امان مستعار

في أعلى الشرفة المظلمة، كان محمود يقف منذ دقائق، يداه مستندتان إلى السور وعيناه مثبتتان على السيارة. منذ أن ظهرت المركبة أسفل البناية لم يتحرك شبرًا واحدًا، وكان وجهه قد تغير تمامًا؛ ذلك الرجل الذي ظل سنوات يخفي انكساره خلف هدوئه بدا الآن وكأنه رأى شبحًا خلع كفنه من قبر قديم.

لم يكن محمود ينظر إلى سليم باعتباره طبيبًا نجح في إنقاذ حفيده فقط بل شعر أنه هناك في شئ اكبر ، شد محمود أصابعه على السور حتى ابيضّت مفاصله وهو يرى سليم يودع ابنته بنظرة حامية قبل أن يركب سيارته ويرحل.

ابتعد محمود عن الشرفة بسرعة متوجهًا إلى الصالة المظلمة.

دخلت ليان الشقة وهي تحمل ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها تلقائيًا بمجرد تذكر كلام سليم. كانت تخطو نحو غرفتها بخفة، وتتطلع عبر الستارة لثوانٍ نحو سيارته، لكنها ما إن أغلقت الباب ودخلت الصالة حتى فوجئت بوالدها يقف أمامها في منتصف المكان كالسيف، لا ضوء حوله سوى شعاع الشارع المتسلل.

– بابا؟

لم يجبها فورًا، ظل ينظر إليها، ثم إلى كتبها وحقيبتها، حتى استقرت عيناه على وجهها بنبرة متوترة وخائفة لم تعتدها منه أبدًا:
– مين الراجل اللي وصلك ده؟ ومن إمتى وإنتِ بتركبي مع غربا في أنصاص الليالي؟

اختفت ابتسامة ليان تدريجيًا، وحاولت الاستدراك بنبرة تطمئن قلبه:

– ده الدكتور سليم الشافعي يا بابا… صاحب المركز الطبي اللي بيمر عليه مالك. الشارع كان فاضي، وجالي بالصدفة وهو راجع، وركبني معاه عشان يطمن عليا… ده رجل محترم جدًا، ووقف معايا في موقف صعب النهارده لما حصلت مشكلة.

تجمد محمود مكانه، وكأن الاسم كان صاعقة فتحت أبواب أهواله المغلقة:

– سليم… سليم فؤاد الشافعي؟!

شحب وجهه تمامًا، وتراجع خطوة إلى الخلف، يضع يده على صدره المنقبض، ثم جلس على أقرب كرسي وهو يهمس بذهول:

– سليم فؤاد… إنتِ بتقولي اسم مين؟!

اقتربت منه ليان بقلق شديد:

– بابا، مالك؟ إنت كويس؟ تعرفه؟

رفع عينيه إليها فجأة، ونبرته تنخفض بمرارة ورعب حقيقيين:

– إنتِ تعرفيه من إمتى؟ وبيوصلك ليه؟

– من وقت ما مالك تعب… وعشان كان فيه موقف حصل وأنا راجعة من الشغل.

قطّب محمود حاجبيه بغضب:

– شغل؟!

تنهدت ليان:

– آه يا بابا، أنا كنت قلت لك إني هشتغل شوية بعد الجامعة عشان أساعدك…

نهض محمود من مكانه بعصبية، وهز كتفيها بيدين ترتجفان:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *