امان مستعار

في اللحظة نفسها، رن هاتفه، وكان عمر. رد سليم بصوت متعب:

– أيوه يا عمر.

جاءه صوت عمر متوترا من الطرف الآخر:

– سليم… أنا رجعت أبص على الملف تاني، وفي حاجة مش مريحاني.

– إيه؟

– الصفحة المفقودة مش مجرد صفحة حسابات… كان عليها توقيعات.

– توقيعات مين؟

– محمود… وحسان… وشخص تالت من عيلتك.

أنزل سليم الهاتف ببطء، و بص للباب اللي خرجت منه ليان منذ دقائق. لأول مرة، لم يعد السؤال بالنسبة له: هل ليان تصدقه؟

السؤال الحقيقي أصبح:

مين من عيلته كان واقف في النص يوم ما  بدأت الحكاية؟
ــــــــــــــــــــــ

وفي مكان آخر… كانت ليان في المصعد، واقفة وحدها، ودموعها تنزل في صمت، دون أن تعلم أن الحقيقة المخبأة كانت تجهز لجولة جديدة من الجحيم.

خرجت ليان من المركز الطبي والدموع تغشي عينيها لدرجة أنها لم تعد ترى الطريق أمامها بوضوح، تركض بين المارة بخطوات تعثرت أكثر من مرة، كأن الأرض نفسها تبدلت تحت قدميها. الباب اتقفل وراها بصوت عالٍ وهزّ الممر، وهي عدّت من غير ما تشوف حد… كل خطوة كانت تبعدها عن المركز، كانت تقربها أكثر من جحيم الحقيقة.

تذكرت لمسات سليم، ونبرة صوته الهادئة وهو يطمئنها على علاج “مالك”، ونظراته التي كانت تراها شاطئ أمان، ليعود في ذاكرتها صوت والدها في الليلة الماضية كالسياط: (الوقت خلص… القديم ما يتفتحش… لو فتحت الباب مش هتعرفي تقفليه.).

وقفت عند الرصيف، و مسحت دموعها بعصبية، ثم ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة وهي تتمتم لنفسها:

– أنا كنت فاكرة إن أصعب حاجة في الدنيا إني أخسر الأمان… طلع أصعب حاجة إني أكتشف إني كنت مصدقة أمان مش حقيقي.

رفعت عينيها للسماء، وأخذت نفسا مرتجفًا، ووضعت يدها على صدرها كأنها تسأل اللاشيء:

– باب إيه يا بابا؟… إيه اللي مخبيه عني كل السنين دي؟

كانت تريد أن تصدق سليم، تريد بشدة… لكن الثقة حين تتشقق، يتحول كل خيط فيها إلى شك قاتل: هل كان اقترابه حبا حقيقيا، أم لتأمين صمت عائلتها؟ فتحت هاتفها، كتبت له:

(أنا مش قادرة أكرهك)…

ثم مسحتها، وقررت قطع آخر خيط، واستمرت في الضياع وسط ضوضاء المدينة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الوقت نفسه، داخل المركز الطبي… ظل سليم واقفا في مكتبه، واجمًا كالصنم، لم يتحرك منذ خرجت ليان. كان ينظر إلى الباب المغلق بكدمة ألم في صدره، متمنياً أن تفتحه وتخبره أنه سوء فهم، لكن الباب ظل مغلقا. جلس ببطء على الكرسي، مرر يده المرتجفة على وجهه، وحط راسه بين إيديه وهو يغلي في بحر من الصدمة والتساؤلات التي لم تترك لعقله متنفسا.
ـــــــــــــــــــــ

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *