ندى

القاضية ماجدة كانت بتقلب الورق وعينيها بتتوسع مع كل صفحة. التقارير كانت موثقة بالختم، وأكواد التحويلات المباشرة، وتاريخ كل حركة مالية بدقة متناهية.

«أنا ما جيتش المحكمة النهارده عشان أستجدى عطف حد يا سيادة القاضية»، كملت بصوت يهز القاعة: «أنا جيت عشان أسترد حقي وحق بنتي اللي اتقال عنها إنها (مجنونة) من أقرب الناس ليها.. جيت أثبت إن السكوت ما كانش خوف.. السكوت كان تحضير للرد الفاصل».

القاضية رفعت عينها، وبصت لحازم ومحاميه اللي كانوا واقفين زي الأصنام المكسورة.

«النيابة العامة!» صاحت القاضية بصوت كالرعد.

وكيل النيابة الحاضر وقف بسرعة: «أفندم يا سيادة القاضية».

القاضية ماجدة خبطت بالمطرقة خبطات متتالية حاسمة:

«قررت المحكمة:

أولاً: التحفظ الفوري على المدعو حازم أحمد والمدعوة جيهان محمود، وتحويلهما إلى النيابة العامة بتهم التزوير في أوراق رسمية، والتهرب الضريبي، والنصب، والإضرار العمدي بطفلة قاصر والضغط النفسي عليها.

ثانياً: إسقاط كافة مطالب المدعي الخاصة بالحضانة، وتمكين السيدة مريم كامل من الحضانة المطلقة لطفلتها ندى.

ثالثاً: التحفظ على جميع الأصول والحسابات المالية للمدعى عليه لصالح الزوجة والطفلة لحين البت في القضايا الجنائية المحولة للنيابة.

رفعت الجلسة!»

صوت المطرقة كان زي إعلان القيامة بالنسبة لحازم. العساكر قربوا منه فوراً، وأغلال الحديد اتكلبشت في إيديه وهو بيصرخ وبيبصلي: «مريم! مريم اسمعيني! أنا اتخدعت! جيهان هي اللي زقتني! مريم عشان خاطر بنتنا!»

أنا ما افتكرتش كلمة واحدة من توسلاته. بصيت له ببرود تام، ودرت ظهري ليه.

ندى جرت عليا، حضنت رجلي بأقصى قوة عندها، ومسكت الدبدوب بتاعها. ووطيت، شلتها بين إيديا، وحطيت وشي في شعرها وأنا بتنفس ريحتها.. ريحة الحرية والنصر.

خرجت من باب المحكمة، والشمس كانت طالعة بتنور خطواتي، والهوا النقي دخل صدري لأول مرة من سنين.

بس وأنا نازلة على سلم المحكمة، تليفوني رن برقم مجهول.. رقم مش مسجل، والرمز بتاعه غريب.

رديت بصوت هادي: «ألو؟»

جاني صوت عميق، غريب، ونبرته حادة ومتروسة بالتهديد، صوت أبعد ما يكون عن حازم أو أمه:

«براڤو يا مدام مريم.. تمثيلية ممتازة في المحكمة، وقدرتي تلبسي حازم في الحيط.. بس إنتِ فاكرة إن الفلوس والشركات الوهمية دي كانت بتاعة حازم لوحده؟ حازم كان مجرد واجهة صغيرة لشبكة أكبر بكتير.. والورق اللي سلمتيه للقاضية النهارده فتح باب جهنم على ناس مش بترحام.. افتحي شنطة إيدك وشوفي الكارت اللي محطوط جوة جيب الجاكيت بتاع بنتك.. قدامك 24 ساعة ترجعي الملفات الأصلية، وإلا الشقة اللي أخدتيها هتبقى مقبرتك أنتِ وبنتك!»

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *