فضيحه في الكوشه

طارق أخد هناء في إيده وخرجوا من القاعة بكل هيبة، وراهم خطواتهم الثابتة كانت بتسمع في قلوب الكل زي دقات الساعة اللي بتعلن وقت الحساب. ميرفت كانت واقفة مكانها فوق الكوشة، رجليها مش شايلها، الفستان الأبيض الفخم اللي كانت من دقيقة واحدة حاسة إنها ملكة بيه، اتكتم على نفسها وبقى زي الكفن، عينيها كانت بتلف في المكان ومش مصدقة المنظر؛ المعازيم اللي كانوا من دقيقة بيضحكوا معاها وبيشمتوا في هناء، دلوقتي عيونهم مليانة تريقة ونظرات لوم وشماتة فيها هي وفي جوزها اللي مرمي على الأرض بيبكي زي العيل الصغير. كريم قام من على الأرض ووشه تراب، وبص لميرفت بنظرة غل وعمى ألوان، صوته كان طالع مخنوق ومليان رعب وهو بيصرخ فيها قدام المية وخمسين عازم من أعيان البلد: “خربتي بيتي! الله يخرب بيتك ويريحني منك! أنتي عارفة ده مين؟ ده طارق بيه السيوفي! الراجل اللي بيمضي على شيكات لقمة عيشي! الراجل اللي لو عطس في السوق، شركات تقع وبيروح فيها رقاب! أنتي جايبة الغل ده كله منين؟ عايرتي أختك عشان تكسريها، قمتي كسرتي رقبتي أنا!”. ميرفت حاولت تنطق، شفايفها كانت بتترعش والروج الأحمر الغالي اتمسح بدموع الصدمة وهي بتقول بصوت متحشرج: “أنا.. أنا مكنتش أعرف يا كريم.. هو.. هو مش كان شغال موظف بسيط وفي حاله؟ هناء قالتلي إنه على قد حاله!”. كريم مسك دماغه بإيديه الاتنين وزعق بكل قوته لدرجة إن مهندس الصوت قفل المايكات بسرعة: “على قد حاله عشان بني آدم محترم ومش بتاع منظرة زيك وزي أهلك! طارق بيه عايش في هدوء ومبيحبش المظاهر، وأختك هناء أصيلة ومارضيتش تتنطط علينا بفلوس جوزها! لكن أنتي.. أنتي إيه؟ أنتي حية!”.
الفرح انفض في ثواني، المعازيم بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني وهم بيهمسوا ويضحكوا على العروسة اللي فضحت نفسها في ليلة عمرها، الأنوار الدهبية اللي كانت منورة القاعة الأوبن إير على النيل انطفت، ومبقاش فاضل غير ميرفت وكريم وأمهم اللي كانت قاعدة على الكرسي بتلطم على وشها وبتقول: “يا فضيحتنا وسط الناس.. يا خيبتك الثقيلة يا ميرفت.. طردنا الرزق من بابنا ورضينا بالهم!”. في نفس الوقت، كانت العربية المرسيدس السودا بتاعة طارق بتتحرك في شوارع القاهرة الهادية بعد نص الليل، طارق كان سايق بهدوء غريب، ملامحه رجعت صافية زي ما كانت، وبص بطرف عينه على هناء اللي كانت قاعدة جنبه في الكرسي القداماني، دافنة وشها بين إيديه ودموعها بتنزل بسكوت على فستانها الأبيض البسيط. طارق هدا السرعة وركن العربية على جنب النيل، فك حزام الأمان ولف ليها بالكامل، مسك إيديها براحة ورفع وشها لعينيه وقال بصوت دافي كله حنان: “دموعك دي غالية عليا أوي يا هناء.. أنا أسف إني حطيتك في الموقف ده، وأسف إني كنت مخبي عليكي حقيقة شغلي وفلوسي، بس والله العظيم ما كان قصدي أخدعك، أنا بس ياما شفت ناس بتجري ورا القرش والمنصب، ولما شفتك ولقيت طيبتك وأصلك، قولت عايز واحدة تحبني أنا.. طارق البني آدم، مش طارق صاحب الملايين”. هناء بصت في عينيه والدموع مغرقة رموشها وقالت بصوت متقطع: “أنا مكنش هاممني فلوسك يا طارق، أنا حبتك وأنت في نظري موظف بسيط بنبني حياتنا خطوة بخطوة بالود والرضا.. بس وجعني إن أختي من دمي تبيعني عشان تتنطط عليا، وجعني إنها شافت طيبتك عيب وعايرتني بيك قدام الغريب والقريب”. طارق ابتسم ومسح دموعها بمنديل وقابل إيدها وقال: “حقك هيجيلك لحد عندك وزيادة يا قلب طارق، والجميل اللي عملتوه فيا الليلة دي، هيردوا كريم وميرفت أضعاف مضاعفة، بس الصبر”.
تاني يوم الصبح، الساعة دقت عشرة، وكريم كان قاعد في صالة شقته الجديدة، لابس قميص وبنطلون ووشه باهت ومنامش من الليلة اللي فاتت، ميرفت كانت قاعدة في الركن بتعيط وخايفة تقرب منه، وفجأة تليفون كريم رن، بص على الشاشة ولقى رقم الأستاذ عاصم، مدير الموارد البشرية في مجموعة السيوفي للمقاولات، كريم رد بسرعة وصوته بيرتعش: “ألو.. أهلاً يا عاصم بيه.. خير؟”. عاصم قال بصوت ناشف ورسمي مفيش فيه أي ود: “كريم.. طارق بيه أصدر قرار الصبح بإنهاء خدماتك من الشركة فوراً، وبدون مستحقات نظراً لإخلالك بقواعد السلوك العام وإهانة الإدارة العليا.. ومش بس كدا، الشركة هتبدأ تراجع كل المشاريع اللي أنت استلمتها السنتين اللي فاتوا، ولو طلع في قرش واحد ناقص أو غلطة في الحسابات، النيابة العامة هي اللي هتتكلم معاك”. كريم التليفون وقع من إيده، وحس إن الأرض بتلف بيه، ميرفت جريت عليه وقالت برعب: “في إيه يا كريم؟ قالولك إيه؟”. كريم بص لها بعيون حمرا زي الدم، وقام وقف وفجأة ضربها بالقلم على وشها لدرجة إنها وقعت على الكنبة، وصرخ فيها: “رفدوني! اترميت في الشارع! ومش بس كدا، طارق بيه هيحبسني! هيدمر مستقبلي ومستقبل عيلتي بسبك يا وجه النحس! غوري من وشي.. غوري روحي لأختك وبوسي رجليها تخلي جوزها يسامحنا، وإلا وقسم بالله العظيم ورقتي هتوصلك لأهلك قبل الليل ما يليل!”.
ميرفت حست بالدنيا بتسود في عينيها، كبريائها وعنجهيتها اتهدوا في ثانية، نزلت جري من الشقة، أخدت تاكسي وطيران على بيت أمها وهي بتعيط وبتصرخ، ولما وصلت لقت أمها قاعدة مع خالها بيحاولوا يشوفوا حل للمصيبة دي. خالها راجل حكيم وكبير في السن، بص لميرفت بقرف وقالها: “أنتي افتريتي يا بنت أختي، واللي يفتري على الغلبان ربنا بيسلط عليه اللي ما يرحموش.. هناء طول عمرها شايلانا وجوزها طارق كف كرمه مغرقنا، ومكنش بيسيب مناسبة إلا ويجيب هدايا ويدخل بالخير، وأنتي كنتي بتبصي له من فوق لتحت.. دلوقتي بقى روحي اتذللي لها، يمكن قلبها الأبيض يسامحك”. ميرفت مكنش قدامها حل تاني، كلمت هناء على التليفون ومكنتش قادرة تنطق من كتر العياط، هناء ردت بصوت هادي وراسي: “عايزة إيه يا ميرفت؟ مش كفاية الفضيحة والفرجة اللي عملتيهالنا امبارح؟”. ميرفت صرخت وشهقت: “سامحيني يا هناء.. واقفي جنب أختك، كريم هيطلقني وهيحبسوه والبيت هيتخرب، أنا مكنتش أعرف إن جوزك هو الباشا الكبير، والله العظيم غباء مني وشيطان ودخل بيننا، خلي طارق بيه يسامح كريم، إحنا ملناش غيركم”. هناء سكتت شوية، والوجع كان لسه معلم في قلبها، بس أصلها الطيب غلبها، وقالت: “أنا ماليش دعوة بشغل طارق يا ميرفت، بس هحاول أتكلم معاه عشان خاطرك، وعشان البيت اللي لسه متبناش ده ميهدش.. بس اتعلمي إن الدنيا دوارة، وإن اللي تفتكري إنه فقير وموش حيلته حاجة، ممكن يكون عند ربنا وعند الناس أكبر منك بكتير”.
في المكت الفخم بتاع طارق بيه السيوفي، المكن كان شغال بأعلى كفاءة، وطارق قاعد ورا مكتبه الخشب الزان الكبير، لابس نظارته وبيراجع أوراق، دخلت هناء المفت بهدوء، طارق أول ما شافها قلع النظارة وقام وقف، أخدها في حضنه وقعدها جنبه على الكنبة الجلد وقال: “منورة الشركة يا ست الكل.. خير، إيه اللي جابك بنفسك؟”. هناء بصت له برجاء وقالت: “طارق.. أنا عارفة إن ميرفت غلطت غلط عمرها، وعارفة إن كريم ملوش ذنب بس هو وجوزها وشايل شيلتها.. عشان خاطري وخاطر الود اللي بيننا، بلاش تخرب بيتهم، بلاش الحبسة والرفد.. أنا مسامحاها على اللي عملته في الفرح، وربنا جابلي حقي قدام الكل في نفس اللحظة”. طارق بص لهناء بإعجاب شديد، وطبطب على إيدها وقال: “أنتي قلبك ده إيه؟ دهب صافي؟ ماشي يا هناء، عشان خاطرك أنتي بس وعشان عيونك الغالية، أنا مش هحبسه، والملفات القديمة هقفلها.. بس كريم مش هيرجع الشركة دي تاني، أنا هنقله لفرع تاني صغير في المحافظات، براتب على قد حاله، عشان يعرفوا قيمتك وقيمة القرش، وعشان ميرفت تدوق العيشة البسيطة اللي كانت بتتريق عليكي بسببها.. وتعرف إن الستر والصحة هما اللي بيدوموا”. هناء وافقت وهي حاسة إن جوزها راجل بجد، بيعرف يجيب الحق وبأصل وأدب من غير ما يظلم حد.
بعد مرور سنة كاملة على الواقعة دي، الأوضاع اتبدلت تماماً. كريم وميرفت اتنقلوا وعاشوا في شقة صغيرة بالإيجار في مدينة تانية بعيد عن الأضواء والمظاهر الكدابة، كريم بقى بيشتغل بجهده وعرقه عشان يكفي بيته، وميرفت اتعلمت تطبخ وتغسل وتنضف بإيديها، وعرف يعني إيه رضا ويعني إيه أصول، والغل اللي كان في قلبها اتحول لندم وتواضع. وفي يوم من الأيام، كانت في لِمّة عيلة في بيت الأم، ودخلت هناء ومعاها طارق، هناء كانت شايلة ابنها الصغير اللي سمته “طارق” على اسم أبوه، وميرفت أول ما شافت أختها، قامت جري عليها وحضنتها وبكت، بس المرة دي دموع فرحة وندم حقيقي، ميرفت بصت لهناء وقالت لها: “أنتي كنتي صح يا هناء.. الراجل مش بفلوسه ولا بمنصبه، الراجل بأصله وهيبته وحنينه على أهل بيته.. طارق بيه علمنا الأدب وعلمنا الحياة بجد”. طارق ابتسم وبص لكريم وضغط على إيده وقال: “شد حيلك يا كريم، الفرع اللي أنت فيه شغال كويس، ومن الشهر الجاي هترجع القاهرة وتمسك مدير قطاع هنا.. بس تفتكر دايماً إن البيوت بتتمر على الأصول ومش على المظاهر”. وكريم دمعت عينيه وقال: “في رقبتي يا فندم، والدرس اتعلمناه والعمر كله مش هنساه”. وتجمع الكل حوالين السفرة البسيطة، يضحكوا ويتكلموا بقلوب صافية، والكل عرف إن الحكاية مش مين معاه فلوس أكتر، الحكاية مين جواه أصل وشهامة يحميه وقت الشدة.ومرت الأيام والشهور، والحياة مشيت في مجراها الهادي والكل بقى عايش في سلام. كريم رجع الفرع الرئيسي في القاهرة وبقى يراعي ربنا في كل قرش وكل حركة بيعملها في الشغل، وميرفت اتغيرت 180 درجة، ملامحها اللي كان زمان بيغطيها الغرور والتنطط بقت رايقة والابتسامة الصافية مش بتفارق وشها، وبقت أقرب واحدة لهناء، بتستشيرها في كل حاجة وبتتعلم منها الهدوء والرضا.
وفي يوم من الأيام، طارق بيه كان قاعد في مكتبه، ودخل عليه عاصم مدير الموارد البشرية وهو ماسك ملف في إيده وعلامات القلق باينة على وشه، وحط الملف قدام طارق وقال بصوت واطي: “طارق بيه.. إحنا عندنا مراجعة سنوية على مناقصة الدولة الجديدة لبناء المستشفى العام، وفي تلاعب حصل من شركة منافسة عشان يسحبوا مننا المشروع، والشركة دي تبع حد واصل جداً، والموضوع لو مشي في السكة دي، إحنا ممكن نخسر اسمنا في السوق”. طارق قلع نظارته وهز راسه بهدوء وقال وعينيه فيها نظرة التحدي اللي الكل بيخاف منها: “مين الراجل ده يا عاصم؟ ومين اللي مأمنه جوه الوزارة؟”. عاصم بلع ريقه وقال: “ده جلال المنشاوي.. راجل ملوش أمان، وبيستخدم طرق مش تمام عشان يخلص مصلحته”.
طارق سكت لثواني، وبعدين ابتسم ابتسامة غامضة وقال: “اممم.. جلال المنشاوي؟ طيب، اطلبلي كريم يجيلي المكتب حالا”. عاصم استغرب بس نفذ الأمر فوراً، وبعد دقايق دخل كريم وهو لابس بدلة شيك ومظبوطة، ملامحه بقت ناضجة وفيها هيبة الشغل، وقف قدام طارق بكل احترام وقال: “تحت أمرك يا طارق بيه، عاصم بيه قالي إن حضرتك عايزني في موضوع مهم”. طارق شاور له يقعد وقال: “قعد يا كريم.. بص يا سيدي، في شغلانة برة الصندوق عايزك تعملها، مشروع المستشفى العام في ناس عايزة تلعب من ورا ظهرنا وتدمر اسم السيوفي، وأنا اخترتك أنت بالذات عشان تتابع الملف ده بنفسك، عايز عينك متغفلش عن ثانية واحدة، وتجيبلي أصل وفصل اللعبة اللي بيلعبوها.. تفتكر قد المسؤولية دي؟”.
كريم عينيه لمعت بالثقة وحس إن دي الفرصة اللي هيثبت فيها لطارق بيه إنه بقى راجل بجد ويستحق المكانة دي، وقال بصوت قوي: “برقبتي يا فندم! وقسم بالله العظيم لأجيبلك القرار من قلب دفاترهم، والشركة دي مش هتاخد فتوفتة من المشروع طول ما أنا عايش وبشتغل تحت إيدك”. طارق ابتسم وطبطب على كتفه وقال: “عاش يا كريم، روح وابدأ من النهاردة، والشركات كلها والورق تحت أمرك”.
كريم بدأ يشتغل ليل مع نهار، مكنش بينام غير ساعات قليل، وميرفت كانت واقفة جنبه، بتعمله قهوته وبتشجعه وتقوله: “ربنا معاك يا كريم، طارق بيه وثق فيك ولازم ترفع راسنا قدامه، والخير اللي عمله معانا لازم نرد هوله بأمانة وشرف”. وفي ليلة من الليالي، وكريم قاعد بيراجع الحسابات والخرائط وعقود المقاولين الباطن، لقى ثغرة قانونية غريبة جداً، ورقة صغيرة مكنش حد واخد باله منها، بتثبت إن شركة جلال المنشاوي بتستخدم مواد بناء مغشوشة وغير مطابقة للمواصفات عشان توفر في الميزانية وتاخد المشروع بالسعر الأقل!
كريم مكدبش خبر، لم الورق كله في شنطته والصبح بدري كان واقف في مكتب طارق بيه، وحط الورق قدامه وهو بيتنفس بسرعة من الفرحة: “جبتهم يا باشا! جلال المنشاوي بيلعب في أساسات المستشفى، والورق ده يوديه ورا الشمس ويقفل شركته للأبد!”. طارق مسك الورق وقراه بعناية، وعينيه لمعت بذكاء وقال بصوت جهوري: “برافو يا كريم.. برافو! أنت كدا مش بس حميت شركتنا، أنت حميت أرواح ناس غلابة كانت هتدخل المستشفى دي والحيطان تقع فوق دماغهم”. طارق رفع سماعة التليفون وكلم جهات الرقابة وقدم البلاغ والورق رسمي.
وفي خلال 48 ساعة، الدنيا اتقلبت في السوق، شركة المنشاوي اتقفلت وجلال المنشاوي اتحول للتحقيق، ومجموعة السيوفي للمقاولات أخدت المشروع بالكامل وسط ترحيب وصحافة وإعلام كبير، واسم طارق بيه بقى في العالي أكتر وأكتر. طارق عمل حفلة كبيرة في فندق فخم جداً بمناسبة النجاح ده، وعزم كل رجال الأعمال والمهندسين والعمال في الشركة، وطبعاً عزم العيلة كلها.
في الحفلة، الأجواء كانت خيالية، الأضواء والمزيكا والناس كلها بتبارك لبعض، وميرفت كانت واقفة جنب هناء، الاتنين لابسين فساتين رقيقة وزي القمر، ميرفت بصت لهناء وقالت لها والدموع في عينيها: “عارفة يا هناء؟ أنا زمان كنت فاكرة إن الفرحة في المنظرة والفساتين الغالية والناس تبص عليا بحسد.. بس النهاردة أنا فرحانة من قلبي عشان جوزي عمل حاجة صح، وعشان إحنا شغالين بلقمتنا الحلال وبننام وضميرنا مرتاح، الفضل كله ليكي ولجوزك الباشا”. هناء حضنتها وقالت: “الحمد لله يا حبيبتي، ربنا يخلينا لبعض والحمد لله إن الغمة انزاحت وبقينا إيد واحدة”.
وفجأة المزيكا هديت، وطارق بيه السيوفي طلع على المسرح ومسك المايك، المعازيم كلهم سكتوا وبصوا له باحترام، طارق ابتسم وبص للجمهور وقال: “أهلاً بيكم يا جماعة.. النجاح ده مش بتاعي لوحدي، النجاح ده بتاع كل واحد تعب وعرق في الشركة دي، بس في شخص واحد بالذات، وقف وقفة رجالة، وحمى اسم الشركة وحمى أرواح الناس بذكائه وأمانته.. الشخص ده هو مدير قطاع المشروعات الجديد وشريكي في المناقصة دي.. كريم الشناوي!”. القاعة كلها اتقلبت سقفة حادة وهيص وفرحة، وكريم واقف مش مصدق نفسه، بص لميرفت لقاها بتعيط من الفرحة والفخر، وطارق شاور لكريم يطلع جنبه على المسرح، كريم طلع وسلم على طارق وباس كتفه وقال بصوت واطي: “خيرك مغرقني يا باشا”، وطارق قال له: “أنت تستاهل يا كريم، لأنك عرفت الأصول”.
وبعد ما الحفلة خلصت والكل كان مروح مفيش غير الضحكة الصافية، كريم وميرفت وهناء وطارق كانوا واقفين برة الفندق بيودعوا بعض، طارق بص لكريم وميرفت وقالهم: “يلا يا جماعة، بكرا إجازة ليكم إنتوا الاتنين، وعايزكم تجهزوا نفسكم عشان الأسبوع الجاي طالعين كلنا رحلة على حساب الشركة لـ شرم الشيخ، نغير جو ونرتاح شوية من التعب ده كله”. ميرفت جيت وحضنت هناء والكل ركب عربياته والكل حاسس بالدفا والأمان.
لكن وهم في طريق الرجوع، والعربية بتاعة طارق وهناء ماشية في طريق كورنيش النيل الهادي، وفجأة طارق لمح من المراية عربية سودا مفيهاش نمر ماشية وراهم من أول ما خرجوا من الفندق، وكل ما طارق يهدى السرعة العربية تهدى، وكل ما يزود تزود وراهم، طارق ملامحه اتغيرت ورجعت الحِدة في عينيه تاني، وهناء لاحظت وقالت بخوف: “في إيه يا طارق؟ مالك شكلك قلقان ليه؟”. طارق مسك الدريكسيون جامد وقال بصوت حازم: “هناء.. اربطي الحزام كويس ومتخافيش، في حد ورايا ومش ناويلنا على خير.. شكل جماعة جلال المنشاوي مسبوناش في حالنا!”. وفجأة العربية اللي وراهم زودت السرعة على الآخر وخبطت في عربية طارق من ورا بكل قوة لدرجة إن العربية بدأت تتطوح على الطريق، وهناء صرخت، وفي ثانية واحدة العربية السودا قطعت عليهم الطريق ووقف منها تلات رجالة ملثمين في إيديهم سلاح ونزلوا جير على عربية طارق.. ويا ترى إيه اللي هيحصل لطارق وهناء وهل كريم هيلحقهم في الوقت المناسب؟!طارق في أجزاء من الثانية ثبت الدريكسيون بإيد واليد التانية جابت الغيار العكسي وداس بنزين لأقصى سرعة، العربية المرسيدس زأرت ولفّت في لفة أمريكاني خطفت عين الملثمين اللي افتكروا إنهم زنقوه، كسر الدريكسيون يمين وطلع على الرصيف وعدى من جنبهم زي الطلقة، والرجالة ركبوا عربيتهم تاني وطيران وراه وبقوا بيضربوا نار في الهواء عشان يوقفوه، هناء كانت بتصرخ وبتدعي ربنا وهي حاطة إيدها على بطنها وخايفة على ابنها الصغير اللي سابوه مع والدتها.
طارق طلع تليفونه وبسرعة البرق داس على زرار الاتصال السريع بكريم اللي كان لسه على الطريق وراهم بمسافة مش بعيدة، كريم رد بصوت فرحان: “يا باشا، الحفلة كانت…”، طارق قاطعه بصوت حاد وزي الرعد: “كريم! أنا على المحور في اتجاه المعادي، عربية جلال المنشاوي بتطاردني وبيضربوا نار، اقفل الطريق ورايا بأي طريقة واطلب الشرطة حالاً!”. كريم الدم هرب من عروقه، وبدون تفكير كسر عربيتهم في وسط الطريق، وبص لميرفت اللي وشه اصفر وقالت برعب: “في إيه يا كريم؟”، قالها وعينيه كلها غضب وحمية: “طارق بيه وأختك في خطر.. جلال المنشاوي باعت ناس وراهم!”. كريم داس بنزين وجاب أقصى سرعة لعربيته وبقى بيتحرك بتهور عشان يوصل ليهم، وفي نفس الوقت كلم اللواء أحمد صاحب طارق بيه في مديرية الأمن وبلغه بالموقع.
على الطريق، العربية السودا قربت جداً من عربية طارق وخبطتها تاني من الجنب، العربية لفّت من طارق وخبطت في سور الكورنيش والكاوتش فرقع وقفلت الطريق تماماً، الرجالة نزلت وجريت على عربية طارق وهما رافعين السلاح، واحد منهم ضرب الإزاز بظهر الطبنجة وفتح الباب وشد طارق لبرا، وطارق قاوم بكل قوته وضرب الأول بالبونية في وشه وقعه على الأرض، بس التاني جه من وراه وضربه بماسورة السلاح على دماغه، طارق وقع على الأرض والدم بدأ يسيل من جبهته، هناء صرخت بأعلى صوتها ونزلت من العربية وجريت على جوزها وهي بتبكي: “طارق! قوم عشان خاطري! سيبوه يا مجرمين!”.
الملثم الكبير مسك هناء من إيدها وقال بغل: “جلال بيه بيسلم عليكي وعلى جوزك الباشا، وبيقولكم الحساب لسه مقفلش”، ورفع السلاح في وش طارق عشان يخلص عليه، وفجأة.. صوت سرينة عربية كريم ظهرت من بعيد، كريم مهدّاش السرعة، ده دخل بعربيته مباشرة في العربية السودا بتاعة المجرمين وعمل حادثة قوية طيرت عربيتهم بعيد، ونزل من العربية زي الأسد الجريح، في إيده كوريك العجل، وبدون ما يديهم فرصة يفوقوا، نزل ضرب في الملثم اللي كان رافع السلاح على طارق ونيمه في الأرض، والتاني حاول يضربه بالنار بس كريم وطي بسرعة وضربه بالكوريك في رجله قطعه، وفي نفس اللحظة، صوت سرينات بوليس النجدة والعمليات الخاصة ملى المكان، والعربيات حاصرت الكورنيش كله.
الرجالة الباقيين رموا السلاح ورفعوا إيديهم واستسلموا في ثانية، والظباط نزلوا قبضوا عليهم، كريم رمى الكوريك وجري على طارق وهناء، قعد على ركبه في الأرض وشال طارق وقال بصوت مخنوق بالدموع: “طارق بيه! سامعني يا فندم؟ فوق يا باشا فداك روحي!”، هناء كانت بتعيط وتمسح الدم من على وش طارق، وطارق بدأ يفتح عينيه براحة، بص لكريم وابتسم ابتسامة تعب وقال بصوت ضعيف بس كله فخر: “جدع يا كريم.. طلعت راجل.. ووقفت وقفة أصول”. الإسعاف جت بسرعة ونقلت طارق للمستشفى، والدكاترة طمنوهم إن الجرح سطحي ومحتاج كام غرزة بس، وهو زي الفل.
بعد أسبوعين من الحادثة دي، جلال المنشاوي وكل رجالته لبسوا قضايا محاولة قت*ل وتشكيل عصابي وتزوير، واتحكم عليهم بأحكام مشددة قفلت صفحتهم السودا للأبد.
وفي فيلا طارق بيه الكبيرة على أطراف القاهرة، كان فيه قعدة عائلية دافية جداً، طارق كان قاعد وحاطط بلاستر صغير على دماغه، وجنبه هناء اللي وشها منور بالفرحة، وقصادهم كريم وميرفت والأم. طارق وقف وبص لكريم وقال قدام الكل: “يا جماعة، الراجل مش بفلوسه ولا بمنصبه، الراجل بوقفته وقت الشدة وبأصله اللي بيبان في وقت الضيق.. كريم النهاردة مش بس مدير في شركتي، كريم من النهاردة شريكي بالنص في كل مشاريع مجموعة السيوفي، وده حقه ومش جميله من حد”. كريم وقف وعينيه مدمعة من الفرحة وحضن طارق، وميرفت راحت لهناء وحضنتها وهي بتقول: “الحمد لله يا اختي إن ربنا جمعنا على الخير، وعلمنا إن العزوة والأصل هما الحماية الحقيقية في الدنيا دي”. والأم دعت ليهم والضحكة رجعت لقلوبهم، وعاشوا كلهم في تبات ونبات، بعد ما اتعلموا درس العمر؛ إن اللي يبني بيته على الغرور يتهد فوق دماغه، واللي يبنيه على الرضا والأصول.. يعيش ملك طول حياته.





