ظلام بالاوضه

شريف واقف بضهره عند الرخامة، بيمسح الفوطة بتوتر جنوني، وصوت أنفاسه العالية طالع زي صفارة مكتومة.. الكيس الأسود في إيده المليان ببقايا العشا كان بيهتز مع كل حركة من إيده، وأنا ممددة على السيراميك الساقع، ضاغطة على دراع مروان بكل قوتي عشان أمنعه إنه يترعش أو يشهق من الخوف.

الأوضة كانت ظلام، مافيش فيها غير النور الأبيض الضعيف اللي داخلي من فوانيس عربيته المركونة برة.. شريف حط التليفون على ودنه تاني بعد ما مسح الترابيزة للمرة التانية، وصوته المرة دي كان بيترعش بحدة غريبة: “بقولك نضفت كل حاجة! الأطباق طارت، والتليفونات معايا، والواد وأمه مش حاسين بحاجة.. الصبح بدري البنك هيفتح، الورق معايا والتوقيع المزور جاهز، الحساب هيتصفى لآخر جنيه ونقفل الملف ده للأبد.”

سكت ثانية، وكأنه بيسمع حد بيزعقله في التليفون، وبعدين كمل بعصبية وهو بيدهس بجلزمته على أرضية المطبخ، على بعد سنتيمترات من رجلي: “لا.. مش هينفع استنى للصبح هنا! أنا هاخد الفلاشة والورق الأصلي من الخزنة اللي في الصالة وأطلع على المطار علطول.. هم مش هيصحوا غير بعد 12 ساعة، ويكون طيراني طلع.”

الكلمات دي نزلت عليا زي الصاعقة.. الفلاشة والورق الأصلي؟ الحكاية مش مجرد تحويلات صغيرة من حساب التحويشة.. شريف مكنش بيسرق فلوسنا وبس، ده كان بيبص لورق أكبر، حاجة تخص الشركة أو ق.ضية اختلاس ثقيلة كان بيحضرلها من شهور، وأنا لما بدأت أدور وراه وحجزت معاد البنك، كنت بفرك في عش دواعش وأنا مش دارية.

شريف لف بضهره وخرج من المطبخ ببيجاماته وحذائه، وسمعت خطواته السريعة وهو رايح ناحية المكتبة في الصالة.. الصوت بقى أبعد شويه، وسمعت صرير الباب الخشبي بتاع الخزنة المستترة ورا اللوحة.

في اللحظة دي بالضبط، مروان شد دراعي وهمس بصوت طالع بالعافية، ودموعه نازلة على خده الساقع: “ماما.. بطني بتوجعني أوي.. حاسس إني عايز أرجع.”

ريقي نشف.. المادة اللي حطها في الأكل بدأت تتفاعل في جسمه! لو مروان أتعفرت أو طلع صوت واحد دلوقتي، شريف هيرجع للمطبخ، ولو شافنا صاحيين ومعانا دليل الأكل اللي خبيته في الفريزر، مش هيستنى المادة تموتنا بالبطيء.. حركته السريعة وتوتره بيقولوا إنه مستعد يخلص علينا بأي طريقة يدوية تضمنله الهروب.

غطيت بوق مروان بإيدي ببطء شديد، وبصيت في عينيه وقلتله بوشوشة مالهاش صوت: “اضغط على بطنك يا مروان.. زي ما بنلعب.. بلع ريقك وماتطلعش نفس.. الشرطة جاية في السكة.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *