المرة قاطعة، صارمة، ومليئة بنفوذ لا يقبل النقاش: ـ الشغل ده يتلغى فورا يا ليان. من بكره، مش عايز رجلك في المكان ده تاني. ليان اتفاجأت بالنبرة، و ارتبكت، بس حاولت تدافع عن استقلاليتها رغم خوفها: ـ دكتور سليم... أنت ملكش حق تقرر عني، أنا محتاجة أساعد بابا، وأنا مش... لم تسترعِ كلماتها انتباهه ليُكمل، بل أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق الخالي، والتفت إليها بكامل جسده. كانت نظرته حادة زي الصلب، ونبرة صوته واطية بس تهز الكيان: ـ ليان، بصيلي هنا و افهمي كويس اللي هقوله. سكت ثانية واحدة عشان يثبت نظرتها في عينه، وتابع بنبرة مليانة حماية قاطعة ونار مكتومة: ـ طول ما أنا موجود على وش الأرض، محدش هيسيبكِ تتبهدلي عشان قرشين، ولا تتزنقي في شوارع فاضية و تتحطي في موقف زي ده. أزمتكِ وأزمة والدك مش شغلِك أنتِ... دي شغلانتي أنا. والراجل اللي يفكر بس يضايقكِ أو يلمس منكِ شعرة... هكون آخر حاجة يشوفها في حياته. فاهمة ولا لأ؟ الكلام نزل على ليان كأنه صدمة كهربائية. القوة والنفوذ والإصرار المرعب في عينيه ما سابوش لها أي مجال للرد أو الاعتراض. حست إن أي سور حاولت تبنيه عشان تعتمد على نفسها اتدمر تمامًا قدام الهيبة والحماية المطلقة دي. انكمشت في مكانها، وهزت رأسها ببطء ومن غير ما تحس، والدموع اتجمعت في عينها تاني، بس المرة دي مش من الخوف... من حجم المشاعر والتملك والحماية اللي كانت شايفاهم في عينيه. سليم أخد نفس عميق، ونظراته حدتها بدأت تقل تدريجيًا لما شاف دموعها. مد إيده ومسك إيديها اللي كانت بتترعش على حجرها، وضغط عليها بالراحة بس بثبات: ـ مش عايزكِ تخافي من حاجة أبدًا... ولا تشيلي هم بكرة. أنا ظهرك و سندِك يا ليان، وده مش مجال للنقاش. حرك السيارة بهدوء متجهة إلى الشارع المقابل لمنزلها، وطوال الطريق كان الصمت هو السائد، صمت مليء بشحنات عاطفية متأرجحة بين الخوف والأمان. كان سليم يقود سيارته الفخمة ببطء شديد في الشوارع الهادئة، مقتطعًا طريق العودة ليطيل الثواني الأخيرة قبل أن تفارقه ليان. أطفأ المحرك حين وصل أسفل بنايتها، وساد الصمت الشديد داخل السيارة، صمت لم يقطعه إلا صوت أنفاسهم المتسارعة ورائحة العطر التي ملأت المكان. لم تكن ليان تتحدث كثيرًا هذه المرة؛ كانت جالسة إلى جواره، تضم حقيبتها إلى صدرها بقوة من هول ما حدث في الشارع منذ ساعات، بينما عقلها يعيد المشاهد ببطء... خوفها، يده الممتدة وهي تجمع كتبها من الأرض، و بحة صوته القاطعة وهو يخبر الشباب بأنه لن يسمح لأحد بأن يمسها بسوء. كانت تشعر بشيء غريب، شيء يشبه الطمأنينة الساطعة لكنه يربكها في آن واحد. التفتت إليه للحظات، ثم أسرعت بإعادة عينيها إلى النافذة حين شعرت أنه انتبه لنظراتها، فابتسم سليم ابتسامة صغيرة لم يعلق عليها. كان هو الآخر غارقا في أفكاره؛ لم تكن تلك اللحظات الدافئة تخلو من أشباح مخيفة... التفت سليم إليها، ونظراته الصلبة تحولت إلى دفء خالص، ثم قال بهدوء: ـ وصلنا... ادخلي على طول وما تقفيش تحت العمارة. و متخافيش تاني، أي حاجة تحصل اتصلي بيا على طول. ابتسمت ليان بخجل ونزلت من السيارة، لكنها توقفت قبل أن تغلق الباب و التفتت إليه من جديد: ـ دكتور سليم؟ ـ نعم؟ ترددت قليلا وهي تتأمل ملامحه الحادة، ثم همست بعفوية: ـ أنا... مش عارفة ليه، بس لما ببقى معاك بحس إني مطمنة. شكرًا على كل حاجة. توقفت الكلمات في حلق سليم للحظة، ولم يكن مستعدا لسماعها بهذه الصراحة الداكنة. حاول إخفاء اضطرابه وهو ينظر في عينيها وقال: ـ يمكن عشان عارفة إنك مش لوحدك... ادخلي و ارتاحي. نزل سليم معها حتى باب العمارة ليؤمّن دخولها، وظل يتابعها بعينيه حتى اختفت في المدخل، ثم رفع رأسه نحو شرفة شقتها. لكن سليم لم يكن وحده من يراقب... في أعلى الشرفة المظلمة، كان محمود يقف منذ دقائق، يداه مستندتان إلى السور وعيناه مثبتتان على السيارة. منذ أن ظهرت المركبة أسفل البناية لم يتحرك شبرًا واحدًا، وكان وجهه قد تغير تمامًا؛ ذلك الرجل الذي ظل سنوات يخفي انكساره خلف هدوئه بدا الآن وكأنه رأى شبحًا خلع كفنه من قبر قديم. لم يكن محمود ينظر إلى سليم باعتباره طبيبًا نجح في إنقاذ حفيده فقط بل شعر أنه هناك في شئ اكبر ، شد محمود أصابعه على السور حتى ابيضّت مفاصله وهو يرى سليم يودع ابنته بنظرة حامية قبل أن يركب سيارته ويرحل. ابتعد محمود عن الشرفة بسرعة متوجهًا إلى الصالة المظلمة. دخلت ليان الشقة وهي تحمل ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها تلقائيًا بمجرد تذكر كلام سليم. كانت تخطو نحو غرفتها بخفة، وتتطلع عبر الستارة لثوانٍ نحو سيارته، لكنها ما إن أغلقت الباب ودخلت الصالة حتى فوجئت بوالدها يقف أمامها في منتصف المكان كالسيف، لا ضوء حوله سوى شعاع الشارع المتسلل. - بابا؟ لم يجبها فورًا، ظل ينظر إليها، ثم إلى كتبها وحقيبتها، حتى استقرت عيناه على وجهها بنبرة متوترة وخائفة لم تعتدها منه أبدًا: - مين الراجل اللي وصلك ده؟ ومن إمتى وإنتِ بتركبي مع غربا في أنصاص الليالي؟ اختفت ابتسامة ليان تدريجيًا، وحاولت الاستدراك بنبرة تطمئن قلبه: - ده الدكتور سليم الشافعي يا بابا... صاحب المركز الطبي اللي بيمر عليه مالك. الشارع كان فاضي، وجالي بالصدفة وهو راجع، وركبني معاه عشان يطمن عليا... ده رجل محترم جدًا، ووقف معايا في موقف صعب النهارده لما حصلت مشكلة. تجمد محمود مكانه، وكأن الاسم كان صاعقة فتحت أبواب أهواله المغلقة: - سليم... سليم فؤاد الشافعي؟! شحب وجهه تمامًا، وتراجع خطوة إلى الخلف، يضع يده على صدره المنقبض، ثم جلس على أقرب كرسي وهو يهمس بذهول: - سليم فؤاد... إنتِ بتقولي اسم مين؟! اقتربت منه ليان بقلق شديد: - بابا، مالك؟ إنت كويس؟ تعرفه؟ رفع عينيه إليها فجأة، ونبرته تنخفض بمرارة ورعب حقيقيين: - إنتِ تعرفيه من إمتى؟ وبيوصلك ليه؟ - من وقت ما مالك تعب... وعشان كان فيه موقف حصل وأنا راجعة من الشغل. قطّب محمود حاجبيه بغضب: - شغل؟! تنهدت ليان: - آه يا بابا، أنا كنت قلت لك إني هشتغل شوية بعد الجامعة عشان أساعدك... نهض محمود من مكانه بعصبية، وهز كتفيها بيدين ترتجفان: - أنا مش بتكلم عن الشغل دلوقتي يا ليان . أنا بتكلم عن سليم الشافعي... اسمعيني كويس... أوعي رجلك تخطي أرض فيها حد من العيلة دي تاني، ولا تنطقي اسمه على لسانك. ارتبكت ليان، وأمسكت يديه: - ليه؟ ده دكتور محترم، وساعد مالك، ووقف جنبي النهارده... ضحك محمود ضحكة قصيرة خالية من أي فرحة، ثم اقترب منها وقال بصوت خافت مليء بالقهر والوعيد: - محترم؟ العيلة دي مش زي ما إنتِ شايفاهم يا ليان... المال والنفوذ واسم فؤاد اللي كل الناس بتحسب له ألف حساب، وراهم أسرار سودا أكلت عرق غيرهم، وظلموا بيه ناس كتير زمان... ناس اتظلمت، وبيوت اتخربت، وناس راحت بسبب جشعهم. تراجعت ليان خطوة، والذهول يأكل ملامحها: - وإنت متأكد؟ نظر إليها محمود بنظرة موجوعة، وتنهد: - أنا كنت شغال هناك يا ليان... أنا عارف أبوه، وعارف عيلته كويس. حدقت فيه والدماء تتجمد في عروقها: - كنت شغال فين يا بابا؟ تعرفهم شخصيًا؟! اقترب منها وأمسك كتفيها بكلتا يديه، وقسا على نبرته: - مهما حصل، ومهما قال لك، ومهما حاول يقرب منك... ابعدي عن سليم . لو قربتي منه تاني، أو خليتيه يدخل حياتنا، هتكوني بتدوسي على ج.ثة أبوكِ، وعلى حق حسان صاحبي اللي مات ظلم .ابعدي قبل ما النار اللي جوايا تطولكِ إنتِ كمان. في تلك اللحظة، انقطعت أنفاس الشقة تمامًا... وقفت نادية في ممر الغرف، يداها ملتفتان حول ثوبها المنزلي، وعيناها تتنقلان برعب بين وجه زوجها الشاحب كالموت، ووجه ليان المصدوم. خلفها تمامًا، وقف كريم مسمّرًا في مكانه، يمسك بكتف مالك الصغير الذي استيقظ على حدة الأصوات، و اختبأ خلف ساق خاله وهو يراقب بوجل. وقفت نادية بذهول: - إيه اللي بيحصل يا محمود؟ صوتك عالي ليه؟ لكن محمود لم يلتفت لأحد، ومشى بخطوات جادة نحو مكتبه، فتح أحد الأدراج بسرعة، وأخرج منه أجندة قديمة، وظل يقلب صفحاتها بعصبية حتى توقف عند صفحة مليئة بتواريخ وأسماء باهتة. اقتربت ليان منه بالدموع: - إيه الأجندة دي؟ وليه بتعمل كده؟ أكيد الدكتور سليم مش مسؤول عن حاجة حصلت زمان. رد محمود فورًا دون أن يرفع عينيه: - يمكن... وأنا ما قلتش إنه مسؤول. لكن لو اللي حصل زمان اتكرر، ولو فتحوا الملف القديم من جديد... سليم هيبقى جزء من الحكاية غصب عنه. - وإنت ليه بتقول الكلام ده دلوقتي؟ توقف محمود ونظر إليها طويلًا: - عشان شفت عربيته تحت بيتي ... وعرفت إن الماضي وصل لحد بابنا. وفي هذه اللحظة بالذات... رن هاتف محمود بصوت حاد قطع نزيف الكلام. نظر إلى الشاشة، فتغير وجهه تمامًا؛ كان رقمًا مجهولًا. تردد لحظات، ثم فتح الخط بصوت متهدج: - ألو؟ لم يسمع الطرف الآخر سوى ثوانٍ قليلة، لكن صوتًا منخفضًا وغريبًا عبر الهاتف قال بنبرة مهددة: - لو كنت لسه بتدور ورا حسان... يبقى لازم تعرف إن فيه ناس مش عايزاك توصل للحقيقة. بعض القبور لو اتفتحت... مش كل اللي جواها هيكون ميتين و بس . انقطع الاتصال. ظل محمود ممسكًا بالهاتف دون حركة، والدم يسحب من وجهه. اقتربت ليان منه برعب: - بابا... مين ده؟ إنت وشك اتغير ليه؟ رفع عينيه إليها بضعف لم تعهده منه قط، وقال بصوت حزين: - محدش... ادخلي أوضتك يا ليان. من فضلك اسمعي كلامي المرة دي. وقفت ليان مكتوفة الأيدي، ثم سألته بكسرة أمل أخيرة: - بابا... أنا هبعد عن الدكتور سليم لو ده هيطمنك... بس عايزة أعرف حاجة واحدة... هو أذى حد؟ صمت محمود طويلًا، ثم قال: - سليم نفسه... لأ. بس المشكلة مش في سليم يا ليان... المشكلة في العيلة دي، وفي اللي حواليه. تراجعت ليان خطوة إلى الخلف، ومسحت جبهتها بظهر يدها المرتعشة، ونظرت لأبيها بذهول متصلب: - طب حسان مين يا بابا؟ و كان شغال فين ؟ إنت عمرك ما قلت لنا إنك تعرف عائلة الشافعي، ولا عمرك ذكرت الاسم ده في بيتنا. كان محمود يتنفس بصعوبة، صدره يعلو ويهبط كمن ركض مسافات طويلة في صحراء قاحلة. جلس على طرف الكنبة ببطء شديد، ووضع كفيه على ركبتيه اللتين كانتا ترتجفان بوضوح، وقال بنبرة مهدودة، مبحوحة، طالعة من قعر سنوات من الصمت: - مش كل حاجة بتتقال يا ليان... فيه حاجات بنسيبها مدفونة عشان نعرف نعيش، عشان نعرف نربيكم ونأكلكم لقمة حلال من غير ما تطولنا نار ناس ما بترحمش. قربت نادية بخطوات متثاقلة، وقعدت جنبه على ركبتيها، ومسكت إيده الناشفة ودموعها نزلت: - محمود... في إيه يا خويا؟ رجّعتنا للسنين السودا دي ليه؟ مش اتفقنا ننسى ونقفل الصفحة دي خالص؟ يتبع الفصل الخامس 💔 «حين يصبح الأمان موضع شك» 💜 مقدمــــــــــــــة الفصـــــــــل سليــــــــــــم وليــــــــــــان 💔🔥 ليس كلُّ من نحبهم يمنحوننا الأمان... فبعضهم يصبح الأمان الذي طالما بحثنا عنه، ثم يتحول دون قصد إلى مصدر خوفنا الأكبر، وبعضهم نمنحه قلوبنا بصدق، فيقابلنا بالشك وكأننا متهمون في جري\مة لم نرتكبها. وفي الحكايات التي تتشابك فيها خيوط الحب مع أسرار الماضي، لا يكون أصعب ما قد يواجه القلب هو أن يكتشف حقيقة مؤلمة... بل أن يجد نفسه مضطرًا للاختيار بين قلبٍ يريد أن يصدق، وعقلٍ يخشى أن يكون الحب مجرد خدعة أُحكم تدبيرها. هناك لحظةٌ ما، يصبح فيها الصمت أشد قسوة من العتاب، وتتحول الأسئلة التي لم نجد لها إجابة إلى سكاكين تمزق ما تبقى من الطمأنينة، ويصبح الدفاع عن الحب معركةً يخوضها القلب وحده، بينما يقف العقل متأهبًا لأسوأ الاحتمالات. قد تظن أنك تحمي نفسك حين تشك فيمن تحب، وأنك تتجنب الخذلان حين تضع بينك وبينه ألف حاجز... لكنك قد لا تدرك أنك بذلك تدفعه إلى الابتعاد، وأن خوفك من خسارته قد يكون السبب الأول في خسارته بالفعل. فليان لم تكن تبحث عن رجلٍ يحبها فحسب، بل عن أمانٍ لا تضطر إلى التشكيك فيه... وسليم، الذي اعتاد أن يجد لكل مشكلة حلًّا، اكتشف أن أصعب معاركه ليست تلك التي يخوضها لإنقاذ الآخرين، بل تلك التي يخوضها في مواجهة قلبه، حين يصبح الحب حقيقةً يخشاها، والشك وحشًا لا يعرف كيف يُسكته. لكن ماذا يحدث حين يطلب القلب الثقة، بينما يطالب العقل بالدليل؟ وحين تكون الحقيقة التي يخفيها الماضي قادرةً على إنقاذ حبٍّ أو دفنه إلى الأبد؟ فهل يمنح سليم ليان حقها في معرفة الحقيقة، أم يترك شكوكه تهدم الجسر الأخير بينهما؟ وهل ستظل ليان متمسكةً برجلٍ أحبته، رغم أنه لم يمنحها بعد الثقة التي تستحقها؟ فبعض القلوب لا ترحل لأنها توقفت عن الحب... بل ترحل لأنها تعبت من إثبات براءتها لمن كانت تتمنى أن تجد عنده الأمان. وفي حكاية أمان مستعار... قد يكون أصعب ما يواجهنا ليس اكتشاف أن من أحببناه أخطأ، بل اكتشاف أننا أحببناه بما يكفي لنتألم من شكه فينا أكثر مما نتألم من أخطاء الآخرين. 💜🔥 ------------------ نظرت له تاليا باستغراب: ـ حضرتك ليه تدخلت؟ ـ عشان عندي مصلحة إن المكان يخلص صح ومن غير ما نعيد الشغل مرتين. ـ كويس. التفتت للعامل بحزم: ـ كلم المورد وخليه يبدل الخامة على حسابه، وأنا هراجع الطلبية بنفسي. انصرف العامل، وظل ياسين واقفا يتابعها بإعجاب يتزايد كل ثانية. ـ إنتِ بتشتغلي كده دايما؟ ـ كده إزاي؟ ـ كأن المكان ده بتاعكِ و مسؤوليتكِ لوحدك. أغلقت الملف وقالت ببساطة وصدق: ـ أي شغل بمسكه لازم أتعامل معاه كأنه مسؤوليتي. سكت ياسين. الجملة البسيطة دي لمست شيئاً جاداً جواه. هو متعود على ناس بينبهروا باسم الشافعي و بسيارته و بنفوذ عيلته، لقى قدامه بنت مش شايفه كل ده، و شايفة بس شغلتها و ضميرها. ـ طب إنتِ ديما جدية كده وصعبة؟ ـ وإنت ديما بتهزر كده و بتحاول تفتح كلام؟ ـ غالبا. ـ يبقى كل واحد فينا له طريقته، وأنا مش هنا عشان أدور على صحاب جداد. ابتسم ياسين ابتسامة تحدي ساحرة: ـ بس أنا مش بحب أستسلم، وبحب الحاجات المختلفة... و حاسس إن وجودي هنا هيبقى ممتع أوي. ـ بالنسبة لك؟ ـ جدًا. ـ بالنسبة لي مش فارق. ـ دي أول مرة تقولي حاجة توجعني. ـ متقلقش، هتتعود. ضحك ياسين، وقبل أن يبتعد خطوتين، التفت إليها وقال: ـ على فكرة يا باشمهندسة... أنا مش بحب حد يتجاهلني ـ وأنا مش بحب حد يعطلني. ثبت عيناه عليها ثواني، ثم قال بنبرة مشحونة شغفاً: ـ واضح إننا هنختلف كتير... و مسيركِ تسيبيني أقرب. ـ طالما الاختلاف في الشغل، مفيش مشكلة... ولما يحصل غير كده، نبقى نشوف. استدار ياسين وهو يبتسم ابتسامة جانبية، و تمتم لنفسه وهو يبتعد: ـ دي مش شبه أي واحدة قابلتها قبل كده... والموضوع ده مش هينتهي عند أول مقابلة. أما تاليا، فلم تلتفت خلفه حتى، وعادت لمتابعة العمال بثبات، لكن ابتسامة صغيرة جداً وغير محسوسة ظهرت على طرف شفتيها وهي تضع القلم وراء أذنها. وفي تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتف ياسين في جيبه برسالة نصية حادة من سليم: (فينك؟ محتاج أكلمك أول ما تخلص). نظر ياسين إلى شاشة الهاتف، ثم رفع عينيه لتاليا من بعيد، وهو لا يعلم أن السر الذي يضغط على صدر أخيه سليم، والأزمة التي تتشكل بين عيلتهما وعائلة ليان، أوشكت أن تعصف بالمركز كله... و تحط كل شيء، حتى هذه اللحظة الدافئة، على المحك. ------------------------------------- مرت أربعة أيام ثقال، وسليم يعيش في جحيم لا يهدأ... أربعة أيام من الصمت المطبق والجدار الجليدي الذي بنته ليان فجأة بينهما. كان يمسك بهاتفه داخل مكتبه المغلق بالمركز الطبي، يقلب في المحادثة بينهما؛ اتصالاته المتكررة التي لم يُرد عليها، ورسائله المتتالية التي تظهر علامة القراءة دون أن تدس لها إجابة واحدة. الرجل الذي اعتاد إدارة أعقد العمليات الجراحية والسيطرة على كل تفصيلة في حياته، وجد نفسه فجأة مكبلًا بأسئلة تلتهم عقله كالنار. منذ تلك الليلة القاسية التي وقف فيها خلف باب مكتب أبوه، وسمع بأذنيه كلمات عمه كمال عن "محمود النوحي" وسر حسان المحاسب والمشروع القديم... والشك أكل قلبه. تراجع سليم بجسده إلى الخلف وأسند رأسه على الكرسي الجلدي، وأغلق عينيه بشدة، بينما كان عقله يطحن الفرضيات في صراع مسموم: ـ ليه الاختفاء ده فجأة يا ليان؟ هل عرفتِ؟ هل محمود حكى لكِ إن الفلوس اللي بنيت بيها اسمي والمركز ده أصلها طالع من عرق أبوها وكسرته؟ هل بقيتِ شايفاني مجرد امتداد لفساد عيلتي؟ لكن الشك لم يتوقف عند هذا الحد؛ بل امتد ليرسم سيناريو أكثر سوادًا وجرحًا لكبريائه. فتح عينيه فجأة وعيناه تلمعان بنار المهانة والريبة: ـ ولا... ولا الموضوع كله كان متمثل ومترتب؟ هل وجود حفيد محمود في مركزي بالذات... ودخولك حياتي... والمواقف اللي جمعتنا في الشارع... كل ده ما كانش قدر ولا صدفة؟ هل أبوكِ هو اللي زقّك في طريقي؟ استغلوا شهامتي واهتمامي بيكِ عشان تصيري الطُعم اللي بياخدوا بيه تارهم القديم من عيلة الشافعي؟ فكرة أنه قد يكون مجرد "بيذق" في لعبة انتقام قذرة بين أبوه ومحمود النوحي كانت تجعله يشعر برغبة في تدمير كل شيء حوله. قلبه الذي ذاق لذة حمايتها ودفء عينيها كان يصرخ رافضًا تصديق أنها تخدعه، بينما عقله الصارم يحذره من أن يتغفل. ضم سليم قبضته بقوة على سطح المكتب، وهمس بنبرة مبحوحة جادة: ـ لو كنتِ الضحية اللي حبتها... هحميكِ حتى من عيلتي. بس لو طلعتِ السهم اللي أبوكِ أطلقه عشان يكسرني... مش هسكت يا ليان، ومش هسمح لحد يلعب بيا. ------------------------------ وفي هذه الأثناء، على الجانب الآخر من المدينة... كانت ليان تجلس في غرفتها، تحتضن هاتفها المغلق، وعيناها محمرتان من كثرة البكاء. لم تكن تختبئ بدافع الخوف فقط، بل كانت تستجمع شتات نفسها كفتاة ذات كبرياء لا تقبل أن تظل مدينة لأحد. التفتت ليان إلى صديقتها سلمى وقالت بصوت مجهد ولكن فيه ثبات حاسم: ـ سلمى... أنا مش هفضل مستخبية ولا هسيب ليهم قرش واحد ولا ورقة واحدة. المركز الطبي بعت رسالة بضرورة تسوية ملف مالك المالي واستلام أصل التحاليل... أنا هروح بنفسي. شخصيتها التي لا تقبل أن تكون مكسورة أو تحمل دينًا لـ "عيلة الشافعي" هي التي دفعتها للوقوف؛ ستذهب لتبين موقفها، وتسدد ما عليها، وتنهي كل خيط يربط أسرتها بهذا الاسم... غير مدركة أن ذهابها هذا سيعيد تقاطعهما في مواجهة حاسمة، حيث ينتظرها سليم بعيون لا تبحث عن الحب فقط، بل تبحث عن الحقيقة: هل هي الضحية أم الخدعة؟ ---------- في اسفل المركز الطبي ... في الاستقبال الرئيسي، كانت ليان تقف بكبرياء ممزوج بإنهاك شديد، تضم إلى صدرها ملف فحوصات مالك الصغير. لم تأتي هربا ولا شوقا، بل جاءت بعد أن استجمعت شجاعتها إثر رسالة حاسمة من الشؤون المالية بالمركز تطالب بسداد باقي المستحقات وإغلاق الملف رسميًا. جاءت بـ "روح المواجهة" لتسدد ما عليها و تبرئ ذمة أسرتها تمامًا، لتقطع أي فضل لعائلة الشافعي عليهم إلى الأبد. إلى جوارها، كانت سلمى تراقب وجهها الشاحب، ثم مالت عليها وقالت بصوت خافت: ـ ليان... إنتِ متأكدة إنك قادرة تقفي على رجلك؟ بقالك 4 أيام مابتناميش، وأول ما جات الرسالة جيتي جري. ردت ليان بنبرة حادة يغلفها الكبرياء: ـ كان لازم آجي يا سلمى. مش هسيب ليهم جنيه واحد دين، ولا هسمح لاسم الشافعي يفضل مربوط باسمنا... لازم أقفل الباب ده بإيدي. وقبل أن تستطرد، اقتربت موظفة الاستقبال ببعض الأوراق، فبدأت ليان تراجعها و أصابعها ترتجف من فرط التوتر والضغط النفسي. وفي تلك اللحظة بالذات... شق الممر الدكتور عمر الشريف يرتدي معطفا أبيض، يسير بخطوات سريعة وواثقة، يمسك بيده ملفا، متأنق زيادة عن اللزوم، و مشيته فيها نرجسية وحيوية تخطف العين كأنه على منصة عرض أزياء. قاطعت سلمى الوجوم السائد، ومالت على ليان بسخرية: ـ هو مين ده اللي ماشي كأنه داخل عرض أزياء في مستشفى؟ سمعها الرجل، فتوقف في مكانه، وأدار رأسه ببطء، ثم رفع نظارة طبية شفافة كانت في جيب البالطو، وظهرت على وجهه ابتسامة واسعة وفي عينيه لمعة تحدي: ـ سمعتك يا آنسة. اتسعت عينا سلمى، بينما حاولت ليان رغم همومها أن تخفي ابتسامة باهتة. ـ أنا؟ ـ أيوه، حضرتكِ بالذات... و معاكي دكتور عمر الشريف، الشريك و الدينامو الحقيقي للمركز. نظرت سلمى إلى يده الممتدة دون أن تمد يدها، وقالت بسخرية ذكية: ـ عمر الشريف؟ بجد؟ تشابه أسماء ولا أوهام عظمة وعايش في دور الفتى الأول؟ انفجر عمر في الضحك: ـ دي أول مرة حد يستقبلني بالشكل ده . لا أوهام ولا حاجة... بل عمر الشريف بتاع الجيل ده، و ستتأكدين بنفسك قريب أوي. ردت سلمى بسرعة وثبات: ـ واضح إن الناس حواليك كانت بتجاملك كتير يا دكتور، وأنا مش من النوع اللي بينبهر بالطريقة دي. اقترب عمر خطوة ونزل صوته لنبرة فيها شرارة إعجاب حقيقية: ـ بالعكس... أنا متعود على النقد، بس لما يجي من حد عنده الذكاء والتحدي اللي في عينيكي دول... صعب يتنسى. ارتبكت سلمى لثانية قبل أن تداري ارتباكها: ـ طالما إنت الدينامو، وفر مجهودك للشغل جوة بدل الاستعراض. التفتت ليان إليهما وسط شتاتها، و مسحت وجهها بتعب: ـ سلمى... ارحمي الراجل، خلينا نخلص سداد باقي الحساب ونختم الورق ده عشان نمشي. تغيرت ملامح عمر للجدية و الاحترافية فورا حين لمح اسم الملف والتوتر المرتسم على ليان: ـ آنسة ليان؟ هاتي الأوراق دي... دي محتاجة ختم وتوقيع مالي من مكتبي أنا وسليم. أنا متابع ملف مالك، والنتائج النهائية مطمئنة وزي الفل، وأنا هخلص الإجراءات المالية والختم بنفسي دلوقتي عشان ما تتعطلوش. تنفست ليان بحرارة، وشعرت بحمل ثقيل ينزاح جزئيا: ـ شكرًا يا دكتور... يا ريت عشان نقفل الملف تمامًا. سحب عمر الملف، وألقى على سلمى نظرة أخيرة مليانة تحدي ودفء: ـ عن إذنك يا آنسة... و متقلقيش، عمر الشريف مش بس بيعمل شو، ده بيعرف ينقذ المواقف كمان. في هذه اللحظة، كان ياسين يعبر الممر راجعا من القسم الجديد، ولمح عمر من بعيد يمارس سحره المعتاد، فابتسم لنفسه بقلة حيلة قبل أن يكمل طريقه، متفكرًا في أن الشكوك التي تعصر قلب أخيه سليم فوق هي القنبلة الموقوتة التي ستنفجر في المركز قريبًا. غاب عمر ثواني وعاد بالملف مختومًا و مرفقًا به إيصال التصفية المالية الكاملة، وقدمه لليان بنبرة دافئة: ـ كده الملف اتقفل تمامًا ومفيش عليكم أي التزام. ثم التفت لسلمى بابتسامة جانبية: ـ وبالمناسبة... أنا لسه عند رأيي إنك هتغيري رأيك عني. ـ مستحيل. ـ الأيام بينا... و الابتسامة اللي حبستيها من شوية كانت حلوة. اتسعت عينا سلمى و ارتبكت: ـ دكتور عمر . روح شوف شغلك. ضحك عمر وهو يرفع يديه باستسلام: ـ حاضر يا آنسة الذوق الصعب. تحرك مبتعدا بخطواته النشيطة، ونظرت ليان إلى الإيصال والملف في يدها، واستندت بكتفها على سلمى وهما يخرجان من أبواب المركز. وقالت ليان بابتسامة صغيرة وسط ركام حزنها: ـ إيه يا سلمى؟ واضح إن دكتور عمر بدأ يثبت نفسه... ولا النمر سقط في الفخ؟ دفعتها سلمى بخفة وهي تحاول إخفاء رجفة قلبها: ـ اخرسي يا ليان . ده شخص مغرور... بس بصراحة؟ فيه حاجة غريبة بتخليك مش عارفة تكرهيه. خرجتا إلى الشارع مع هبوط أثواب الغروب؛ ليان تحمل في يدها ملفا مغلقا وفي صدرها خوفا و رعبًا من المواجهة القادمة مع أبيها ، لكنها أزاحت عن كاهلها دين الفضل. أما في الأعلى... فكان سليم يقف خلف زجاج نافذته، يراقب طيف ليان وهي تبتعد في الشارع برفقة صديقتها. ضم قبضته بقوة، وعيناه تشتعلان بتناقض مؤلم بين الكبرياء والشك والحب المجهد، وهمس لنفسه: ـ جيتي عشان تقفلي الملف و تدفعي الحساب و تديني ظهرك يا ليان؟... بس الحكاية بيننا لسه ما ابتدتش عشان تتقفل. لم تكن ليان تعلم، وهي تخطو خارج أبواب المركز الطبي بخطوات ثقيلة محملة ببراءة الذمة، أن هذه الأوراق المختومة التي تضمها إلى صدرها لن تكون نهاية المطاف لهذا اليوم. كانت قد جاءت لتغلق حسابًا ماليا مع عائلة الشافعي و تبرئ ذمة أسرتها تمامًا، لكنها لم تكن تعرف أن سداد المال لن يعني بالضرورة إغلاق ذلك الباب الذي انفتح غصبا داخل قلبها. خرجت برفقة صديقتها سلمى إلى الشارع المعتم مع هبوط أثواب الغروب، وظلت تمشي إلى جوارها بصمت. كانت تحاول أن تبدو ثابتة، لكن عينيها ظلت معلقتين بزجاج المركز خلفها، وكأنها تبحث عن أثر لنظرة علوية تعرفها جيدًا. أدركت سلمى شرودها، فمالت عليها وقالت بسخرية ذكية: ـ متبصيش وراكي... الطريق مش موجود فوق في الدور التالت عند مكتب دكتور سليم. انتفضت ليان و أشاحت بوجهها بضيق: ـ سلمى... كفاية. أنا بس كنت فاكرة إن لما أقفل حساب مالك، هقدر أقفل كل حاجة. ضغطت سلمى على يدها بدعم صامت، وظلت ليان تصارع الخوف والحيرة؛ فهي لم تأتي هربا ولا شوقا، بل بـ"روح المواجهة" لتسدد ما عليها وتواجه أبيها محمود الذي يتردد صوته المحذر في أذنها كالصاعقة: "أوعي رجلك تخطي أرض فيها حد من العيلة دي تاني". وفي الأعلى... كان سليم يقف خلف زجاج نافذته في الطابق الثالث، يراقب طيفها المبتعد برفقة صديقتها. ضم قبضته بقوة حتى ابيضّت مفاصله، وعيناه تشتعلان بتناقض مؤلم بين الكبرياء والشك والحب المجهد. كانت ظنونه تعصره طوال الأربعة أيام الماضية؛ يتساءل بينه وبين نفسه إن كان وجود طفلهم في مركزه صدفة، أم لعبة مدروسة من والدها محمود النوحي لتدمير عائلته. رن هاتفه برسالة من أخيه ياسين يطلبه في المكتب، ثم اقتحم عمر الشريف الغرفة كعادته وقال بنبرة ملغومة: ـ راحت يا سليم... بس خليك فاكر، البنت دي مش ملف تفتحه و تقفله وقت ما تحب. لو بتحبها، متخليش خوفك من فرق السن بينكم يخليك تخسرها . لم يتحمل سليم. أحرقه المشهد من أعلى، ولم يستطع أن يتركها ترحل وهي تظن أنها أغلقت الكتاب ورمت مفتاحه في البحر. غادر مكتبه بخطوات سريعة وسار بسيارته السوداء يتبع أثرها ببطء شديد. -------------------- كانت ليان قد استأذنت من سلمى لتتجه بمفردها نحو المكتبة التي تعمل بها لجمع بعض الكتب المرجعية وتسليم مفاتيح درجها. وقبل أن تصل إلى الشارع الرئيسي، توقفت تلك السيارة الفخمة بجوارها فجأة. انخفض زجاج النافذة، وظهر سليم ، بعيناه الداكنة تتفحص وجهها بحدة ومشاعر حارقة. قال بنبرة هادئة لكنها تحمل أمرًا لا يقبل النقاش: ـ اركبي يا ليان... جاي أخدك، مش هسيبك تمشي لوحدك بالليل، ومش هسيبك تمشي المرة دي قبل ما نفهم. ترددت ليان، لكنها أمام نظرته الجسور ورغبتها القاتلة في فهم السد الذي بُني بينهما، حسمت أمرها وصعدت إلى جواره. خيم صمت ثقيل على السيارة وهي تتحرك في الشوارع الخافقة، صمت تشهق فيه الأنفاس و تتضارب فيه دقات القلوب. أوقف سليم السيارة على جانب طريق هادئ و خالٍ، و أطفأ المحرك. التفت إليها بجسده كله، وأسند ذراعه على المقود بنظرة مشتعلة بالشك والجرح: ـ أربع أيام يا ليان... أربع أيام مش بتردي على اتصال، و جاية النهاردة المركز زي الغريبة، تدفعي بقية الفلوس و تختمي الملف و تديني ظهرك كأننا بنمسح اسم بعض باستيكة؟ بتتهربي من عينيا ليه؟ هو أبوكِ محمود حكالك حاجة؟ بقيتِي شايفاني مجرد جزار من عيلة ظلمتكم؟... ولا الحكاية كلها كانت تمثيلية مدروسة عشان تكوني السهم اللي يضرب بيه عيلة الشافعي؟! سقطت الكلمات كالصاعقة على رأس ليان، وشعرت بخنجر يمزق صدرها. انهمرت الدموع من عينيها دون صوت، ثم واجهت نظراته القاسية بابتسامة مريرة جرحها الكبرياء: ـ إنت شايفني كده؟ شايفني رخيصة و طُعم في لعبة انتقام؟! أنا جيت المركز النهاردة عشان موقفك معايا ما يبقاش سيف على رقبتي، وعشان أقطع أي حاجة تربطنا ببعض. بس أنا عمرى ما كنت لعبة يا دكتور سليم... أنا كنت شايفاك الأمان .كنت شايفاك الحيطة اللي بتسند عليها لما الدنيا كلها بتتهد فوق دماغي. ارتجفت ملامح سليم الجافة، و انكسرت القسوة في عينيه أمام دموعها النازفة وصدق كلماتها. اقتربت ليان منه خطوة داخل مساحة السيارة الضيقة، وقالت بصوت مرتعش يقطر حرقة: ـ بس قولي... ليه؟ ليه بتساعدني، وليه بتهتم بأمري وأمر عيلتي كل الاهتمام ده و تخاطر بنفسك، لو إنت بتشك فيا بالشكل ده؟ اتكلم يا سليم... ليه بتهتم بيا؟! وهل فيه حاجة تانية بتخبيها عني؟ سكت سليم. كانت حشرجة وجعه تخنقه؛ فقلبه الذي ينبض لها بجنون يصرخ بأنه يعشقها، لكن عقله، وفارق السن، والسر الأسود بين العائلتين، كانوا يصرخون فيه بالابتعاد. أخذ نفسا عميقا وحاول كبح طوفان المشاعر، ليقول بنبرته العقلانية التي يهرب إليها دائمًا: ـ أنا بساعدك... لأنك إنسانة تستحقي الدعم. ولأني أهتم لأمرك ومش قادر أشوفك مجروحة و أقف متفرج... ده كل الموضوع. نظرت إليه ليان طويلا. كان صمته والنار المخبوءة في عينيه أبلغ من مئة تصريح. رأت العشق الصامت الذي يحاول خنقه، والرعب الأعمق الذي يكنه. مسحت دموعها بظهر يدها المرتعشة، وقالت بصوت خافت يحمل قرارًا لا رجعة فيه: ـ مجرد دعم وإنسانية... تمام يا دكتور سليم. شكرًا على كل حاجة. فتحت باب السيارة بسرعة ونزلت، وأغلقت الباب بقوة شقت سكون الشارع، واستندت لثواني على شجرة قريبة ليلتقط قلبها المكسور أنفاسه. وفي تلك اللحظة بالذات، وسط نار الاتهامات والشكوك وتحذيرات والدها... حسمت ليان أمرها داخل سرها بنبضة حاسمة: (لقد وقعت في حب هذا الرجل... أحبته بكل عيوبه، و بشكوكه القاتلة، وبفارق السن، و بأغلال عائلته المظلمة. أحبته رغم كل منطق، ورغم النار التي توعدها بها والدها). استدرك سليم ندمه فورا، فنزل من السيارة وتبع خطواتها المبتعدة حتى باب المكتبة. وقف أمامها قريبًا جدًا، لدرجة أنها استنشقت عبير عطره الفخم الذي يربك أنفاسها. قال بصوت منخفض فيه حسم ودفء مكتوم: ـ ادخلي اجمعي كتبك و أوراقك... وأنا مستنيكي برة عشان أوصلك. ومش هسيبك تمشي لوحدك تاني يا ليان... مهما حاولتي تبعدي. ثم نظر في عينيها مباشرة و أضاف بهدوء يحمل وعدا خفيا: ـ ومهما حصل... متخليش خوفي أو خوف والدك يخليكي تاخدي قرار عني قبل ما تعرفي الحقيقة. ردت عليه ليان وهي تضع يدها على باب المكتبة بنبرة لامست أعمق نقطة في قلبه: ـ وأنت يا سليم... متخليش خوفك من الحقيقة يخليك تخسرني قبل ما تديني فرصة أعرفها. نزلت الكلمات عليه كالمخدر، وظل ساكنا يتابعها بعينيه وهي تدخل المكتبة وتختفي خلف أبوابها. وضعت ليان يدها على صدرها المخفوق و همست لنفسها برعب وحب دافق: ـ أنا وقعت فيه... يا ترى يا سليم، هتكون الأمان اللي لقيته؟ ولا الأمان اللي هخسره لما أعرف الحقيقة؟ أما في الجهة الأخرى من الشارع، فكان سليم يقف بجوار سيارته، يمسح على وجهه بإرهاق شديد، وينظر إلى زجاج المكتبة بنظرة تشتعل عشقا و إصرارًا، وهمس لنفسه بقلة حيلة وبصوت مكسور: ـ جيتي عشان تقفلي الملف و تديني ظهرك يا ليان؟... بس الحكاية بيننا لسه ما ابتدتش عشان تتقفل. أنا كنت فاكر إني أقدر أبعدك عني... بس الظاهر إن المشكلة إني بقيت مش عارف أبعدك عن قلبي. بدأت ظلال الشكوك تتسرب زي السُمّ و تترامي بتُقلها على العلاقة الصامتة المحبوسة بين ليان وسليم. ورغم إن سليم كان بينحر في نفسه عشان يحافظ على مسافة عقلانية باردة تفرضها عليه وساوسه، وخوفه القاتل من فارق السن اللي بينه وبينها، ومن الوجع اللي ممكن يسببهولها... إلا إن كل جدار دفاعي كان بيبنيه كان بيبتدي ينهار قدام أول نظرة منه ليها. اهتمامه المفضوح، و لهفته اللي بيتمرَّد بيها على عقله، كانوا فاضحينه قدام كل اللي حواليه... وقبل أي حد، قدام نفسه اللي بقت عاجزة تسيطر على قلب بيتحرق بحبها. وقفت ليان في نص المكتبة، بتمسك الأوراق بيد ترتجف، وعينيها مثبتة على سليم اللي كان واقف قريب منها بدرجة تخنق الأنفاس، نظراته كانت تبريقة مشتعلة بين العشق المجنون والشك اللي بيأكل في أضلاعه. قرب منها سليم خطوة واحدة، وصوته نزل بنبرة مبحوحة، واطية، بس مليانة وجع وتصميم: ـ فاكرة إنك لما حطيتي رجلك برة العربية و قولتيلي الكلام ده، إنك خلاص هربتي مني؟ فاكرة إن العقل يقدر يفرمل دقة قلب لما تحكم؟ بلعت ليان ريقها بصعوبة، وعينيها المغلوبة بالدموع أبت تنكسر قدامه، فردت بنبرة حادة بس صوتها كان بيلعثم من شدة المشاعر: ـ ما هربتش يا دكتور سليم... أنا بس بحط كل حاجة في حجمها الطبيعي. أنت اللي حطيت الحدود، وأنت اللي مش قادر تصدق إن كل نفس بتنفسه معاك كان صادق. لما تتأكد أنا مين بالنسبة لك... أبقى تعالي اتكلم. سليم غمض عينيه لثواني، وكأنه بيحاول يسيطر على طوفان الوجع جوة صدره، وقرب أكتر لحد ما بقوا يفصل بينهم سنتيمترات معدودة، وحس بنبضها المتسارع: ـ أقسم بالله يا ليان... أنا مش عارف أنا مين أصلاً وأنتِ قدامي. مخي بيصرخ بمليون دليل ورسالة تحذير، و بيقولي أبعد لأن فارق الحكاية أعمق مننا... وقلبي بيقولي إنك الوحيدة اللي أقدر أرمي حمولي عليها و أطمن. أنتِ خليتيني أتشتت بين حقيقتين... ومش عارف أنهي فيهم اللي بتموتني أكتر. ردت ليان بابتسامة مكسورة وفيها كبرياء يدمي: ـ الحقيقة بسيطة يا سليم... بس أنت اللي اخترت تصدق الس\كينة اللي بتدبحنا. اخترت تصدق الشكوك اللي زرعتها اسم "عائلة الشافعي" واسم أبويا، ونسيت العيون اللي كانت بتدور عليك أنت في عز الضلمة. في اللحظة دي، انفتح باب المكتبة ودخل عمر الشريف بخطوات سريعة وهو بيلمس نظارته و بيدور بعينيه، ولما لمحهم واقفين جنب بعض والمشهد مشحون بالكهرباء والتوتر، اتوقف في مكانه و ابتسم ابتسامة خبيثة و مجاملة مخبّية جدية وراها: ـ آه... شكلنا قطعنا لحظة درامية من بتاعة السينما . سليم... أنا بقالي ساعة بلف وراك بالعربية، ياسين قالب المركز و مبهدل الدنيا لأنك سيبت الاجتماع ونزلت فجأة، والورق ده محتاج توقيعك حالاً. سليم ما لفش وشه لعمر، وظل مثبت عينيه على ليان كأنه بيحفر ملامحها في ذاكرته، وسحب نفس عميق وقال بهدوء حارق: ـ عمر... خد الورق و سبني دلوقتي، أنا هحصلك على المركز. ليان استغلت وجود عمر، ورجعت خطوة لورا بكبرياء مجروح وقالت بنبرة حادة: ـ إنت مش محتاج تعطل نفسك يا دكتور سليم... أنا اصلا هسلم مفتاح الدرج لصاحب المكتبة و هاخد كتابي وأمشي، وأنت تقدر ترجع شغلك. قرب سليم منها أوي وشوشها بصوت حاد ما يسمعوش غير عمر: ـ مش بمزاجك يا ليان... أنا قولت مش هسيبك تمشي لوحدك بالليل تاني، و مستنيكي برة في العربية. سكتت ليان وهي حاسة بقلبها بيدق بجنون، بينما عمر ابتسم وهو بيغمز لسليم و بياخد منه توقيع سريع على حرف الطاولة: ـ علم وينفذ يا سليم... أنا هسبقك على المركز و أهدّي ياسين. خرج عمر من المكتبة، وسليم بصلها نظرة أخيرة حادة وخرج يستناها عند العربية قدام المكتبة. طلعت ليان تلملم بقايا شتاتها وتجيب مفتاح الدرج، وسحبت كتبها المرجعية بسرعة وسلمت المفاتيح لصاحب المكتبة وهي بتتحاشى نظرات استغرابه. خرجت لشارع الليل الفاضي... ولقيت سليم واقف ساند ضهره على عربيته و بيستناها زي ما قال. ركبت جنبه في العربية بسكات. سليم شغل العربية ومشي، بس الهدوء بينهم كان مشحون بأسئلة مش عارفين يهربوا منها. التفتت له ليان فجأة: ـ سليم... إنت بتحاول تبعد عني صح؟ وقف العربية فجأة في شارع هادي، و طفي المحرك والتفت لها بجسمه كله، وعيونه فيها صراع مكشوف: ـ أنا بحاول أحافظ على عقلي يا ليان . فارق السن بينا أربعتاشر سنة... إنتِ في أول حياتك، وأنا راجل ماشي بحساب كل خطوة. و أبوكِ شايفني عدو، وأنا عارف إن فيه حاجة كبيرة مدفونة --------------- الصفحة المفقودة مقدمة الفصل أحيانًا تُفتح أبوابٌ كنا نظنها أُغلقت إلى الأبد، فيتسرب منها ماضٍ دفين، يحمل رائحة الدم والورقة المفقودة، فنجد أنفسنا واقفين بين قلبٍ يحب، وآخر يخاف، وبين عينين تبحثان عن الأمان، ويدٍ تُخفي الحقيقة خلف ظهرها. نحاول أن نصدق النظرة، أن نتشبث باللمسة، لكن الشك ينمو كشجرةٍ في الظلام، ويصير الحب نفسه ساحة حربٍ لا نعرف من بدأها، ولا نعرف من سيدفع الثمن. في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: هل أحبك؟ بل يصبح: هل كنتَ تعرف منذ البداية؟ وهل يكفي أن نكون أبرياء من ذنبٍ لم نقترفه، حين تكون العائلة كلها متهمة؟ بعض الأسرار تُدفن تحت الأرض، وبعضها ينتظر حتى يُولد من جديد في عيون من نحب. ــــــــــــــــ ابتسمت ليان بسخرية وجع: ـ طب ليه بقيت كل ما أبعد عنك بخطوة، إنت بتلحقني بعشرة ؟ ليه عيونك بتخونك كل مرة؟ قبض سليم على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت أصابعه، ثم رفع عينه ونظر لها بنظرة عارية تمامًا من أي دفاع: ـ لأني مش قادر .أنا بقالي أيام بحاول أقنع نفسي إنك مجرد ظهورك صدفه ... بنت ظروفها صعبة. بس كل مرة ألاقيكي بتقعي قدامي تاني. وأنا خايف... خايف إن اللي بينا زمان يدمرنا، وخايف أكون السبب في كسرك. قربت ليان منه، وصوتها نزل لطبقة مليانة شجن: ـ أنا مش بطلب منك وعد يا سليم... أنا بس عايزة أعرف، الاهتمام و الغيرة دي كلها مجرد "دعم وإنسانية و اعتراف بالذنب " زي ما بتقول؟ ولا إنت بتحبني ومش قادر تعترف عشان السن، وعشان السر، وعشان كل حاجة؟ انقطع الهواء داخل السيارة، وهمس سليم بصوت مكسور: ـ أنا قررت أبعد عنك عشان أحميكي مني... ومن عيلتي. بس كل ما ببعد، بلاقي نفسي أقرب. مسح دمعة خانتها ونزلت على خدها بإبهامه، لمسة خفيفة هزت كيانهم، فرجع شغل العربية بهدوء وقال بصوت فيه وعد خفي: ـ هوصلك البيت... وبكرة عايز أشوفك، نتكلم من غير خوف ولا اتهامات. همست ليان وهي تبص له من الجنب: ـ مش هقدر... أوعدني تحاول تبعد عني خاص . مرت ابتسامة صغيرة على طرف فم سليم: ـ مش هقدر حتى لو حاولت. انا مقدر الظروف هنزلك بعيد عن البيت . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في صباح اليوم التالي، كانت ليان جالسة في الجامعة بجوار سلمى، وعقلها بعيد تمامًا عن المحاضرة، تقلب القلم بين أصابعها بشرود، حتى سحبت سلمى الورقة من أمامها بسرعة: ـ خلاص يا ست ليان، القلم هيتكسر في إيدك . من ساعة ما قعدنا و إنتِ بتبصي في الورقة كأن سليم هيطلع لك منها. احمر وجه ليان و تنهدت بقلة حيلة، ثم حكت لسلمى ما دار بينهما عن الخلافات القديمة والشكوك، لتجيبها سلمى بنبرة جادة اختفت منها السخرية: ـ و إنتِ بتحبيه يا ليان؟ خفضت ليان عينيها و همست بهدوء: ـ أيوه... أعتقد إني بحبه. ابتسمت سلمى بحزن: ـ يبقى الموضوع بقى أخطر... لو طلع كويس قلبك هيكبر له، ولو طلع ورا كل الحكاية دي، قلبك هو اللي هيدفع التمن. ردت ليان وهي تضع يدها على قلبها: ـ أنا عارفة... بس مش هقدر ابعد عنه من غير ما أعرف الحقيقة. ــــــــــــــــــــــــــــ في نفس الوقت داخل المركز، كان سليم يقلب بين يديه أوراق ملف قديم دخل عمر الشريف دون استئذان، ودنا منه بفضول: ـ لسه بتدور على اسم محمود النوحي؟ رفع سليم ورقة متهالكة وقال: ـ المشروع القديم... كان فيه شراكة بين عيلتنا و عيلة محمود، والحسابات كان ماسكها محاسب اسمه حسان... اللي مات في الحادثة. أخذ عمر الملف و قلّب أوراقه بسرعة، ثم توقف فجأة: ـ سليم... فيه صفحة مقطوعه هنا، الصفحة اللي فيها الحسابات النهائية. تجمد سليم، وسحب الملف يعيد تقليبه بصدمة: ـ الورقة دي كانت موجودة... حد شالها. قال عمر بنبرة قاتمة: ـ معناه إن حد لسه مهتم إن الحقيقة تفضل مدفونة... وده معناه إن ليان ممكن تكون في خطر. هتحميها من مين يا سليم؟ حتى لو الحد ده من عيلتك؟ لم يرد سليم، لكن نظرته الحادة أجابت بما فيه الكفاية. ــــــــــــــــــ في المساء، عادت ليان إلى المنزل لتجد والدها محمود ينتظرها في الصالة بملامح واجمة ومشدودة. بمجرد أن خطت خطواتها للداخل، قال بصرامة: ـ ليان... ركبتي امبارح مع سليم الشافعي؟ تجمدت مكانها، لكنها رفعت رأسها هذه المرة بقوة: ـ أيوه يا بابا... وليه كل ما أفتقده أو أقرب تمنعني؟ ضرب محمود الطاولة بكفه وقال بغضب مكتوم: ـ لأنك بنتي وأنا عارف مصلحتك . ـ وأنا مش طفلة . أنا محتاجة أعرف الحقيقة... سليم قال لي إن فيه سر قديم بين العيلتين . تغير وجه محمود تمامًا وظهر الخوف جليا في عينيه: ـ الحقيقة دي مش هتريحك... وممكن تدمر حاجات كتير. ابعدي عنه يا ليان. ردت ليان بعيون دامعة وهي تستدير صاعدة لغرفتها: ـ وأنا لو فضلت جاهلة... هندم أكتر. جلس محمود وحده كسيرًا ـ كنت فاكر إن الماضي مات... بس الظاهر إنه رجع يدور على ولادي بنفسه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في غرفتها، أغلقت ليان الباب و أسندت ظهرها عليه، وعقلها يضج بالأسئلة. مسكت هاتفها لتكتب لسليم: «أنا محتاجة أعرف كل حاجة»، وقبل أن تضغط إرسال، أضاءت الشاشة باسمه: سليم يتصل. أجابت بنبضات متسارعة: ـ ألو؟ جاء صوته هادئا لكنه يحمل ثقلاً غير معتاد: ـ ليان... لازم نتقابل دلوقتي. ـ دلوقتي؟ ليه؟ سكت سليم لثانية ثم قال بجمود: ـ لقيت حاجة تخص أبوكي... ولو اللي لقيته صح، يبقى إحنا مش قدام مجرد خلاف قديم، إحنا قدام حقيقة ممكن تغير كل حاجة... بينك وبيني، وبين عيلتك و عيلتي. أغلق الخط، وظلت ليان واقفه مكانها تتنفس بسرعة، تدرك أن الساعات القادمة ستحدد إما بداية النهاية... أو انهيار كل شيء. و لكن ابن و رفضت أن تذهب إليه هذه المرة . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي الوقت نفسه، وفي الأيام اللي تلت خروج ليان من المركز بعد ما قفلت ملف مالك، كان الجناح الجديد لسه بيغلي بالشغل، وما مرتش الأيام التالية بهدوء كما حاول الجميع أن يوهم نفسه. كان ياسين واقف لوحده تمامًا في طرقة الأرشيف الخلفية، منكب على الطاولة و بيقلب بلهفة وفضول في الملفات القديمة اللي كمال الشافعي أمر بنقلها. على بُعد مسافة كافية في آخر الطرقة، كانت تاليا واقفة مع واحد من العمال، بتشاور له على حيطة و بتقيس بالمتر، مظهرة انشغال تام بشغلها الهندسي الروتيني، لكن عينيها كانت بتلمح حركة ياسين في صمت وتكتيك من غير ما تلفت النظر. توقفت يد ياسين فجأة عند صفحة من تقرير قديم، و صدمته لما قرا اسم "حسان المحاسب"... وبدأ يقلب بسرعة وهو مستغرب قطع الصفحات اللي بعدها. وفجأة... ضربت خطوات حادة وواثقة في الممر. دخل كمال الشافعي. عينه نزلت فورا على الملف المفتوح في إيد ياسين، وساد هدوء يخنق الأنفاس. قرب كمال بخطوات ثقيلة وقال بنبرة جافة وصارمة: ـ بتعمل إيه بالملفات دي يا ياسين؟ ياسين اتوتر وسكت فورا وقفل التقرير: ـ ولا حاجة يا عمي... كنت ببص على أوراق الأرشيف بالصدفة. كمال سحب الملف من إيد ياسين بصرامة وقفل عليه بيده: ـ الأوراق القديمة دي تخص فترة انتهت و اتقفلت من زمان... سيب الماضي في مكانه، وما تفتش في حاجة ما تخصكش. التفت كمال بحدة، ولمح تاليا واقفة في آخر الممر بتسجل ملاحظات في كشكولها مع العامل وكأنها مش دارية بأي حاجة بتحصل حواليها. غادر كمال الممر وهو ماسك الملف بحدة، وياسين واقف مكانه بيغلي من الفضول والشك. وفي اللحظة دي، رن هاتف ياسين بشدة. فتح الخط، و جاءه صوت سليم المتوتر من الطرف الثاني: ـ ياسين... تعالى المكتب حالا . لقينا اسم حسان ومحمود النوحي في ملف تاني، وفيه صفحة مفقودة من الحسابات. ياسين رد بلهفة: ـ أنا جاي لك فورا ساب ياسين الأرشيف وجرى ناحية مكتب سليم بسرعة وعقله بيودي ويجيب. أول ما الممر فضي تمامًا، واختفت خطوات ياسين وكمال... مشيت تاليا العامل بهدوء، و لفّت وجت ناحية الطاولة اللي كان واقف عليها ياسين. اختفت ملامح اللامبالاة المهنية فورا، وتحولت لبرود حاد. أخرجت من شنطتها الصفحة المفقودة الحقيقية بتاعة الحسابات... نفس الصفحة اللي هي سحبتها الصبح بدري من الملف قبل ما ياسين أو كمال يوصلوا للأرشيف، و سابت باقي التقرير الناقص قدام عين ياسين عشان يفتش و يتصدم، ويتصل بسليم ويشعل النار بين العيلة . بصت للورقة المكتوب فيها اسم أبوها "حسان"، و ابتسمت ابتسامة خبيثة وهي بتهامس نفسها: ـ خليهم يدوروا على الصفحة المفقودة... وأنا اللي همشيهم على العجين ما يلخبطوهوش. رجعت الورقة لشنطتها بثبات وخرجت بخطوات هادية، وكأنها مجرد مهندسة غريبة تمامًا عن العيلة وأسرارها . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كان التوتر في بيت محمود النوحي بيغلي على نار هادئة، جاهز للانفجار في أي لحظة. قاعدة نادية في الصالة بتحاول تراجع بعض الحسابات، وبتهدي في الحفيد مالك، لما اتفتح الباب فجأة، ودخل حسام، زوج مريم، بخطوات سريعة. كان وش حسام مشدود، وملامحه طافحة بالتعب والضغط، وهو ماسك في إيده رزمة أوراق ومطالبات مالية تخص علاج مالك واشتراكات مدرسته. رمى حسام الورق على الترابيزة بعصبية مهدودة، ونطق بنبرة صريحة ومجروحة قدام محمود: - يا عمي محمود... أنا خلاص جبت آخري. الضغط بقى فوق طاقتي وطاقة أي بني آدم. أسعار العلاج والمتابعات في المركز الفاخر ده بتاكل أكتر من نص دخلي، والالتزامات كترت، و مبقتش عارف ألاحق على إيه ولا إيه .إيجار ودراسة وعلاج... وأنا مش عايز مريم تحس إننا عاجزين. اتعدل محمود في قعدته، وبص له بنظرة حادة، فرد حسام وهو بيهز رأسه بقلة حيلة وبنبرة عفوية: - ولولا إن دكتور سليم، كتر خيره، اتدخل وعمل لنا تخفيض محترم في المصاريف بطلب شخصي من ليان... أنا ما كانش هيبقى قدامي غير إني أوقف علاج الولد. في اللحظة دي... اتجمد الهواء في الصالة. وضع محمود الورقة على الطاولة ببطء، وانتفخ وجهه بالغضب، وقام واقف حيل طوله، وعيونه بتطلع شرار، وهو بيصرخ بصوت هز جدران البيت: - إيه اللي أنت بتقوله ده يا حسام؟! تخفيض من مين؟!.. من دكتور سليم؟! هو أنتم قبلتم حسنة وعطف من الجدع ده من ورا ضهري؟! اتخضت نادية وقامت بسرعة تحجز بين جوز بنتها وبين محمود اللي كان بيتراشف من شدة الغضب: - اهدى يا محمود، صلي على النبي .الراجل ما قصدش حاجة وحشة... ده دكتور الولد وبيراعيه، ومن يوم ما عرفناه وهو راجل محترم و ابن ناس، وما شفناش منه غير كل خير، ومساعدته مش معناها إن وراها مصيبة. رد محمود بنبرة حادة، وصوته كان بيتلعثم ويهتز بوجع وقهر سنين مكتوم: - يا نادية الس\كينة اللي بتدبحنا أنتم شايفينها احترام. سليم ابن فؤاد... وابن أخو كمال الشافعي. أنتم فاهمين يعني إيه اسم الشافعي يدخل بيتي تاني؟! ساد سكون مرعب، فكمل محمود وهو بيضرب صدره بوجع، وعيونه دمعت: - دول أخدوا مني كل حاجة في الماضي... أكلوا شقا عمري، و داسوا على اسمي، و تسببوا في قتل حسان المحاسب بدم بارد. مش بس كده... دول لفقوا التهمة ليا ولحسان الميت عشان يغطوا على وسخهم ويهربوا بالحرام. وفي اللحظة دي بالذات... كانت ليان خارجه من اوضتها بعد ما جاهدت نفسها متروحش تقابل سليم . وقفت عند الباب، والكلمات نزلت عليها زي الصاعقة اللي شلت حركتها. عينيها اتسعت بصدمة زلزلت كيانها. قربت من الصالة بخطوات مرعوبة، وصوتها طلع مخنوق، مقطوع، ومش مصدق: - بابا... أنت بتقول إيه؟.. سليم انا بصدقه من عيونه؟ تطلع محمود لبنته بحزن يدمي القلب، ورجعت عينيه تتكسر قدام دموعها، فقرب منها ومسك إيديها اللي بتترعش، وقال بنبرة مليانة خوف أبوي قاتل: - أيوه يا بنتي.... والنهارده لما ألاقيه بيلف ويقرب منك أنتِ بالذات، ويحاول يستطفلك ويحملك جميلة... قلبي بيموت من الخوف. أنا خايف يكون قربه منك ده وراه حاجة في نفس عيلته... خايف يكون بيلعب عليكي عشان يضمن إن الملف القديم يفضل مدفون، وما حدش فيكم يفتح باب الجحيم اللي قفلوه بدمنا .حسان مات عشان عرف الحقيقة، وأنا فضلت ماشي بعاهة في رجلي وقلب مكسور عشان أسكت... مش هسمح لهم ياخدوكي مني أنتِ كمان. وقفت ليان في نص الصالة، والدموع بتنزل من عينيها بسكوت حارق. افتكرت كلام سليم في العربية وهو بيحاول يطمنها ويقول لها إن الأمان موجود... افتكرت كل نظرة وكل كلمة، وفجأة كل حاجة اتهزت كأنها زلزال. صوتها طلع مهزوم وهي بتبص لأبوها: - بس يا بابا... سليم قال لي إن فيه سر قديم، وإنه مش فاهمه كامل وبيدور عليه... هو مش أبوه، و مش معني إن عيلته أذتك، إنه بالضرورة خاين. زعق محمود بحسم، وهو شايف دفاعها عنه: - إنتِ بدأتي تدافعي عنه يا ليان الحقيقة دي لو قربتي منها أكتر هتدمرك... هتلاقي نفسك واقفة في النص بين قلبك وبين الحق. ابعدي عن سليم الشافعي... من النهارده محدش يقبل منه حاجة، ولا حد يعتب المركز ده تاني. رجعت ليان خطوتين لورا، ومسحت دمعتها وهي بتبص لأبوها بعيون مليانة وجع وتشتت: - مش هقدر أكرهه لمجرد إنك طلبت مني أكرهه يا بابا... بس أوعدك، مش هعيش خايفة، ومش هسيب الحقيقة مستخبية تحت خوفنا طول العمر. سكت محمود تمامًا، وعينيه زادت خوف ورعب، وهو بيبص ناحية الدرج القديم في الصالة، الدرج اللي مخبي فيه المفتاح الصغير للورقة اللي وصلته من تاليا اللي خايف إن سليم... أو ليان... يوصلوا لها ويفتحوا بيها باب الجحيم من جديد. -------- لاحظت ليان نظرته، ولاحظت ارتباكه. ولأول مرة في حياتها، رأت أباها لا كالأب الذي كان دائمًا مصدر أمانها، بل كرجل يحمل سرا أكبر من قدرته على الاحتمال. بصت ناحية الدرج، وبعدين رجعت تبص له: - بابا... إيه اللي في الدرج ده؟ اتوتر محمود، وحاول يخفي ارتباكه بسرعة: - مفيش حاجة. - بصيت له ليه؟ - قولت لك مفيش حاجة يا ليان. - لا... فيه حاجة. قربت منه خطوة، وصوتها بقى أهدى، لكن الهدوء نفسه كان مخيفا: - إنت طول عمرك لما بتخاف عليا بتقولي الحقيقة حتى لو كانت صعبة... النهارده أنت مش خايف عليَّ بس، أنت خايف من حاجة أنا مش عارفاها. حاول محمود يهرب بعينيه بعيدًا: - ارجعي أوضتك يا بنتي. - مش هقدر. - ليان... - أنا مش هقدر أرجع أوضتي و أنام بعد ما عرفت كل ده . نادية قربت منها وهي بتحاول تهديها: - ليان، أبوكي مش مستحمل اللي حصل زمان... سيبيه النهارده يرتاح، وبعدين كل حاجة تتحكي بهدوء. ضحكت ليان ضحكة قصيرة موجوعة، و مسحت دمعة نزلت من عينها: - بهدوء؟! هو أنا لسه عندي هدوء اصلا يا ماما؟ بصت لمحمود: - أنا كنت فاكرة إن أكبر حاجة بتخوفني هي إننا نخسر البيت، أو إن بابا يفقد شغله، أو إننا ما نقدرش ندفع مصاريف علاج مالك... كنت فاكرة إن الأمان حاجة بسيطة، إننا لو فضلنا جنب بعض هنقدر نعدي أي أزمة. سكتت لحظة، و بلعت غصتها: - بس دلوقتي اكتشفت إن ممكن الواحد يبقى عايش وسط أهله، وبرضه يبقى فيه حاجات مستخبية عنه طول السنين. مد محمود إيده ناحيتها، لكنها تراجعت خطوة. الحركة الصغيرة دي وجعته أكتر من أي كلمة: - ليان... أنا خبيت عنك عشان أحميكي. - وأنا دلوقتي محتاجة أعرف عشان أحمي نفسي. - مش كل حقيقة بتتقال يا بنتي بتريح. - بس الجهل بيقتل يا بابا. سكت محمود، ما لاقاش رد. اقتربت منه أكثر، وقالت بصوت مبحوح: - سليم قال لي النهارده إن فيه حاجة في الماضي بين عيلتنا و عيلته، وإنه هو نفسه بيدور وراها. كان ممكن يكذب عليَّ ويقول لي مفيش حاجة... لكنه ما عملش كده. ارتعشت شفايف محمود: - وده اللي مخوفني أكتر. - ليه؟ - لأن اللي بيدور في الماضي، ممكن يفتح باب محدش يقدر يقفله. - يمكن الباب ده لازم يتفتح. - لأ. خرجت الكلمة من محمود بعنف، حتى إن نادية انتفضت مكانها: - لأ يا ليان... إنتِ مش فاهمة. - يبقى فهمني. صمت طويل نزل على البيت. محمود بص ناحية الدرج مرة تانية، ثم قال بصوت خافت: - مش الليلة. - إمتى؟ - لما أكون مستعد. - وأنا مش هقدر أستنى. - هتستني. - ولو ما استنيتش؟ رفع محمود عينيه إليها، وكان الخوف واضحا فيهما: - هتندمي. فضلت ليان واقفة قدامه ثواني طويلة، وبعدين بصت ناحية الدرج، وكأنها بتحاول تحفظ مكانه في ذاكرتها. لكنها ما قربتش منه، وما حاولتش تفتح حاجة؛ لأنها، رغم كل غضبها، كانت لسه بتحترم أبوها. رجعت أوضتها، و قَفلت الباب وراها... لكنها مقدرتش تقفل الباب اللي انفتح جوا عقلها. مرت الليلة على ليان وكأنها الدهر... ليلة لم تذق فيها طعم النوم، تتقلب على جمر الأفكار والشكوك اللي نهشت كل راحة في قلبها. الضلمة مالية أوضتها، والموبايل في إيدها. فتحت محادثتها مع سليم. فضلت تبص لاسمه وقت طويل. كتبت: أنا محتاجة أشوفك. .. مسحتها. كتبت: إنت كنت عارف حاجة عن أبويا؟ .. مسحتها برضه. كتبت: أنا عرفت. .. فضلت الجملة قدام عينيها ثواني، وبعدين مسحتها. حطت الموبايل جنبها، وغطت وشها بإيديها. العقل اللي رسم سليم الشافعي في البداية كصورة للأمان، والقوة، والسند... بات دلوقتي بيواجه اتهامات أبشع من الكابوس. هل سليم دخل حياتها بالصدفة فعلا؟ هل نظراته واهتمامه وتخفيض مصاريف علاج مالك كانت بدافع حب صادق؟ ولا كان عارف هي مين من الأول ودخل حياتها بذكاء عشان يلهي أبوها، و يشتت انتباه العيلة، ويضمن إن السر القديم يفضل مقفول ومحدش يفتش في دم حسان اللي راح؟ حطت ايديها على قلبها، و همست لنفسها: - أنا أصدق مين؟.. بابا عمره ما كذب عليا... وسليم، أنا عمري ما حسيت إنه كذب عليا. وهنا كانت الكارثة؛ إن الاتنين بالنسبة لها كانوا أمان، وفجأة، الاتنين بقوا سبب خوفها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مع أول خيط نور، كانت ليان أخدت قرارها. مش هتستنى، ومش هتفضل قاعدة في البيت تسمع رواية واحدة، ومش هتسمح لنفسها تكون مجرد طرف في حرب قديمة مش فاهمة بدايتها ولا نهايتها. لبست بسرعة، و خدت شنطتها، ونزلت. نادتها نادية من المطبخ: - رايحة فين يا ليان؟ وقفت لحظة: - المركز. خرج محمود من غرفته في نفس اللحظة تقريبًا: - المركز؟! بصت له بثبات رغم إن قلبها كان بيرتعش: - أيوه. - أنا قلت لك امبارح محدش يعتب المركز ده تاني. - وأنا سمعتك. - أمال رايحة ليه؟ - عشان أسمع الحقيقة. - الحقيقة مش عند سليم. - يمكن... ويمكن عنده جزء منها. قرب محمود منها: - ليان، أنا بحذرك. - وأنا مش بتحداك يا بابا... بس أنا مش هقدر أعيش طول عمري على خوفك. - أنا أبوكي. - وعشان إنت أبويا، أنا مصدقة خوفك... بس مش هقدر أعتبره دليل. الجملة نزلت على محمود كأنها صفعة. بص لها طويلا، ثم أبعد عينيه عنها: - روحي... بس لو حصل لك حاجة، مش هسامح نفسي. اقتربت منه وقبلت جبينه: - وأنا مش عايزة أخسرك. ثم خرجت. ـــــــــــــــــــ وصلت ليان إلى المركز الطبي وهي شاحبة، خطواتها تائهة، وعيناها تحملان خيبة حارقة وصدمة مش قادرة تستوعبها. عدت من الاستقبال من غير ما تبص لحد، طلعت السلم بسرعة، ووصلت للدور المخصص لمكتب سليم. فتحت الباب واقتحمت الغرفة دون استئذان وبقلب مكسور. في اللحظة دي، كان دكتور عمر الشريف واقف جنب مكتب سليم بيراجع معاه ملف، وبمجرد ما انفتح الباب و شاف منظر ليان ووجهها المرتجف والتوتر المشتعل في الهواء، حس عمر إن فيه حاجة أكبر من إنه يفضل موجود، انسحب بهدوء وسحب الباب وراه، وهو حاسس إن اللي جاي زلزال. وقف سليم بدهشة، وعيونه اتسعت بقلق لما شاف حالتها: - ليان؟! إيه اللي حصل؟ مالك يا ليان... وشك أصفر كده ليه؟ إنتِ كويسة؟ خطا ناحيتها بلهفة، بس ليان رفعت ايديها في الهواء بحدة تمنعه يقرب خطوة واحدة زيادة. كانت واقفة قدامه، ودمعة حائرة و ساخنة معلقة في طرف عينها، وقالت بصوت يرتجف و مخنوق من كثرة البكاء: - دكتور سليم... أسألك سؤال واحد و تجاوبني بوضوح من غير ما تلف وتدور... كنت عارف أنا مين من أول يوم دخلت فيه المركز هنا؟ كنت عارف إن أنا بنت محمود النوحي؟ تغيرت ملامح سليم تمامًا، وظهر الذهول الصادق على وشه وهو بيبص لها ومش فاهم حاجة: - إنتِ بتقولي إيه يا ليان؟! أنا عارف إنك ليان... طالبة الجامعة، وأخت مريم، وخالة مالك... إيه الكلام الغريب اللي بتسأليه ده؟ فيه إيه؟ صرخت ليان بآلام مكتومة، وصوت هز جدران المكتب، والدموع انفجرت من عينيها: - بلاش تمثل الجهل .بلاش تعمل نفسك مش فاهم .للخلاف القديم اللي بين أبوك وعمك كمال... وبين أبويا .الحادثة اتسعت عينا سليم بالصدمة من اتهامها ، و كأن الكلمات نزلت على دماغه زي المرزبة. سليم كان جاهل زمان تمامًا بتفاصيل الجري\مة والتاريخ المظلم ده، لأن والده فؤاد وعمه كمال أبعدوه تمامًا عن الملفات القديمة. خطا سليم خطوات سريعة ناحيتها، وصوته طلع مجروح و مصدمًا و محروقًا: - ليان... أقسم لك بعزتي و شرفي إني ما أعرف حاجة عن كل اللي بتقوليه ده الا من بعد ظهورك صدفه في حياتي . أنا قربت منك لأنك أنتِ... لأن قلبي اتشد ليكي من أول لحظة، لأنك الإنسانة الوحيدة اللي حسيت معاها بالنقاء. قاطعته ليان بكسرة قلب وابتسامة ساخرة مليانة وجع: - قربت مني لأنك إيه؟.. لأنك أشفقت عليَّ وعلى ظروفنا؟ ولا علشان تعطيني أمان مستعار بفلوسكم و نفوذكم و سلطتكم عشان تسكتونا؟ الشك اللي زرعته عيلتك في قلبي مات بسببه كل إحساس حلو يا دكتور سليم... الثقة بيننا انتهت، و مبقاش ليها وجود. قرب سليم منها أكتر، وعيونه كانت بتلمع بالدموع: - ليان ارجوك... ما تحكميش عليا بذنب ما ارتكبتوش . ما تخلينيش أدفع ثمن ماضي أنا ماليش إيد فيه. أنا مستعد أدور معاكي على الحقيقة... مستعد أعرف أيا كان مين المذنب، بس ما تمشيش وأنتِ بتكرهيني. تراجعت ليان خطوتين لورا، و مسحت دموعها بإيد ترتعش، وقالت بنبرة قاطعة باردة كالتلج: - الحقيقة اللي بدور عليها تحت أقدام عيلتك... وأنا مش هكون الضحية الجديدة. ثم التفتت، وقبل أن تخرج، التفتت إليه بنبرة انكسرت فيها روحها: - وفي حاجة واحدة بس... لو اكتشفت إنك كنت عارف أكتر مما قلت لي... مش هسامحك. خرجت تركض من المكتب وهي بتداري وشها، و سابت الباب مفتوح وراها... وقف سليم في نص المكتب، وشه مشدود، وعروق رقبته بارزة من الغضب والصدمة. كان بيغلي من الداخل... بين حبه المكسور اللي ضاع في لحظة، وبين غضبه اللي في عقله ناحية عمه كمال والماضي اللي اندفن بدم ناس أبرياء. وقع عين سليم على الملف القديم المفتوح أمامه على المكتب، فتح الصفحة التي كان عمر قد أشار إليها؛ اسم محمود، اسم حسان، وتاريخ قديم... ثم مكان الصفحة الأخيرة فارغ. الصفحة التي اختفت. تجمدت ملامح سليم وهمس لنفسه: - مين اللي شال الصفحة؟ في اللحظة نفسها، رن هاتفه، وكان عمر. رد سليم بصوت متعب: - أيوه يا عمر. جاءه صوت عمر متوترا من الطرف الآخر: - سليم... أنا رجعت أبص على الملف تاني، وفي حاجة مش مريحاني. - إيه؟ - الصفحة المفقودة مش مجرد صفحة حسابات... كان عليها توقيعات. - توقيعات مين؟ - محمود... وحسان... وشخص تالت من عيلتك. أنزل سليم الهاتف ببطء، و بص للباب اللي خرجت منه ليان منذ دقائق. لأول مرة، لم يعد السؤال بالنسبة له: هل ليان تصدقه؟ السؤال الحقيقي أصبح: مين من عيلته كان واقف في النص يوم ما بدأت الحكاية؟ ــــــــــــــــــــــ وفي مكان آخر... كانت ليان في المصعد، واقفة وحدها، ودموعها تنزل في صمت، دون أن تعلم أن الحقيقة المخبأة كانت تجهز لجولة جديدة من الجحيم. خرجت ليان من المركز الطبي والدموع تغشي عينيها لدرجة أنها لم تعد ترى الطريق أمامها بوضوح، تركض بين المارة بخطوات تعثرت أكثر من مرة، كأن الأرض نفسها تبدلت تحت قدميها. الباب اتقفل وراها بصوت عالٍ وهزّ الممر، وهي عدّت من غير ما تشوف حد... كل خطوة كانت تبعدها عن المركز، كانت تقربها أكثر من جحيم الحقيقة. تذكرت لمسات سليم، ونبرة صوته الهادئة وهو يطمئنها على علاج "مالك"، ونظراته التي كانت تراها شاطئ أمان، ليعود في ذاكرتها صوت والدها في الليلة الماضية كالسياط: (الوقت خلص... القديم ما يتفتحش... لو فتحت الباب مش هتعرفي تقفليه.). وقفت عند الرصيف، و مسحت دموعها بعصبية، ثم ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة وهي تتمتم لنفسها: - أنا كنت فاكرة إن أصعب حاجة في الدنيا إني أخسر الأمان... طلع أصعب حاجة إني أكتشف إني كنت مصدقة أمان مش حقيقي. رفعت عينيها للسماء، وأخذت نفسا مرتجفًا، ووضعت يدها على صدرها كأنها تسأل اللاشيء: - باب إيه يا بابا؟... إيه اللي مخبيه عني كل السنين دي؟ كانت تريد أن تصدق سليم، تريد بشدة... لكن الثقة حين تتشقق، يتحول كل خيط فيها إلى شك قاتل: هل كان اقترابه حبا حقيقيا، أم لتأمين صمت عائلتها؟ فتحت هاتفها، كتبت له: (أنا مش قادرة أكرهك)... ثم مسحتها، وقررت قطع آخر خيط، واستمرت في الضياع وسط ضوضاء المدينة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي الوقت نفسه، داخل المركز الطبي... ظل سليم واقفا في مكتبه، واجمًا كالصنم، لم يتحرك منذ خرجت ليان. كان ينظر إلى الباب المغلق بكدمة ألم في صدره، متمنياً أن تفتحه وتخبره أنه سوء فهم، لكن الباب ظل مغلقا. جلس ببطء على الكرسي، مرر يده المرتجفة على وجهه، وحط راسه بين إيديه وهو يغلي في بحر من الصدمة والتساؤلات التي لم تترك لعقله متنفسا. ـــــــــــــــــــــ