بنت الحاره

لمعت شاشة الموبايل في إيد هبة، وحست إن الأرض بتلف بيها. الصوت الرخيم ده كان لسه بيرن في ودنها زي صفارة إنذار، والطلبة حواليها في صالة الاستقبال كانوا بيهتفوا ويتكلموا بذهول عن المالك الجديد للجامعة، ومحدش فيهم حاسس بالبركان اللي بيغلي جواها.
بلعت ريقها، وحاولت تستجمع كل ذرة قوة وجبروت فاضلة في شخصيتها. مكنتش هتبان ضعيفة ولا هتنكسر قدامه. أخدت نفس عميق، ووجّهت كلامها للموبايل بنبرة حادة وناشفة:
“مبروك عليك الجامعة يا غول بيه.. بس لعلمك، الأماكن المحترمة بتشتريها الفلوس آه، لكن الناس اللي جواها مبيتشرواش. وأنا هنا بدماغي وبتعبي، ومظنش إن عقد الملكية الجديد بتاعك فيه بند بيقول إنك تملك الطلبة!”
سمعت من السماعة صوت ضحكته الواطية المستفزة، الضحكة الساخرة اللي بتدب الرعب في قلوب أعتى الرجال، بس معاها نبرة إعجاب خفيفة مكنتش موجودة امبارح. عاصم سكت ثانية، وبعدين قال بصوت هادي ومخيف:
“دماغك؟ تعجبني ثقتك في نفسك.. بس الدماغ دي لو مشيت في طريق غلط، ممكن تودي صاحبها ورا الشمس. عموماً، أنا مش من النوع اللي بيتكلم في التليفون كتير. مكتب رئيس الجامعة بقى مكتبي من نص ساعة.. وخلال خمس دقائق بالظبط لو ملاقيتكيش واقفة قدامي، هعتبر إن المنحة الكاملة اللي إنتي طايرة بيها دي ملغية، وبأمر المالك الجديد. مستنيكي يا.. يا بنت الحارة.”
الخط قطع.
وقفت هبة في مكانها لدقيقة كاملة، الموبايل لسه على ودنها وشاشته اسودت. كانت حاسة إنها قدام خيارين أصعب من بعض: يا تروح وتواجه الغول في عرينه وتتحمل النتيجة، يا ترجع خطوة لورا وتخسر الحلم اللي سهرت الليالي وشافت المرار عشان توصله. بصت لشعار الجامعة المحفور على جاكت الفست بتاعها، افتكرت وش ماماتها وهي فرحانة بيها يوم النتيجة، وافتكرت إنها عمرها ما كانت جبانة.
”على جثتي لو ضيعت مستقبلي بسببه،” قالتها لنفسها وهي بتعدل شنطتها على كتفها، وبتتحرك بخطوات سريعة وثابتة ناحية مبنى الإدارة.
المبنى الإداري كان مقلوب، السكرتارية والموظفين بيجروا يمين وشمال وكل واحد بيحاول يظبط ورقه. هبة طلعت الدور الأخير، ووصلت لباب مكتب رئيس الجامعة اللي كان واقف قدامه اتنين من الحراس بتوع عاصم، نفس الجثث اللي شافتها امبارح في الشارع. أول ما شافوها تقرب، واحد منهم ابتسم بسخرية وفتح لها الباب من غير ما تتكلم، كأنهم كانوا مستنيينها.
دخلت هبة المكتب الفخم، الباب اتقفل وراها بصوت تكه خفيفة حسستها إنها اتسجنت. المكتب كان واسع جداً، والستائر الكبيرة متقفلة، والإضاءة خافتة ومدية المكان جو غامض. ورا المكتب الخشبي العريض المصنوع من الأبنوس، كان قاعد عاصم الغول. لابس قميص أسود شيك جداً، وفات أول زرارين، ومفيش نظارة سوداء المرة دي؛ عيونه الحادة كانت مركزة في تابلت قدامه.
مرفعش عينه ليها أول ما دخلت، وسابها واقفة حوالي دقيقتين في صمت قاتل، متعمد إنه يوترها. هبة مفضلش واقفة ساكتة، قربت من المكتب وخبطت بإيدها خبطة خفيفة وقالت:
“أنا جيت.. أظن وقتك الغالي مش هيضيع في الفرجة عليا وإنت باصص في الشاشة.”
عاصم قفل التابلت ببطء، وسنده على المكتب، ورفع عينه وبص لها. نظرته كانت هادية بس تقيلة، تخلي أي حد ينزل عينه في الأرض، بس هبة فضلت مبحلقة فيه بعناد.
سند ضهره لورا على الكرسي الجلد الفخم، وشبك صوابع إيديه مع بعض وقال بلهجة باردة:
“امبارح في الشارع، رميتي السوبيا بالشوكولاته على عربيتي، وزعقتي، وقلتي لي فتح وعينك مش زينة. والنهاردة، بتتكلمي بكل ثقة وكأنك إنتي اللي تملكي المكان.. قولي لي يا هبة، إنتي بجد مش خايفة؟ مفيش حد قالك قبل كده عاصم الغول بيعمل إيه في اللي بيقفوا قدامه؟”
هبة خدت نفس وقالت بجرأة:
“الخوف من ربنا يا بيه. وأنا مغلطتش.. إنت اللي كنت هتخبطني، والشارع مش ملك حد. ولو على العربية، أنا مستعدة أدفع تمن غسيلها، بس بالتقسيط عشان زي ما إنت عارف.. أنا مش بنت وزير.”
عاصم لمعت عينه بلمعة غريبة، ومال بجمسه لقدام على المكتب، وقرب منها وقال بصوت واطي ومسموع:
“تمن غسيلها؟ إنتي فاكرة الموضوع موضوع فلوس وعربية؟ أنا هيبتي في الشارع النهاردة بقت على كل لسان بسببك. عاصم الغول بنت مفعوصة في أولى جامعة تهزأه وتدلق عليه عصير في وسط البلد؟ دي عقوبتها عندي مش فلوس.. دي عقوبتها بتبدأ من شطب اسمك من التعليم خالص، وبتنتهي بحاجات تانية كتير متتخيليهاش.”
هبة حست برعشة خفيفة في صوابعها بس دارتها، وقالت بنشفان راس:
“يعني إنت شاري الجامعة دي كلها ومكلف نفسك ملايين عشان تنتقم من بنت عندها 19 سنة؟”
عاصم ضحك ضحكته الواطية تاني، ووقف بطوله الفارع، وتمشى لغاية ما بقى واقف جنب الشباك الكبير وباصص على الجنينة والطلبة، وقال وهو ضهره ليها:
“الجامعة دي صفقة بزنس كانت كدا كدا هتم.. بس وجودك فيها خلى الصفقة مسلية أكتر. أنا مبضيعش وقتي في الانتقام من عيال يا شاطرة.. أنا بوضح الحدود. وإنتي عديتي حدودك معايا.”
التفت ليها فجأة، وبقت ملامحه جادة وصارمة جداً:
“المنحة بتاعتك مش هتلغي.. بالعكس، إنتي هتفضلي هنا، وتدرسي، وتتخرجي كمان. بس قصاد ده، فيه ثمن لازم تدفعيه عشان غلطة امبارح.”
هبة قطبت حواجبها بوجل واستغراب:
“ثمن إيه؟”
عاصم قرب منها لغاية ما بقت المسافة بينهم خطوة واحدة، وطى رأسه شوية وقال بنبرة مليانة غموض وتحدي:
“من هنا ورايح، كل يوم بعد المحاضرات بتاعتك، هتيجي هنا المكتب ده.. هتشتغلي مساعدة شخصية تحت إيدي في كل حاجة تخص إدارة المكان والشركات اللي هتدخل هنا. هتعرفي يعني إيه شغل، ويعني إيه نظام، ويعني إيه التزام بالكلمة. وطبعاً.. من غير ولا مليم زيادة، لغاية ما أحس إن حق عربيتي وحق هيبتي رجع بالكامل.”
هبة فتحت عيونها على وسعهم بصدمة:
“أنا؟! أشتغل معاك إنت؟!”
عاصم ابتسم ابتسامة النصر الباردة، ورجع قعد على كرسيه، وأخد التابلت تاني وقال وهو مش باصص لها:
“ده العرض الوحيد اللي قدامك يا هبة. وافقي واطلعي على محاضرتك، أو ارفضي والباب يفوت جمل.. بس افتكري إن برا الباب ده، مفيش جامعة في مصر كلها هتقبل تدخلك من بوابتها بعد كلمتي. قدامك دقيقة تفكري.”
وقفت هبة والنار بتاكل فيها. الشغل مع عاصم الغول معناه إنها بتدخل برجليها لـ عش الدبابير، والرفض معناه دمار كل حاجة حلمت بيها. بصت للباب، وبصت لعاصم اللي قاعد بكل برود، وحست إن اللعبة الحقيقية يلا بدأت دلوقتي.أخذت هبة نفس عميق، وحست بضربات قلبها بتدب في صدرها زي الطبل، لكن عيونها كانت لسه متمسكة بكل ذرة عناد وقوة جواها. بصت لعاصم الغول اللي كان قاعد بكل برود ومستني ردها، وقالت بنبرة حاسمة وصوت مفيش فيه أي رعشة:
“وأنا موافقة يا غول بيه. بس افتكر كويس.. أنا وافقت أشتغل مش وافقت أكون جارية عندك، والشغل حدود، وأنا أولى بالالتزام والنظام من أي حد.”
عاصم مرفعش عينه من على التابلت، بس طرف شفايفه اترسمت عليه ابتسامة باردة فيها مكر وتحدي، وقال بصوته الرخيم:
“أول درس هتعرفيه هنا.. إن أنا اللي بحط الحدود وأنا اللي بغيرها. اتفضلي على محاضرتك، ومن بكرة بعد آخر ساعة، أشوفك واقفة هنا.”
خرجت هبة من المكتب والباب اتقفل وراها، وحست لأول مرة إن الهوا رجع يدخل الرئة بتاعتها. مشيت وسط ممرات الجامعة اللي بقت ملك للراجل ده، وهي عارفة إن من بكرة حياتها مش هتبقى زي زمان، وإنها دخلت برغبتها في لعبة تكسير عظام مع حوت م بيرحمش.
مر اليوم والتاني، وبقت هبة تخلص محاضراتها وتطلع فوراً على مكتب المالك الجديد. الشغل مع عاصم مكنش مجرد ورق بيترتب، ده كان أشبه بمعسكر تعذيب نفسي؛ كان بيتعمد يرمي قدامها ملفات صعبة، صفقات بالملايين، وتقارير محتاجة لغة وتحليل هما أصلًا مش من سنها، بس دماغ هبة الناشفة وذكائها الفذ كانوا دايماً بينقذوها. كل ما يفتكر إنه كسرها بطلب تعجيزي، تفاجئه وتخلص الشغل على أكمل وجه وتحدف الملف على مكتبه بكل كبرياء.
في يوم من الأيام، بعد حوالي شهر من الشغل المتواصل، الساعة كانت داخلة على سبعة بالليل، والجامعة بقت هسس ومفيش فيها غير الأمن. هبة كانت واقفة بتراجع ميزانية التطوير الجديدة للجامعة، وعاصم كان قاعد ورا مكتبه بيتابعها بعيونه الحادة من ورا ورق الشغل.
فجأة، عاصم ساب القلم من إيده، وسند ضهره لورا وقال بنبرة هادية غريبة ومفيهاش البرود المعتاد:
“بقالي شهر بطلع عينك في الشغل، ومسمعتش منك شكوى واحدة، ولا جيتي مرة عيطتي وزي بقية البنات وقلتي مش قادرة. إنتي بجد معموله من إيه؟”
هبة وقفت وبصت له بثبات، وقالت وهي بتعدل لياقة الجاكيت بتاعها:
“معمولة من شقا وتعب يا بيه. ناس الحارة اللي إنت بتتريق عليهم بيطلعوا رجالة وبيتحملوا الصخر عشان لقمة عيشهم وكرامتهم. أنا مش من اللي بيعيطوا عشان شوية شغل.”
عاصم قام من مكانه وبدأ يقرب منها بخطواته الرزينة. هبة المرة دي متحركتش من مكانها ولا رجعت لورا؛ فضلت واقفة وشرار العناد في عيونها. وقف قدامها بالظبط، ووطى راسه لغاية ما بقت أنفاسه قريبة منها، وشال نظارته وبص في عيونها مباشرة وقال بابتسامة غامضة:
“عارفة يا هبة.. أنا في حياتي كلها مشفتش حد بالجرأة دي، ولا حد قدر يقف قصادي ويبص في عيني كدا. إنتي فاكرة إنك بتعاقبي نفسك بالشغل ده؟ لأ.. أنا اللي كنت عايزك قريبة مني، وعايز أشوف الدماغ دي بتفكر إزاي.”
هبة قطبت حواجبها بوجل:
“تقصد إيه؟”
عاصم مد إيده وجاب ملف أسود مخفي من ورا مكتبه وحطه قدامها، وقال بنبرة مليانة غموض أذهلها:
“الحساب اللي بيني وبينك خلص من أول أسبوع.. والشغل اللي فات ده كله كان اختبار عشان أشوف هتستحملي معايا لأي مدى. الملف ده فيه عقد تعيين رسمي كمديرة مكتب إدارة مشروعات المجموعة الجديدة.. وبمرتب يخليكي إنتي وعيلتك في حتة تانية خالص. بس الشغل المرة دي مش هيبقى في الجامعة.. الشغل ده هيبقى معايا أنا، خطوة بخطوة، وفي كل مكان هروحه.”
هبة بصت للملف وبصت لعاصم، وحست إن اللعبة اتغيرت تماماً. مكنتش قدام عقاب، دي بقت قدام عرض هينقل حياتها لقلب عالم عاصم الغول بكل خطورته وغموضه.
لمست هبة طرف الملف بإيد بتترعش، وبصت في عيونه وقالت بصوت واطي بس قوي:
“ولو رفضت؟”
عاصم ابتسم، وبص لها بنظرة عميقة هزت كيانها، وقال وهو بيلف يركب نظارته تاني:
“أنا مبرفضش يا هبة.. وبنت الحارة الذكية اللي وقفت قدام الغول، مكانها مش وسط الكتب.. مكانها ورا العرش معايا.”
قفلت هبة عيونها للحظة، وحست إنها واقفة على حافة الهاوية، يا ترمي نفسها في عالم الحوت وتكبر معاه، يا ترجع لحياتها العادية. فتحت عيونها وبصت له، وابتسامة تحدي جديدة ظهرت على وشها وهي بتمد إيدها وتمسك القلم عشان تمضي.بلعت هبة ريقها بالعافية، وحست إن الحلق ناشف زي أرض في عز الجفاف. الكلام وقف في زورها، واللسان اللي كان من دقيقة واحدة بيطرد ويزعق في نص الشارع اتبنج تماماً. عاصم الغول كان لسه هامر عليها بطوله وعرضه، النظارة السوداء مكنتش مخبية نظراته اللي زي حد السكين، والهدوء اللي بيتكلم بيه كان مرعب أكتر من أي زعيق. الشارع حواليهم كان ميت، حتى البياعين اللي كانوا بينادوا على بضاعتهم كتموا نفسهم، وكله واقف يتفرج على البنت الغلبانة اللي رمت نفسها في بق الأسد برغبتها.
عاصم رجع خطوة لورا، حط إيده في جيب بنطلونه، وبص على كبوت عربيتة اللي بقى ملطخ بالسوبيا والشوكولاته السايحة، والثلج اللي بدأ يدوب وينزل خطوط مبهدلة على الصاج الأسود اللامع. رجع بص لها تاني، وابتسامته الساخرة لسه مأثثت على وشه. هز راسه ببطء وقال بصوت هادي واطي بس مسموع في وسط السكوت ده:
“عارفة يا شاطرة… العربية دي لسه خارجة من التوكيل مكملتش ساعتين. تمن الغسلة اللي هتحتاجها عشان تشيل القرف ده، ممكن يكون قد مصاريف بيتكوا كله في سنة. بس مش مهم الفلوس.. الفلوس بتروح وتيجي. المهم عندي هو الحساب.. وأنا حسابي تقيل أوي، ومظنش إنك قده.”
هبة في اللحظة دي، ورغم الرعب اللي كان بياكل في ركبها، حست بنغزة في كرامتها. البنت اللي طالعة من حارة شعبية، واللي شافت المرار عشان تثبت نفسها وسط عيال الأكابر في الجامعة، رفضت إنها تبان مكسورة أو خايفة قدام الراجل ده، حتى لو كان عاصم الغول نفسه. أخدت نفس طويل، ورفعت راسها لفوق عشان تحط عينها في عينه، وقالت بصوت حاولت على قد ما تقدر تخليه ثابت وميهتزش:
“والله يا بيه، الحساب برضه بيقول إن اللي يكسر إشارة ويجري بعربيته وسط الناس كأنه سايق في مملكته، يبقى هو اللي معندوش فكرة عن الأدب ولا القوانين. العربية الغالية دي مش مدياك الحق تدوس على خلق الله وتفتكر إن الشارع ملكك!”
الناس اللي واقفة حواليهم شهقت بصوت مكتوم. حد ينطق بالكلام ده لعاصم الغول؟ ده الموت المستعجل! عاصم نفسه حواحبه اترفعوا ورا النظارة السوداء. مكنش متوقع إن البنت المفعوصة دي، اللي وشها كان لسه باهت من الخوف، هتلاقي الجرأة وترد عليه وبالأسلوب ده كمان. الضحكة الساخرة اختفت من على وشه فجأة، وحل مكانها ملامح جامدة زي الصخر. قرب منها خطوة واحدة، الخطوة دي خلت هبة ترجع لورا تلقائي لحد ما ضهرها خبط في عمود النور اللي على الرصيف. بقت محبوسة بينه وبين العمود.
تنحى عاصم شوية، وشال النظارة السوداء ببطء، فظهرت عيونه الحادة اللي لونها شبه لون القهوة الغامقة، بس فيها لمعة ذكاء وقسوة تخوف. بص في عيونها مباشرة وقال بلهجة حاسمة خالية من أي هزار:
“اسمك إيه يا شاطرة؟”
هبة سكتت، ومردتش. عاصم ابتسم ابتسامة باردة وقرب أكتر لدرجة إنها بقت شامة ريحة برفانه الغالي والمميز، وقال:
“مش عايزة تقولي؟ مش مهم.. كدا كدا الكارنيه اللي في جيبك واللوجو اللي على لبسك هيجيبوا لي تاريخ ميلادك، واسم أبوكي، وعنوان بيتكوا حارة حارة، وزنقة زنقة، قبل ما الشمس تغيب النهاردة. أنا بس كنت بديكي فرصة تنطقي بنفسك.”
في اللحظة دي، ظهر اتنين رجالة بجسام قوية من ورا العربية، لابسين قمصان سوداء، باين من وقفتهم إنهم الحرس بتوعه. واحد منهم قرب من عاصم وبص لهبة بنظرة غضب وقال:
“تأمر بإيه يا باشا؟ نربيها المعفنة دي؟”
عاصم رفع إيده ببطء، إشارة صغيرة منه خلت الحارس يرجع لورا فوراً ويقفل بقه. عاصم فضل باصص لهبة لثواني طويلة، ثواني مرت عليها كأنها سنين. كان بيدرس ملامحها، وعيونها اللي رغم الخوف كان فيها شرار غريب، شرار مبيشوفوش كتير في عيون الناس اللي بتقابله. الناس دايماً بتبص في الأرض قدامه، لكن البنت دي كانت بتبص في عينه مباشرة.
طلع من جيب جاكيت البدلة منديل قماش أبيض نضيف جداً، ومسح بيه نقطة شوكولاته كانت طارت على كم بدلته أثناء الخناقة. رمى المنديل على الأرض بكل إهمال، وبص لها للمرة الأخيرة وقال:
“النهاردة أنا ورايا ميعاد مهم ومفيش وقت أضيعه مع عيال. بس افتكري الوش ده كويس يا… يا بنت الجامعة. عشان المرة الجاية لما نتفابل، مش هتبقى السوبيا هي اللي مدلوقة على الأرض.”
التفت عاصم بكل برود وركب عربيتة في المقعد الخلفي. الحراس ركبوا بسرعة، والسواق دور العربية وطلع بيها بهدوء، وكأن مفيش أي حاجة حصلت، وسابوا وراهم زجاج العربية متبهدل بالكامل بالشوكولاته، وسابوا هبة واقفة في مكانها، ساندة ضهرها على عمود النور، ونفسها طالع نازل بسرعة ضربات قلبها اللي كانت بتسمعها في ودنها.
الشارع بدأ يرجع لحركته الطبيعية بالتدريج، والناس بدأت تبص لهبة بنظرات فيها شفقة وفيها عجب. البياع اللي جنب عمود النور قرب منها وهو بيهز راسه وقال بصوت واطي:
“يا بنتي حرام عليكي شبابك.. إنتي عارفة ده مين؟ ده عاصم الغول! ده اللي ملوش غالي ولا رخيص. ربنا يسترها عليكي وعلى أهلك، خدي بعضك وامشي من هنا بسرعة قبل ما حد تبعه يرجعلك.”
هبة مسمعتش بقية كلام الراجل. كانت حاسة إن رجليها مش شايلاها. مشيت بخطوات سريعة ومرتبكة لغاية ما وصلت لمحطة المترو، ركبت وهي مش شايفة قدامها، ودماغها بتلف في دوامة من الأفكار. “هو بجد هيعرف طريقي؟ هيعرف أنا مين؟” السؤال ده كان بياكل في عقلها طول الطريق لغاية ما وصلت لبيتها في منطقتها الشعبية البسيطة.
دخلت شقتها، مامتك كانت في المطبخ بتعمل الأكل، وريحة التقلية ملوية في المكان. حاولت هبة تبتسم وتبان طبيعية عشان مامتك متلاحظش حاجة، ودخلت أوضتها بسرعة وقفلت الباب وراها. رمت شنطتها على السرير وقعدت وهي بتفكر في التهديد اللي قاله لها. البنت القوية اللي متهابش حد، حست لأول مرة إنها حطت نفسها في مواجهة مع غول بجد، غول مش هيرحمها لو قرر ينتقم.
مرت ساعات الليل ثقيلة، وهبة منامتش غير الفجر من كتر التفكير والخوف اللي كانت بتحاول تداريه عن نفسها. تاني يوم الصبح، صحيت وعليها علامات التعب والإرهاق. لبست لبس الجامعة، وحاولت تستجمع قوتها وشخصيتها الناشفة تاني. نزلت وراحت الجامعة، وطول ما هي ماشية في الممرات الكبيرة الفخمة، كانت حاسة إن كل عين بتبص عليها عارفة اللي حصل امبارح، مع إن مفيش حد من الجامعة كان هناك.
وصلت للمدرج وقعدت في ميعاد المحاضرة. الدكتور دخل وبدأ يشرح، وهي مكنتش مركزة في كلمة واحدة. كل اللي في بالها هو الوش البارد والنظرة القاتلة وعاصم وهو بيقول لها: “هيجيبوا لي تاريخ ميلادك.. وعنوان بيتكوا قبل ما الشمس تغيب”.
المحاضرة خلصت، وهبة خرجت عشان تقعد في الكافيتريا شوية تحاول تفصل. وهي ماشية في الممر الطويل المؤدي للجنينة الرئيسية بتاعة الجامعة، لفت انتباهها تجمع كبير من الطلبة واقفين قدام لوحة الإعلانات والشاشات الكبيرة اللي في صالة الاستقبال. الأصوات كانت عالية والكل بيتكلم وبيهمس بذهول.
دفعتها الفضول إنها تقرب وتشوف في إيه. بدأت تزق وسط الطلبة لغاية ما بقت في الصف الأول قدام الشاشة الكبيرة. الشاشة كانت عارضة خبر عاجل نزل على كل مواقع الإخبارية، ومعاه صورة واضحة جداً. هبة حست إن الدم اتجمد في عروقها تماماً، والشاشة بدأت تتهز قدام عينيها وهي بتقرأ المكتوب بالخط العريض:
”رسمياً: مجموعة شركات ‘الغول للاستثمار والخدمات’، برئاسة رجل الأعمال عاصم الغول، تستحوذ على الحصة الحاكمة وتشتري الجامعة بالكامل، وتعلن عن إعادة هيكلة شاملة وإشراف مباشر من مجلس الإدارة الجديد بدءاً من اليوم!”
وفي نفس اللحظة، وقبل ما هبة تستوعب الصدمة، صوت جرس الموبايل بتاعها رن في جيبها. طلعت الموبايل بإيد بتترعش، لقت الرقم “غير معروف”. فتحت الخط وهي حابسة نفسها، وجاءها الصوت الرخيم، البارد، والمميز جداً وهو بيقول بكل ثقة وهدوء:
”منورة جامعتي الجديدة يا هبة… جاهزة بقى للحساب؟”توقفت أنفاس هبة تماماً، وشعرت أن الأرض تدور من تحتها. الصوت في الهاتف لم يكن مجرد صوت، بل كان كابوساً حياً يهمس في أذنها مباشرة. نظرت حولها بذعر كأنها تتوقع أن تراه واقفاً خلفها، لكن الممر كان يغص بالطلبة المشغولين بالخبر الصادم.
بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت أن تستجمع شتات كرامتها الجريحة وصوتها الناشف الذي كاد يخذلها، وقالت بنبرة حاولت جعلها حادة:
“أنت… أنت عايز مني إيه؟ أنت فاكر بفلوسك تقدر تشتري كل حاجة؟ حتى الناس؟”
جاءتها ضحكته الساخرة عبر الهاتف، ضحكة خفيطة باردة أرسلت قشعريرة في عمودها الفقري، ثم قال بثقة مرعبة:
“الفلوس متشتريش النفوس يا شاطرة، بس تشتري المكان اللي النفوس دي بتتنفس فيه. يعني من اللحظة دي، مستقبلِك، شهادتِك، وأيامِك الجاية في المكان ده بقت تحت إيدي. أظن دلوقتي عرفتي أنا قدرت أجيب اسمك ورقمك إزاي؟”
قبل أن تنطق بكلمة واحدة، أغلق الخط في وجهها. تركت هبة الهاتف ينزلق من يدها المرتعشة لولا أنها تمسكت به في آخر لحظة. تراجعت خطوات للخلف والدموع تترقرق في عينيها، ليس خوفاً على نفسها، بل خوفاً من أن تضيع تضحيات والدتها وشقاؤها طوال سنوات لتراها متخرجة من هذه الجامعة الفخمة.
في تلك الأثناء، انقطعت همسات الطلاب وتحولت الأنظار فجأة نحو البوابة الرئيسية للمبنى الإداري. ساد صمت مفاجئ يشبه صمت الشارع بالأمس. تهادت سيارة “الهامر” السوداء نفسها لتتوقف أمام السلم الرخامي للجامعة.
نزل الحراس أولاً، ثم فُتح الباب الخلفي ليترجل منه عاصم الغول بكامل هيبته، يرتدي بدلة رمادية داكنة ونظارته السوداء التي تعكس أشعة الشمس. كان يسير بخطوات واثقة يحيط به عميد الجامعة والوكلاء وهم ينحنون له ترحيباً وتملقاً.
عاصم وهو يصعد السلم، التفت ببطء نحو تجمع الطلاب في صالة الاستقبال. رفع نظارته قليلاً، ودارت عيناه الحادتان بين الوجوه كأنه يبحث عن صيد محدد. وفي ثانية واحدة، التقت عيناه بعيني هبة الواقفة في وسط الذهول.
لم يبتسم، ولم يظهر أي تعبير، بل ثبت نظره عليها لثانيتين بدتا كالعمر كله، وكأنه يرسل لها رسالة صامتة: الحرب بدأت. ثم أعاد نظارته إلى عينيه ودخل إلى مكتب الإدارة.
هرعت هبة إلى الحمامات، وفتحت صنبور المياه وتوضأت لتستعيد هدوءها. نظرت إلى وجهها في المرآة، وقالت لنفسها وهي تضغط على قبضة يدها: “أنا بنت الحارة، ومتربيتش على الخوف. لو فاكر إنه غول، أنا مش هكون الفريسة اللي يستسهلها.”
خرجت هبة متوجهة إلى ممر الساحة، لكنها تفاجأت بموظفة شؤون الطلاب تنادي عليها بنبرة غريبة تجمع بين الشفقة والخوف:
“الطالبة هبة عبد الرحمن؟”
التفتت هبة: “أيوة أنا.”
قالت الموظفة وهي تنظر للأرض: “مطلوبة حالاً في مكتب رئيس مجلس الإدارة الجديد… الأستاذ عاصم الغول مستنيكي.”
وقعت الكلمات كالصاعقة على مسامع الطلاب المحيطين بها، وبدأت نظرات التعجب تلاحقها. أخذت هبة نفساً عميقاً، وعدلت من هندامها، وسارت بخطى ثابتة نحو المبنى الإداري، وهي تعلم تماماً أنها تسير برغبتها إلى عرين الأسد… فما الذي يخبئه لها عاصم الغول خلف باب مكتبه المغلق؟



