ندى

الصمت اللي ساد القاعة كان أثقل من الحجارة.

ندى، الطفلة اللي ما كملتش ست سنين، كانت واقفة ورا الحاجز الخشبي، إيديها الصغيرة المرتعشة كانت مدفونة جوة جيب الجاكيت البينك. عيون القاعة كلها اتسمرت عليها: القاضية ماجدة بنظراتها الصارمة، حازم اللي كان ثباته المزيف بدأ يتأكل من الأطراف، وأمه الحاجة ثريا اللي أيدها اتجمدت وهي بتمسح دموعها الوهمية.

بصوت دافي وبسيط، قالت القاضية ماجدة: «تعالي يا ندى.. قربي هنا يا حبيبتي. عايزة تورينا إيه؟»

الأخصائية الاجتماعية حاولت تتدخل: «يا سيادة القاضية، الطفلة تحت ضغط نفسي، و…»

رفع القاضية إيدها بصرامة وقاطعتها: «سبيها تتكلم. قربي يا ندى».

خطت ندى خطوات صغيرة، صوت جزمتها البيضا الصغير كان الصوت الوحيد المسموع في المحكمة. طلعت من جيب الجاكيت تليفون محمول صغير، قديم، من الموديلات الذكية الرخيصة اللي شاشتها مكسورة ميت حتة، ومربوط برياطة مطاطية عشان البصمة تتثبت.

حازم في اللحظة دي اتغير لونه من الأسمر للرمادي. عينيه اتسعت بشكل يرعب، وقف فجأة من غير ما يحس وقال بصوت طالع بالعافية: «إيه ده؟ التليفون ده جابته منين؟ يا سيادة القاضية الطفلة دي مجنونة وأمها معبياها، دي بتلعب باللعب بتاعتها!»

القاضية خبطت بالمطرقة خبطة واحدة هزت أركان التربيزة: «اقعد يا استاذ حازم! كلمة كمان وهعتبرك معطل لسير الجلسة وأمر بحبسك!»

ندى بصت لأبوها بثبات غريب، ثبات أعمق من سنها بكثير، وبصت للقاضية وقالت بطفولة من غير ما تتردد: «بابا كان بيديني التليفون ده العب بيه لعبة السمكة لما أكون عنده في الشقة.. وكان بيقولي أوعي توري التليفون ده لماما أبداً، وإلا ربنا هيزعل منك ويوديكي النار. بس هو نسي يقفله المرة اللي فاتت لما خرج يدخن في البلكونة مع طنط جيهان.. والتليفون سجل كل حاجة لوحده لأن البرنامج بتاع اللعبة كان مفتوح وبيسجل فيديو».

حازم اتنفض، ومحاميه حاول يتدخل بسرعة: «يا سيادة القاضية، التسجيلات دي غير قانونية ولم تُقدم بعلم النيابة ومستخرجة من طفلة غير قادرة على…»

«استريح يا استاذ!» ردت القاضية بصرامة، ولفت للمستشارين اللي جنبها: «وصلوا التليفون بالشاشة الرئيسية للقاعة».

حجاب المحكمة أخد التليفون بإيدين جراح. ثواني معدودة، والشاشة المكسورة اتعكست على الشاشة العريضة المعلقة فوق الحيطة البيضا ورا منصة القضاء.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *