بنت الباشا

محدش كان يتخيل إن بنت الباشا الكبير، اللي عايشة في قصر محكوم بالحديد والنار وبعادات وتقاليد مابتجاملش، ممكن قلبها يِعصى كل القوانين دي وتتجمع كل دقاته لواحد بس. نهال، البنت اللي كل خطوة في حياتها محسوبة بالمسطرة، والكل مستني اليوم اللي تتربط فيه بجوازة مصلحة تليق باسم عيلتها، كانت عايشة في وادي تاني خالص، وادي ميعرفوش غير سليم. سليم مكنش مجرد الحارس الشخصي اللي الباشا مأمنه على بنته الوحيدة، ولا هو مجرد ضل بيمشي وراها يحميها؛ ده كان الراجل الوحيد اللي عيونها بتدور عليه قبل ما خطواته تقرب، وهمسه كان الدفا الوحيد اللي بيكسر برود الحيطان اللي عايشة فيها. حبهم كان سر مدفون في ضل القصر، مستخبي ورا كل نظرة طويلة وعميقة محدش بيلقطها غيرهم. في كل مرة كانت بتخرج فيها برا السور ده، مكنش بيبقى معاها غيره، هو حمايتها، وأمانها، وسندها اللي مبيتغيرش. وفي يوم، سحبها من وسط الخنقة دي كلها وخرجوا لمكانهم السري، الحتة البعيدة اللي على أطراف البلد، قدام بحيرة هادية ومخفية عن عيون المخبرين والشغالين. هناك بس، نهال كانت بتحس إنها حرة بجد، حرية مفيش مخلوق عرف يديها لها غير سليم. وقفت على شط المية اللي عاكسة زراق السما، وضحتكتها طلعت من قلبها وهي بتتحرك وسط الورد، والهوا بيطير طرف فستانها. سليم في اللحظة دي قلع الكاب بتاعه، وفك حزام س*ل*احه ورماه على الأرض، وكأنه بيرمي معاه كل الرتب والقيود عشان يعيش دقيقة واحدة من غير كدب. قربت منه براحة وهو قاعد ساند ضهره على جذع شجرة قديمة، وفتحت الرواية اللي كان مهديهالها من كام يوم، وبدأت تقرأ بصوتها الهادي القصة اللي خطفت قلبها. سليم كان بيسمعها في صمت تام، عيونه متبتة فيها وكأن الدنيا كلها وقفت ومبقاش فيها غيرها. سليم بصلها وقال بصوت رجولي واطي بس مليان مشاعر: “كل حتة فيا بتنحني ليكي يا نهال، حتى لو اسمي ملوش الحق في يوم يتربط باسمك”. نهال من غير ما تفكر قربت منه، وقعدت جنبه وسندت راسها على كتفه، وإيدها بتلعب في زراير قميصه، وهو لف دراعه حواليها براحة وخوف شديد عليها، خوف شبه الشوق اللي جواه. وفي وسط السكون ده، ووشوشة الهوا اللي أخف من النسمة، سليم مال على ودنها وهمس: “لو القوانين دي اتعملت عشان تتكسر في يوم… مش هتتكسر غير عشانك إنتي”.
وفجأة، وقبل ما نهال تلحق ترد، صوت كسر فروع شجر قريب وخطوات رجلين سريعة جاية ناحيتهم قطع السكوت تماماً. سليم وقف زي الأسد في ثانية واحدة، دراعه محاوط نهال ومخبيها ورا ضهره، وكأن جسمه كله بقا درع بيحميها من الدنيا. عينه كانت بتتحرك بسرعة بين الشجر، بتفلي الضلمة اللي بدأت تنزل على المكان. صوت كسر الفروع كان بيقرب، والخطوات مش بتاعة واحد ولا اتنين، دي خطوات منتظمة، تقيلة، خطوات ناس عارفة هي بتعمل إيه وجاية لمين بالظبط. نهال كانت حاسة بدقات قلب سليم وهي بتخبط في ضهره من كتر قربه، إيدها كانت متبتة في قميصه، صوابعها بتترعش بس مكنتش خايفة وهي معاه، الخوف الحقيقي كان عليه هو، كانت عارفة إن لو حد من رجالة أبوها شافهم في الوضع ده، سليم مش هيروح فيها ورا الشمس بس، ده ممكن يتعدم في مكانه من غير محاكمة. أبوها، الباشا الكبير، كلمته سيف، ومبيرحمش اللي يمس شرفه أو يكسر هيبته أمام الناس. فجأة، ظهر من بين الشجر تلات رجالة، لابسين لبس حراسة القصر الرسمي، وعلى وشوشهم نظرة جامدة مفيش فيها أي رحمة. اللي كان واقف في النص وبيمهدلهم الطريق كان “عزمي”، ذراع الباشا اليمين، والراجل اللي مبيتحركش من القصر إلا بأمر مباشر ومكتبوب. عزمي وقف، وبص لسليم بنظرة خبيثة، فيها شماتة واضحة، وبعدين نقل عينه لنهال اللي كانت بتحاول تداري وشها ورا كتف سليم بكل رعب. عزمي ضحك ضحكة مكتومة، صوتها كان مستفز في وسط سكون الليل، وقال بنبرة باردة: “منور يا سليم بيه.. مكنتش أعرف إن مأمورية حراسة الهانم بقت بتتطلب إنك تقلع كابك وتفك س*ل*احك وتقعد تحت الشجر تقرأ روايات! الباشا بقاله ساعتين بيسأل على بنته، والبلد كلها مقلوبة، وإنت هنا عايش في مملكك الخاصة”.
سليم متهزش، ولا حتى رمش عينه تحرك. ملوش صوت غير نفس منتظم وهادي، بس إيده اللي ماسكة الس*ل*اح اتثبتت أكتر، وقال بصوت حاد وزي الطلقة: “الهانم كانت تعبانة ومخنوقة من حبسة القصر، وأنا جبتها هنا عشان تشم هوا، وده من ضمن مأموريتي لحمايتها وتأمينها. مفيش حاجة حصلت هنا تستدعي إنك تيجي بالمنظر ده يا عزمي.. ارجعوا إنتوا وأنا هجيب الهانم ونيجي وراكم بالعربية”. عزمي خطى خطوة لقدام، وعيونه صغرت وهو بيبص لسليم بنظرة لئيمة: “تؤ.. الباشا قال تجيبوها فوراً، وإنت يا سليم تسلم س*ل*احك وجهازك لعزمي، وتيجي معانا ويدك ورا ضهرك. الأوامر واضحة وصريحة يا صاحبي.. بلاش تصعبها على نفسك، إحنا رجالة وبنفهم بعض، واللي شفناه هنا كفاية يطير رقاب، فخلينا نرجع بالهدوء”. نهال في اللحظة دي حست إن الدنيا بتلف بيها. الكلام كان واضح، أبوها عرف، أو على الأقل عزمي لقط حاجة وهيوصلها للباشا بطريقته المسمومة. طلعت من ورا ضهر سليم، ووقفت بصلابة، حاولت تلملم شتات نفسها وترجع لـ “شخصية بنت الباشا” اللي الكل بيخاف منها. بصت لعزمي بكل كبرياء وقالت بصوت قوي ومسموع: “إنت اتجننت يا عزمي؟ إنت بتكلم القائد سليم إزاي كده؟ وإزاي تتجرأ ترفع عينك فيا أو تملي شروطك علينا؟ أنا اللي أمرت سليم يجي بيا هنا، وأنا اللي قولتله يفك س*ل*احه عشان كنت حاسة بالخوف من المنظر. رجالتك يرجعوا ورا، وإنت تتفضل قدامنا على العربية، ومسمعش صوتك لحد ما نوصل لأبويا”. عزمي انحنى بحركة سينمائية فيها سخرية واضحة، وقال: “أوامرك فوق راسي يا نهال هانم.. بس الباشا مستني في المكتب، والباشا لما بيعرف إن بنته الوحيدة مع حارسها في حتة مقطوعة زي دي بعد المغرب.. مبيسمعش من حد غير من عزمي. اتفضلي معايا يا هانم.. وإنت يا سليم، ارمي الس*ل*اح”.
سليم بصلها نظرة سريعة، نظرة كانت مليانة كلام كتير ميتفسرش، كان بيقولها بعينه: “متخافيش، أنا معاكي لآخر نفس”. وبحركة سريعة ومفاجئة، سليم مرماش الس*ل*اح، بالعكس، رفعه في وش عزمي بالظبط، وضرب طلقة في الهوا هزت المكان كله وطيرت العصافير من على الشجر. ضربة الصدمة خلت رجالة عزمي يتراجعوا خطوة ويسحبوا أسلحتهم، بس سليم كان أسرع، مسك إيد نهال وبصوت جهوري هز الأرض صرخ: “اجري يا نهال! على العربية بسرعة!”. نهال ملحقتش تفكر، غريزة البقاء والخوف على سليم حركتها. جريت معاه وسط الشجر، والهوا بيخبط في وشها وفستانها الطويل بيتكعبل في الفروع، بس إيد سليم كانت شداها وقاسمة الضلمة قدامها. وراهم كان صوت عزمي بيزعق وبيأمر رجالته يضربوا نار بس في الهوا عشان الهانم ميتصابش حاجة. الرصاص كان بيصفر بين الشجر، وصوت تكسير الفروع وراهم بقى أسرع وأقرب من أي وقت فات. وصلوا للعربية الجيب بتاعة سليم اللي كانت مركونة على أول الطريق الترابي. سليم فتح الباب وزق نهال جوة بسرعة، ولف ركب ورا الدريكسيون، ودور الموتور اللي صرخ في وسط السكون. في نفس اللحظة اللي العربية طلعت فيها بأقصى سرعة، كانت رصاصة من رجالة عزمي خبطت في الإزاز الوراني وكسرته ميت حتة. نهال صرخت ووطت راسها بين رجليها، وسليم كان كابس بنزين على الآخر، وعينه في المراية بيشوف الضوء بتاع كشافات عربيات عزمي وهي بتدور وراهم عشان تلحقهم وتطوقهم. الطريق كان ضلمة كحل، ومفيش غير كشافات العربية اللي بتنور التراب اللي طالع من الأرض. نهال رفعت راسها وهي بتترعش، وبصت لسليم اللي وشه كان زي الحيطة، مفيش فيه أي تعبير غير التركيز القاتل. سألته بصوت مخنوق بالدموع: “هنروح فين يا سليم؟ أبويا هيقت*لنا.. أبويا لو مسكنا مش هيرحمنا. إحنا رايحين فين؟”. سليم مبصلهاش، وفضل متبت في الدريكسيون وهو بياخد غرزة سريعة على مدق ترابي فرعي وسط الغيطان: “مش هسيبهم يلمسوا شعرة منك يا نهال. القصر ده خلاص ميبقاش ليكي مكان فيه، والباشا لو عرف الحقيقة مش هيرحم حد. أنا هوديكي مكان مفيش مخلوق يعرفه، مكان كنت مأمنه للأيام السودا اللي زي دي”.
نهال سكتت، وبدأت الدموع تنزل على خدها الهادي. شريط حياتها كله كان بيعدي قدام عيونها؛ غرفتها الواسعة في القصر، لبسها الغالي، خدمها، أبوها الجبار اللي مكنش بيرفض لها طلب بس في نفس الوقت كان ساجن روحها جوة أسوار عالية. كل ده اتبخر في لحظة، وبقت هربانة في نص الليل مع الراجل اللي حبته، الراجل اللي ضحى بمستقبله واسمه ورتبته عشانها. العربية فضلت ماشية أكتر من ساعة في طرق ملتوية وسط غيطان القصب والقرى النايمة، لحد ما دخلوا منطقة جبلية مقطوعة على أطراف المحافظة. المكان كان هادي لدرجة مرعبة، وسليم طفى الكشافات عشان محدش يتتبعهم، ومشي بالراحة على نور القمر لحد ما وقف قدام بيت قديم مبني من الطوب اللبن، مستخبي ورا تبة جبلية صغيرة بعيد عن الأنظار. سليم اتنفس الصعداء، وبص لنهال وطمنها بلمسة هادية على إيدها: “وصلنا.. انزلي براحة ومتخافيش”. نزلوا ودخلوا البيت، المكان كان بسيط جداً، فيه كنبة قديمة ولمبة جاز وحصيرة على الأرض، بس بالنسبة ليهم في اللحظة دي كان أأمن من قصر الباشا بمليون مرة. سليم قعد على الأرض وهو ساند ضهره، والتعب مالي ملامحه، ونهال قعدت جنبه، حطت راسها على كتفه وضمت دراعه ليها وكأنها بتستمد منه الحياة والأمل الأخير في الدنيا دي. نهال همست بصوت واطي: “تفتكر هيلاقونا يا سليم؟”. سليم سكت شوية، وبص للمبة الجاز اللي نورها بيتهز مع الهوا الخفيف، وقال بنبرة مليانة وجع وحب: “حتى لو جابوا الدنيا كلها يا نهال.. مش هيرجعوكي القصر ده إلا على ج*ثتي. أنا من اليوم اللي شوفتك فيه وعرفت إن قلبي مش ملكي، كنت عارف إن النهاية هتبقى كده.. يا نعيش سوا أحرار، يا نموت وإحنا مع بعض”. نهال رفعت عيونها وبصت في عيونه اللي كانت بتلمع بنور اللمبة، وحست بأمان غريب رغم كل الرعب اللي حواليهم. لسه كانت هتتكلم وتقوله إنها مستعدة تعيش معاه في عشة بس يفضلوا سوا، وفجأة.. سمعوا صوت سرينة بوليس مرعبة من بعيد، وصوت ميكروفونات ضخمة بتندة باسم “سليم” وبتقول إن المكان محاصر بالكامل، وإن الباشا بنفسه واقف برا ومستني رجوع بنته وخروج سليم وراسه في الأرض.. سليم قام وقف بسرعة، وسحب طبنجته وبص لنهال النظرة الأخيرة، النظرة اللي خلت قلبها يقف تماماً، وهو بيقولها: “خليكي هنا ومتحركيش.. الحكاية لازم تخلص النهاردة”..


