امان مستعار

صفر عمر بخفة وقال:

– تمام… يعني أنت بالفعل عامل الحساب و بتحسبها بالمسطرة والقلم بس العقل حلو، والسيطرة اللي أنت مدمنها ينفع تفرضها على مستشفى أو شركة، إنما القلوب عمقها أكبر من جدول أعمالك. البنت دي بتبص لك كأنك السند والأمان اللي بيحميها من كوابيس حياتها، وأنت من جواك بتموت وتبقى السند ده… ما تخافش من الإحساس لدرجة إنك تكذبه وتظلم نفسك و تظلمها معاك.

سليم سكت تمامًا، و سكوته كان أصلب و أوجع من أي كلام. قام واتجه للنافذة، حاطط إيده في جيبه و بيتحرك بعينيه مع حركة الناس تحت. قام عمر هو كمان، وقرب منه وحط إيده على كتفه بقوة ودعم:

– أنا مش بضغط عليك يا صاحبي، أنا بس خايف عليك تضيع فرصة عشان خوفك… الأمان اللي بتديهولها ده، هيتحول لعشق يهد كل حصونك، وساعتها مش هتعرف تفرمل.

خرج عمر و ساب الباب موارب. سليم رجع لمكتبه، حط إيديه على وشه وتنهد تنهيدة طويلة و محملة بتقل الدنيا. مسك الملف اللي قدامه، بس عينيه راحت تلقائيا على الاسم المكتوب في أعلى الصفحة: “ليان محمود النوحي”.
ـــــــــــــــ

كانت ليان تخرج بخطوات متسارعة من بوابات كلية الآداب بعد انتهاء آخر محاضراتها في وقت متأخر من بعد الظهيرة. كانت وجهتها محددة و محسومة في رأسها: مكتبة صغيرة مخصصة لطباعة وبيع الأدوات الجامعية تقع في أطراف الحي القريب، حيث اتفقت مع صاحبها على عمل جزئي في تفريغ وتنسيق الأوراق والملازم الدراسية، لعل الراتب البسيط يساعد في تغطية مصاريف دراستها والمساهمة في أزمة والدها المالية دون أن تشعر أسرتها بالحرج أو الرعب من الضيقة التي يمرون بها.

أثناء خروجها، كانت تمسك بكتبها و حقيبتها الثقيلة وتحاول طلب سيارة عبر التطبيق، لكن هاتفها أوشك على النفاذ. اضطرت للمشي قاطعة الشارع الرئيسي المتجه نحو الأزقة الجانبية الأقصر وصولا للمكتبة.

في هذه الأثناء، كان دكتور سليم يقود سيارته في الشارع الرئيسي المحاذي لمحيط الجامعة بعد خروجه من اجتماع سريع. وأثناء توقفه في الإشارة المرورية، لمح ليان وهي تعبر المشاة بملامح شاحبة وخطوات قلقة و مضطربة جدًا.

سليم  بحكم متابعته الخفية لها والحب المكتوم الذي يحمله تجاهها ـ لاحظ فورا أن اتجاه سيرها ليس نحو طريق منزلها ولا الموقف العام. انتابه شك وقلق من هيئتها؛ فقرر ألا يتجاهل الأمر و هدّأ من سرعة السيارة، ليمشي ببطء على مسافة أمان خلفها دون أن تلاحظ، ليطمئن فقط إلى وجهتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *