صحبه عمري

الست دي كانت شيرين، صاحبة عمري الأنتيم، البنت اللي كانت بتنام عندي في الأوضة وبتأكل معايا في طبق واحد، الوش اللي كنت بستخبى فيه من الدنيا لما كامل سابني وكسر بخاطري. كانت واقفة ولابسة فستان شيك براند، وماسكة في إيدها شنطة سفر صغيرة، وبتبص لكامل بلهفة وتقوله “تأخرت عليك يا حبيبي؟” بس الجملة مكملتش في بؤها، عينها جت في عيني، والوقت وقف تماماً، كأن المطار كله اتقلب ومبقاش فيه غيرنا.. أنا، وكامل، وشيرين، وتلات عيال مش فاهمين حاجة من نظرات الرعب اللي متبادلة فوق روسهم.
​كامل وشه بقا أصفر زي الليمونة، وجسمه كله بيترعش، وبقا يبص لشيرين ويبصلي ويبص للعيال، مش عارف يلم أنهي مصيبة فيهم، الملياردير اللي كان بيمشي بكلمته شركات ويهز البورصة، واقف قدامي دلوقتي زي العيل الصغير اللي اتمسك بيسرق. شيرين لسانها اتعقد، وبقت تبص للعيال اللي شبه كامل نسخة طبق الأصل، وبصتلي وعينها مليانة غدر وخوف، وقالت بصوت مرعوش “نادية؟ أنتِ.. أنتِ بتعملي إيه هنا؟” ضحكت ضحكة وجع عالية لدرجة إن الناس في المطار بدأت تبص علينا، وقولتلها “أنا؟ أنا مسافرة يا شيرين، رايحة أبدأ حياة جديدة برة مصر مع عيالي.. عيالي اللي أبوهم رماهم من سنة ونص عشان مش جاهز للخلفة، بس الظاهر إنه كان جاهز لحاجة تانية خالص”.
​كامل حاول يجمع شتات نفسه، وخطى خطوة ناحيتي وقال بصوت واطي عشان الفضيحة “نادية، أرجوكي، مش هنا.. تعالي نقعد في مكان هادي ونفهم”، مديت إيدي ووقفته وبصيتله من فوق لتحت وقولتله “نفهم إيه يا كامل بيه؟ نفهم إنك سبتني وأنا حامل في لحمك عشان الأستاذ مش بتاع مسؤولية، ورحت اتجوزت صاحبة عمري؟ ولا نفهم إن صاحبة عمري اللي كانت بتعيط في حضني وتقولي معلش هو ما يستاهلكيش، كانت بتخطط تاخد مكاني؟” شيرين بدأت تعيط بدموع تماسيح وقربت مني “نادية، والله العظيم الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة، كامل جالي وهو مكسور ومتبهدل بعد ما سبت يعوض…” قاطعتها بـ زقّة خفيفة في كتفها وقولتلها “اششش.. متكمليش، قصة مقرفة ومحبش أسمع تفاصيلها”.
​في اللحظة دي، ابني الصغير، يوسف، شد بنطلون كامل وقال ببراءة “عمو.. أنت بتعيط ليه؟ هو الموبايل بتاعك اتكسر؟” كامل انهار تماماً، نزل على ركبه في الأرض وسط صالة المطار، وبقا يبص ليوسف، ولمس وشه بـ إيد بتترعش، الدموع نزلت من عينه بجد وهو شايف حتة منه، تلات سنين أو سنة ونص من عمرهم هو معرفش عنهم حاجة، بص للبنت “مريم” وللولد التالت “آدم”، وقال بصوت مخنوق “تلاتة؟ أنتِ جبتي تلاتة يا نادية؟ وخبيتي عليا؟” قولتله بقلب ميت “أنا مخبتش، أنت اللي قفلت بابك، قولتلي هبعتلك قرشين ومتستنيش مني أبقى أب، وأنا كرامتي متسمحليش أتحايل على راجل يربّي عياله، الفلوس اللي كنت بتبعتها على البنك كنت برميها في حساب مقفول للعيال ملمستش منها مليم، والنهاردة أنا مسافرة الإمارات، جالي عقد شغل محترم هناك كمديرة للجمعية، وهربي عيالي بلقمتي الحلال ومن عرق جبيني، بعيد عن قرفكم”.
​كامل وقف على رجله بسرعة، وعينه لمعت بنظرة جنون وسيطرة، النظرة اللي خلتني أخاف منه زمان، وقال “تسافري فين؟ دول عيالي! أنتِ فاهمة يعني إيه؟ كامل الشناوي عياله يعيشوا برة مصر وتتربى من غيره؟ مش هسمحلك تطلعي بيهم برة صالة المطار دي!”، شيرين هنا شهقت وبصت لكامل بصدمة وقالتله “كامل! أنت بتقول إيه؟ إحنا مسافرين شهر العسل بتاعنا! أنت نسينا؟” كامل زعق فيها بعصبية لأول مرة وقالها “بس بقا يا شيرين! اسكتي خالص مش عايز أسمع صوتك!”، شيرين ا تكسرت ميت حتة وهي شايفة الراجل اللي خانت صاحبتها عشانه بيبيعها في ثانية قدام نفس الصاحبة.
​أنا متهزتش، ورفعت راسي وقولتله “المطار كله كاميرات يا كامل، وأنا معايا باسبورات العيال والفيزا وتذاكر الطيران، وأنت مالكش أي ولاية عليهم لأنك مأثبتش نسبهم ولا تعرفهم، لو حاولت تلمس عيل فيهم، هصوت وألم عليك أمن المطار واعملك ق/ضية خط*ف وفضيحة في كل الجرايد والمواقع، وأنت راجل أعمال والشركة بتاعتك على المحك، بلاش تخسر اللي باقي من اسمك”، كامل رجع لورا خطوة وهو بيلهث، حس إنه محبوس في مصيدة من صنع إديه، العيال بدأوا يخافوا من الصوت العالي ويمسكوا في فستاني، مريم بدأت تعيط، شلتها على كتفي ومسكت إيد يوسف وآدم، وبصيت لكامل وشيرين نظرة أخيرة كلها قرف وشماتة، وقولتلهم “مبروك عليكم بعض، لليقين ببعض قوي.. الخاين والخصيمة”.
​لفيت ضهري ومشيت ناحية بوابة الجوازات، والعيال بيبصوا وراهم على الراجل اللي واقف في نص المطار مكسور، والست اللي بتعيط وبتندب حظها، خطوة ورا خطوة كنت بحس إن حمل تقيل أوي بيقع من على كتافي، الدموع اللي حبستها سنة ونص نزلت بس المرة دي كانت دموع نصر وراحة، دخلت الصالة الداخلية وقعدت العيال وأكلتهم، وأنا ببص من الشباك على الطيارة اللي هتاخدنا لحياتنا الجديدة، تليفوني رن، بصيت لقيت رقم كامل.. كنسلت وعملت بلوك، وبعدها رنت شيرين.. عملت بلوك. أنا قفلت الصفحة دي بالتراب والمفتاح.
​مرت تلات سنين في دبي، حياتي اتغيرت 180 درجة، بقيت مديرة إقليمية للمؤسسة، والعيال كبروا وبقوا في الحضانه، مريم ويوسف وآدم، بقوا مالين عليا الدنيا، بنخرج ونتفسح وبقيت قادرة أوفرلهم أحسن عيشة من غير ما أحتاج لمليم من حد، كامل حاول يوصلنا ميت مرة، بعت محاميين، وبعت ناس يعرضوا عليا شقق وفلل في القاهرة، بس كنت برفض وبقفل الباب في وش أي حد تبعة، لحد ما في يوم، كنت قاعدة في مكتبي وجالي تليفون من رقم مصري أرضي، رديت ولقيت صوت غريب بيقولي “يا مدام نادية.. أنا المحامي الخاص بالأستاذ كامل الشناوي، الأستاذ كامل في المستشفى في حالة حرجة بعد حادثة عربية صعبة.. وهو طالب يشوف العيال، وبيقولك دي أخر أمنية ليه في الدنيا قبل ما يقابل ربنا”.
​قلبي دق بسرعة، ورجعت بيا الذاكرة ليوم المطار، كل الوجع وكل الغدر صحي جوايا، بس بصيت لصور العيال اللي على مكتبي، وسألت نفسي: هل من حقي أحرمهم من أبوهم وهو بيموت؟ وهل هقدر أعيش بذنب إني حرمت راجل من نظرة أخيرة لعياله؟ سكت ثواني والمحامي على الخط مستني الرد، وقولتله بصوت ثَابت “أنا نازلة مصر بكرة”.
​نزلت مطار القاهرة، الهوا بتاع مصر وحشني بس الأجواء كانت مشحونة بالتوتر، أخدت العيال في تاكسي وطلعنا على المستشفى الكبيرة في المهندسين، طول الطريق العيال بيسألوني “مامي إحنا رايحين فين؟” وكنت بقولهم “رايحين نشوف بابا”، الكلمة كانت تقيلة على لساني، بس كان لازم أقولها، وصلنا المستشفى، الدور الأخير كان كله هدوء، وقدام باب العناية المركزة لقيت والدة كامل قاعدة بتعيط، أول ما شافتني قامت وجت عليا وحضنتني وبقت تبوس العيال وتعيط وتقول “سامحينا يا بنتي.. إحنا ظلمناكي، وكامل دفع التمن غالي”، سألتها ببرود “فين شيرين؟” وش والدة كامل اتقلب وقالت بقرف “شيرين؟ الـ*** دي أول ما عرفت إن كامل هيتكتب كل أملاكه لعيالك لو جرا له حاجة، وبسبب الحادثة ممكن يعيش عاجز، رفعت ق/ضية خلع وأخدت المؤخر والمجوهرات وهربت برة البلد! مكنتش بتحبه، كانت بتحب فلوسه”.
​مستغربتش، ده آخرة اللي يبني سعادته على خراب بيوت الناس، المحامي طلع من الأوضة وقالي “اتفضلي يا مدام نادية، الأستاذ كامل صاحي ومستنيكم”، دخلت الأوضة، ورايا العيال ماسكين في إيدي وخايفين من شكل الأجهزة، كامل كان متوصل بأجهزة كتير، وشه شاحب، وفي كسور وجروح في كل حتة، أول ما الباب اتفتح وعينه جت عليا وعلى العيال، عينه لمعت بدموع حقيقية، حاول يتكلم وصوته كان طالع بالعافية “نادية.. جم.. العيال جم؟” قربت بالعيال من السرير، وقولت ليوسف ومريم وآدم “سلموا على بابا”.
​العيال قربوا بخوف، وآدم حط إيده الصغيرة على إيد كامل المتجبسة، كامل غمض عينه وكأنه ملك الدنيا كلها في اللحظة دي، وبقى يعيط ويقول “سامحيني يا نادية.. أنا ضيعت نفسي وضيعتكم.. الفلوس والشركات والغرور عموني، وافتكرت إن شيرين هي اللي هتفهمني، بس شيرين كانت الحية اللي قرصتني أول ما وقعت.. أنتِ الصح، وأنا الخسران”، بصيتله وقولتله بقلب هادي “أنا مسمحاك يا كامل، مش عشانك، عشان العيال دول ميعيشوش وشايلين طاقة غضب من أبوهم، وعشان ربنا يسامحك”.
​كامل ابتسم بتعب، وشاور للمحامي اللي كان واقف ورايا، المحامي طلع ورق وقالي “مدام نادية.. الأستاذ كامل وقع على التنازل وكتب كل ثروته، الشركات، العقارات، والأرصدة في البنوك، باسم مريم ويوسف وآدم، وتحت وصايتك أنتِ الكاملة لحد ما يبلغوا السن القانوني.. مفيش مليم واحد هيروح لحد تاني”، بصيت لكامل وكنت هعترض، بس هو مسك إيدي اليد التانية وقال “أرجوكي يا نادية.. متحرمنيش من إني أصلح غلطتي.. الفلوس دي حقهم، وأنا مش عايز أموت وأنا سايبهم محتاجين لحاجة، شيليني ذنبي وريحي قلبي”.
​وافقت وهزيت راسي، والعيال قعدوا جنبه يتكلموا معاه ويحكوا له عن دبي وعن مدرستهم، وكامل كان بيسمعهم وشغف الدنيا كله في عينه، كأنه بيعوض كل ثانية فاتت من غيرهم، قعدنا معاه ساعتين، ولما الدكاترة قالوا لازم يرتاح، قمنا عشان نمشي، كامل بصلي وقالي “هتيجي تاني يا نادية؟” قولتله “أيوة يا كامل، هنفضل في مصر لحد ما تقوم بالسلامة، والعيال هيجوا لك كل يوم”.
​خرجنا من الأوضة وأنا حاسة إن الدايرة قفلت صح، كامل رجع له عقله بس بعد ما دفع تمن غالي قوي من صحته وعمره، وشيرين أخدت جزاءها وبقت منبوزة وهربانة، وأنا وعيالي بقينا أقوى من الأول، وإحنا خارجين من باب المستشفى، والدنيا ضلمت ونور الشوارع اشتغل، تليفوني رن برقم غريب تاني، رديت ولقيت صوت شيرين! صوتها كان باكي ومنهار ومكسور وتقولي “نادية.. أرجوكي اسمعيني.. أنا في الشارع، ومفيش معايا فلوس، والشرطة بتدور عليا بسبب شيكات كامل كتبها عليا قبل الحادثة.. أرجوكي اطلبي من كامل يتنازل عن القضايا.. أنا بتموت يا نادية!”
​وقفت في نص الشارع والعيال بيبصوا عليا مستنيين نتحرك، وبصيت للسما وخدت نفس طويل، ورديت عليها بكل برود وقلب جامد “المر اللي دوقتيهولي زمان يا شيرين، دلوقتي بتشربيه لوحدك.. ومحدش هيسمعك”، وقبل ما تنطق بكلمة تانية.. قفلت السكة في وشها، ومسكت إيد عيالي ومشيت في زحمة القاهرة وأنا عارفة إن اللي جاي كله خير، وإن الحكاية الحقيقية لسه هتبدأ.بعد ما قفلت السكة في وش شيرين، حسيت بنغزة غريبة في قلبي، مش حزن عليها ولا ندم، لكنه كان شعور بالذهول من تدابير ربنا.. سبحان مغير الأحوال، البنت اللي كانت في يوم من الأيام شايفة نفسها ملكت الدنيا وبصت لرزق غيرها، دلوقتي بتستنجد بنادية اللي رمتها ورا ضهرها ومقيتش بتفكر فيها!
​نزلت التليفون في الشنطة، وبصيت لعيالي، لقيت يوسف بيشدني من إيدي وبيقولي: “مامي، أنا جعان أوي، هو إحنا مش هناكل كشري زي ما وعدتينا في الطيارة؟”
ضحكت من قلبي وشيلت مريم اللي كانت بدأت تنام على كتفي وقولتله: “من عيوني يا قلب مامي، أحلى علبة كشري لـ يوسف وآدم ومريم في مصر كلها.”
​أخدت العيال ورحنا على محل كشري كبير وقعدنا ناكل وسط زحمة القاهرة ودوشتها اللي وحشتني.. الأغاني الشعبي، صوت المعالق وهي بتخبط في الأطباق، وضحك الناس.. كل حاجة كانت بتقولنا “أهلاً بيكم في بيتكم”. العيال كانوا مبهورين بالأجواء، وبقوا يأكلوا وهما فرحانين، وأنا قاعدة بتابعهم وبفتكر كل ليلة سهرتها لوحدي في الغربة وأنا بعيط وبدعي ربنا يقويني عليهم.. والحمد لله، ربنا مكسرش بخاطري.
​تاني يوم الصبح، صحيت بدري على تليفون من المستشفى، قلبي انقبض وافتكرت إن كامل جرا له حاجة، رديت بسرعة وبصوت مرعوش: “أيوة.. خير يا دكتور؟”
الدكتور طمني وقالي: “صحيح الأستاذ كامل لسه في العناية، بس المؤشرات الحيوية بدأت تتحسن بشكل ملحوظ بعد زيارتكم امبارح، الدعم النفسي فرق معاه جداً، وهو صاحي دلوقتي وطالب يشوف الأولاد.”
​نزلنا بسرعة، وطول الطريق كنت بفكر في شكل حياتنا اللي جاية، الفلوس والشركات اللي كامل كتبها للعيال دي مسؤولية ضخمة، وأنا مكنتش عايزة عيالي يكبروا وهما فاكرين إن الفلوس هي كل حاجة في الدنيا زي ما أبوهم كان فاكر، كان لازم أربيهم على نفس المبادئ اللي عيشت بيها، حتى لو بقوا من أغنى أطفال مصر.
​دخلنا الأوضة، وكامل المرة دي كان وشه فيه روح شوية، أول ما شافنا حاول يبتسم، ومريم جريت عليه وقالتله: “بابا.. أنا جبتلك معايا شيكولاتة!”
دموع كامل نزلت وهو بياخد منها الشيكولاتة بـ إيده السليمة وبيقولها: “تسلم إيدك يا قلب بابا.. دي أحلى حاجة دقتها في حياتي.”
​قعدت على الكرسي القريب منه، وبصيتله وقولتله: “كامل.. المحامي قالي على موضوع التنازل والشركات، أنا هوافق عشان ده حق العيال، بس عايزة نتفق على حاجة.”
بصلي باهتمام وقال بصوت مبحوح: “اللي أنتِ عايزاه يا نادية.. رقبتي ليكي.”
قولتله: “الشركات دي هيفضل يديرها مجلس الإدارة المحترم اللي شغال معاك، وأنا هبقى مشرفة بصفتي الوصية، والفلوس دي مش هتتلمس ولا هيتطبع منها مليم في المظاهر الكدابة، العيال هيعيشوا عيشة طبيعية، هيدخلوا مدارس كويسة أه، بس هيعرفوا قيمة القرش، وهيطلعوا بيحبوا الناس ومش شايفين نفسهم فوق حد.”
​كامل هز راسه بالموافقة وعينه مليانة ندم: “أنتِ صح يا نادية.. رَبيهم بطريقتك أنتِ، أنا طريقتي زمان ضيعتني، وخلتني أقرب من ناس متسواش لمجرد إنهم بينافقوني عشان فلوسي.. أنا سألت المحامي امبارح عن شيرين، وعرفت إنها كلمتك.”
سكت ومردتش، فكمل وهو بيتنهد بوجع: “أنا اللي عملت فيها كده، لما عرفت غدرها ونيتها لما تعبت، كتبت لها شيكات بمبالغ وهمية على أساس إنها صفقات، وخليتها تمضي على وصولات أمانة كضمان، ولما حاولت تهرب بالفلوس اللي في الخزنة، المحامي رفع الشيكات دي وبقت مطلوبة للبوليس.. أنا مش هتنازل يا نادية، اللي يسرق ويخون لازم يدفع التمن.”
​عدى أسبوع ورا أسبوع، وكامل بدأ يتحسن ويتنقل لغرفة عادية، والعيال بقوا متعلقين بيه جداً، وأنا بدأت أنزل مقر الشركات وأفهم الشغل بيمشي إزاي بمساعدة المحامي القانوني ورجال الأعمال المخلصين اللي شغالين هناك، الكل كان بيبصلي باحترام لأنهم عارفين أنا مين وعملت إيه عشان أحمي عيالي.
​وفي يوم، وأنا خارجة من الشركة وراكبة عربيتي، لقيت واحدة ست شكلها متبهدل جداً، ولابسة عباية سودا قديمة، ومغطية وشها بطرحة، وقفت قدام العربية.. نزلت الإزاز وبصيتلها بذهول.. مكنتش قادرة أصدق عيني.. دي شيرين!
وشها كان دبلان، وتحت عينها أسود، وخاسة النص.. بكت وقالت بصوت واطي ومكسور: “نادية.. أرجوكي ارحميني، أنا عايشة كأنني كلبة جربانة، بستخبى من مكان لمكان والبوليس بيدور عليا، ومش معايا آكل.. أنا غلطت في حقك وفي حق كامل، بس العقاب أشد من طاقتي.. أرجوكي خلي كامل يتنازل وأنا هسافر ومحدش هيسمع عني تاني.”
​بصيت لشيرين، وفي اللحظة دي بالذات، محستش بالشماتة، حسيت بالشفقة.. الشفقة على بني آدم ضيع دنيته وآخرته عشان طمع أعمى.
فتحت شنطتي، طلعت منها رزمة فلوس محترمة، ورميتهالها من الشباك وقولتلها: “دول يمشوا حالك يا شيرين، ويخلوكي تعرفي تعيشي كام شهر، لكن موضوع القضايا ده بإيد كامل مش بإيدي، وأنا مش هتدخل في قرار راجل أذيتيه في شرفه وماله وصحته.. امشي من هنا يا شيرين قبل ما حد يتعرف عليكي.”
​شيرين لمت الفلوس من الأرض وعينها مليانة دموع وكسرة، ومشت وهي بتجر رجليها، وأنا قفلت الإزاز وطلعت بالعربية وأنا بحمد ربنا إنه نجاني من السكة دي، وإن قلبي م بقاش فيه غل، بس فيه عدل.
​بعد ست شهور، كامل خرج من المستشفى على كرسي متحرك، بس الدكاترة قالوا إن مع العلاج الطبيعي هيقدر يقف على رجله تاني، رجع بيته الكبير، بس المرة دي البيت مكنش فاضي ولا بارد، العيال كانوا بيجروا فيه ويملاؤه ضحك ولعب.
​أنا قررت استقر في مصر، وأسسنا فرع جديد للجمعية الخيرية بتاعتي هناك، وبقيت بوفق بين إدارة شركات العيال وشغلي اللي بحبه، كامل بقا شريك معايا في الخير، وبقا يتبرع بجزء كبير من أرباحه للغلابة والمحتاجين، كأنه بيغسل ذنوب زمان.
​وفي ليلة من ليالي الشتا، كنا قاعدين كلنا في جنينة البيت، كامل قاعد على الكرسي ومغطي رجله ببطانية، والعيال بيلعبوا قدامنا بالكورة وبيضحكوا بصوت عالي، كامل بصلي وقال براحة مكنتش في عينه من سنين: “عارفة يا نادية.. أنا لو موت دلوقتي هبقى فخور ومطمن.. أنتِ مش بس حميتي عيالي، أنتِ حميتيني من نفسي.”
​ابتسمت وبصيت لـ يوسف ومريم وآدم، وقولتله: “الحياة بتدينا فرص تانية يا كامل، والمهم إننا نفهم الدرس.. والحمد لله، إحنا فهمنا.”
​والقصة اللي بدأت بدموع وهروب في وسط مطار زحمة، انتهت بلمة عيلة دافية تحت سما مصر، وبقيت واثقة إن طول ما الواحد نيتة صافية وبيتقي ربنا، مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تكسره.مرت السنين وبقت الحكاية دي مجرد ذكرى بنفتكرها عشان نعرف منها حكمة ربنا. كامل مع الوقت والعلاج الطبيعي، وبفضل ربنا ودعاء العيال، بدأ يقف على رجله تاني ويمشي على عصاية، ومبقاش كامل الشناوي الملياردير المغرور، بقى كامل الأب والجد اللي ملوش في الدنيا غير ضحكة عياله.
​العيال كبروا وبقوا في مرحلة الثانوي، يوسف طلع شبه أبوه في ذكائه وحبه للتخطيط بس بقلب نقي، وآدم دخل علمي وكان دايماً يقولي “أنا هبقى دكتور وأعالج الناس الغلابة يا مامي”، أما مريم فطلعت نسختي، حنينة وبتحب العمل الخيري، وبقت بتنزل معايا الجمعية تساعد الأطفال.
​في يوم من الأيام، كنا بنحتفل بتخرج العيال من الثانوية العامة وجايبين مجاميع تشرف، البيت كان مقلوب زغاريط وفرحة، واللمة كانت كبيرة. كامل كان قاعد في وسطنا وعينه بتلمع بالفخر، وفي وسط الفرحة دي، جالي تليفون من المحامي بتاعه، قمت وقفت في جنب ورديت: “أيوة يا متر، خير؟”
صوت المحامي كان هادي وفيه نبرة شجن: “مدام نادية.. حبيت أبلغك إن شيرين البقاء لله فيها، اتوفت امبارح في السجن بعد فترة تعب طويلة.. مكنش ليها حد يستلم ج*ثتها، وأنا عرفت بالصدفة بحكم متابعتي القديمة للقضايا.”
​حطيت إيدي على قلبي وسكت ثواني.. شيرين ماتت، وماتت لوحدها ورا القضبان بسبب طمعها، حسيت برعشة خفيفة، بس قولت: “إنا لله وإنا إليه راجعون.. يا متر، أرجوك اخلص كل الإجراءات ودفنتها وتكاليفها كلها عليا، وادعيلها بالرحمة.. ربنا يسامحها ويرحمها.”
قفلت التليفون وبصيت من الشباك على الجنينة، وشوفت العيال وهم بيمضوا لبعض على التيشرتات وبيضحكوا، وكامل واقف بيسقف لهم وساند على عصايته. في اللحظة دي فهمت إن الدنيا دي سلف ودين، والي بيزرع خير بيحصده، والي بيظلم بيشرب من نفس الكأس ولو بعد حين.
​رجعت قعدت وسطهم، وكامل بص في عيني وحس إن فيه حاجة، فسألني بالراحة: “فيه حاجة يا نادية؟”
ابتسمت وهزيت راسي وقولتله: “مفيش يا كامل.. كل خير، ربنا يديم علينا لمتنا وفرحتنا بعيالنا.”
​كامل مسك إيدي وباسها قدام العيال وقال بصوت مسموع: “ربنا يخليكي لينا يا نادية، أنتِ الستر والبركة اللي دخلت حياتي وأنقذتني.. أنا بشكر ربنا عليكي كل يوم.”
العيال جم جري وحضنونا إحنا الاتنين، ووسط لمتهم الدافية دي، حسيت إن رحلتي الصعبة انتهت بأجمل طريقة ممكنة.. قفلنا باب الوجع، وفتحنا باب لحياة جديدة كلها رضا وسلام، والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *