اصغر كابتن

صوت صفارة الإنذار الحمراء كان عامل زي صرخة مرعبة جوة الكابينة الضيقة، النور الأحمر كان بيطفي وينور على وش مريم الصغير اللي اتملى فجأة بحبات العرق، والطيارة بدأت تميل لقدام بزاوية مرعبة، كأنها بتترمي في الهوا، الشنط بدأت تقع من الرفوف في الممر برة وصوت صريخ الناس ورا ضهرها بقا عامل زي الموج الهائج اللي ملوش آخر، الكل حاسس إن الموت خلاص بقا بينه وبينهم خطوة واحدة.
​في برج المراقبة بمطار القاهرة، الكابتن حازم، وهو راجل عجوز قضى نص عمره قدام شاشات الرادار، كان ماسك كوباية الشاي في إيده وفجأة سمع الصوت اللي طالع من اللاسلكي، صوت طفلة صغيرة ومرعوبة بس ثابتة، كوباية الشاي وقعت من إيده اتدشدشت مية حتة على الأرض وهو بيقرب من المايك ووشه اتخطف وقال بصوت حاد: “مين معايا على الموجة دي؟ الرحلة 447، كابتن محمود فين؟ كابتن شريف فين؟ مين اللي بيتكلم ده؟!”
​مريم بلعت ريقها وصوتها اترعش ثانية واحدة بس افتكرت شكل أبوها وهو مشلول في السرير وبيقول لها “يا مريم، الطيار مبيخافش، الطيار بيفكر بس”، فضغطت على زرار اللاسلكي وقالت: “يا فندم أنا مريم الشناوي، بنت كابتن أحمد الشناوي.. الطيارين مغمي عليهم خالص ومش بيردوا، والطيارة أجهزتها بتصفر ولمبة الإنذار الحمراء منورة والطيارة بتميل لتحت بسرعة.. أعمل إيه؟!”
​حازم في البرج حس إن الأرض بتلف بيه، بص لزمايله اللي اتجمعوا حوالين شاشته والكل في حالة ذهول، وقال في المايك بسرعة: “يا مريم.. اسمعيني كويس يا حبيبتي.. الطيار الآلي فصل؟”
​مريم بصت على الشاشة اللي قدامها وقالت: “أيوا.. الزرار بتاع الـ AP مش منور.. الطيارة بتقع بينا!”
​في اللحظة دي، دخل الكابينة بسرعة عم شاكر، راجل خمسيني وجسمه عريض، ملامحه صعيدية جادة وعيونه مليانة خوف بس ماسك نفسه، هو طيار هليكوبتر قديم في الجيش، بصلها وقال بصوت جهوري وهو بيحاول يثبت رجله على أرضية الكابينة المايلة: “يا بنتي.. وسعي أنا همسك الدراع.. قوليلي أعمل إيه بسرعة!”
​مريم صرخت فيه وهي بتشاور على دراع التحكم اللي قدامه: “شد الدراع عليك براحة! متشدش جامد عشان الطيارة متتقلبش بينا لفوق.. شد لورا وثبت إيدك!”
​شاكر مد إيديه القوية واللي كانت بتترعش من الرهبة، ومسك الدراع بكل قوته وبدأ يشد لورا تدريجياً، عضلات إيده برزت من المجهود لأن مقاومة الطيارة كانت عنيفة جداً، ومريم في نفس الوقت كانت بتمد صوابعها الصغيرة على لوحة التحكم فوق راسها، بتدور على زراير الاتزان التلقائي وهي بتفتكر كلام أبوها لما كان بيشرح لها على مجسم كرتون في الصالة: “لو الطيارة غطست منك يا مريومة، عادلي الهيدروليك ورجعي التريم لورا”.. صوابعها لمست زرار “التريم” وبدأت تلف العجلة الصغيرة اللي جنب ركبها بسرعة وبقوة وهي بتصرخ: “شد كمان يا عم شاكر.. كمان!”
​وفجأة، بدأت مقدمة الطيارة ترفع ببطء، والارتجاج العنيف اللي كان بيهز كل مسمار فيها بدأ يهدى حبة بحبة، لحد ما الطيارة استقرت تاني في وسط السحاب، بس المرة دي كانت على ارتفاع منخفض بكتير، والغيوم السوداء كانت مغطية الإزاز من كل حتة ومفيش أي رؤية واضحة.
​الناس في الممر برة لما حسوا إن الطيارة اتعدلت، الصريخ هدي شوية واتحول لشهقات عياط ودعاء، المضيفة ياسمين كانت ساندة على الحيطة ودموعها نازلة على وشها، بصت من الباب الموارب وشافت مريم وهي واقفة بين الكرسيين، كتفها الصغير جنب كتف الراجل العريض، والاتنين بيبصوا للوحة العدادات المعقدة كأنهم في معركة مصيرية.
​كابتن حازم من برج المراقبة رجع يتكلم في اللاسلكي وصوته فيه بحة قلق: “مريم.. انتوا سامعيني؟ الطيارة استقرت؟”
​مريم خدت نفس طويل ومسحت العرق من عينيها وقالت: “أيوا يا فندم.. استقرت.. بس احنا جوة سحاب أسود خالص ومش شايفين أي حاجة برة.. والعدادات بتقول إننا على ارتفاع 12 ألف قدم بس.. والسرعة عمالة تزيد!”
​حازم اتكلم بسرعة وهو بيبص على شاشة الرادار وبيرغي مع مهندسين الطيران اللي جنبه: “يا مريم، السرعة بتزيد عشان المحركات على أقصى قوة.. لازم تقللوا دفع المحركات.. بصي في النص بين الكرسيين، هتلاقي دراعين كبار لونهم أسود.. اسحبيهم لورا شوية صغيرة.. مش لآخر الشوط.. لحد ما تسمعي صوت الموتور هدي!”
​مريم بصت لعم شاكر وقالت له: “حرك الدراعات دي لورا بالراحة.. عيني على مؤشر الـ N1.. لما أقولك بس تقف!”
​شاكر حرك إيده ببطء وهو بيبص لمريم بذهول، البنت دي مش مجرد طفلة حافظة كلام، دي بتتصرف كأنها بقالها عشر سنين في الخدمة، مريم فضلت عينيها مركزة على الشاشة الرقمية وهي شايفة الأرقام بتقل: “كمان شوية.. كمان.. بس! وقف هنا!”
​صوت زئير المحركات العنيف اللي كان مالي الودان هدي وبقى مجرد زنين منتظم ومريح، الطيارة بدأت تمشي بسلاسة أكبر وسط الضباب والغيوم، بس الخطر الأكبر كان لسه جاي.. هما دلوقتي داخلين على أجواء مطار القاهرة، والجو تحت كان تراب وعاصفة شديدة، ومريم معندهاش أي خبرة عملية في الهبوط الفعلي، كل اللي تعرفه كان نظري ومحاكاة على كمبيوتر أبوها القديم.
​شاكر بص لمريم وقال بصوت واطي: “يا مريم.. الطيارين شكلهم مش هيفوقوا.. ريحة الكابينة غريبة.. كأن فيه غاز أو حاجة حصلت في التكييف خلتهم يغمى عليهم.. احنا لازم ننزل بالبتاعة دي بأسرع وقت.. أنا بعرف أطير هليكوبتر، بس دي وحش حديدي وزنه مئات الأطنان.. لو لمسنا الأرض غلط هنتفرفط مية حتة!”
​مريم بصت للطيار الأساسي اللي كان راسه مايلة على كتفه، وشه كان شاحب جداً وتنفسه بطيء، حست برعب حقيقي بينخر في عضمها، افتكرت لو للحظة واحدة إنها فشلت، مش هي بس اللي هتموت، ده فيه عائلات كاملة برة وأطفال صغيرين زيها مستنيين يوصلوا لأهاليهم.. افتكرت مامتها وهي مستنياها في المطار بوردة وابتسامة، وافتكرت طموحها إنها تكون طيارة بجد في يوم من الأيام.
​دمعة واحدة نزلت من عين مريم، بس مسحتها بسرعة بضهر إيدها وبصت لشاكر وقالت بكل قوة: “احنا هنهبط بيها يا عم شاكر.. عشان بابا وعشان الناس دي وعشان نرجع لبيوتنا.. كلم برج المراقبة وخليهم يجهزوا الممر ويسيبولنا مسار فاضي خالص.. وقولهم يشغلوا أنوار الممر على أعلى حاجة عشان نشوف وسط التراب ده!”
​شاكر مسك المايك وصوته هز البرج: “يا حازم.. جهزوا الممر الطوارئ.. احنا نازلين.. البنت دي هتدخلنا على الممر، بس محتاجين توجيه راداري دقيق خطوة بخطوة.. احنا مش شايفين كف إيدينا!”
​حازم صرخ في غرف العمليات: “افتحوا الممر 05 يمين! جهزوا عربيات المطافي والإسعاف فوراً! شغلوا كشافات الممر على أقصى طاقة!”.. والتفت للمايك وقال: “مريم.. اسمعيني.. هتبدأي تلفي بالطيارة جهة اليمين بزاوية 15 درجة عشان تبقي على خط الممر.. لفي الطارة اللي قدامك يمين بالراحة جداً وعينك على مؤشر الاتجاه الداير اللي قدامك لحد ما يوصل لرقم 050”.
​مريم حطت إيدها الصغيرة على الطارة الكبيرة، وبدأت تلفها، الطيارة مالت لليمين ببطء شديد، الركاب برة شعروا باللفة وكلهم كتموا أنفاسهم، الطيارة بدأت تخترق الضباب وتنزلق لتحت ببطء.. 10 آلاف قدم.. 8 آلاف قدم.. 5 آلاف قدم.
​وفجأة، وهما على ارتفاع 3 آلاف قدم، بدأت الطيارة تتهز بعنف غير طبيعي بسبب رياح العاصفة الترابية القوية اللي جاية من الصحراء، الطيارة بقت تترمي يمين وشمال كأنها ريشة في الهوا، عم شاكر كان بيحارب عشان يثبت الدراع بكل قوته وجسمه كله بيترعش، ومريم بتصرخ بصوتها الطفولي: “ثبت الاتجاه يا عم شاكر! متخليهاش تروح يمين! نزل الفلبس.. نزل الجناحات المساعدة درجة 15 عشان تدينا ثبات!”
​صوابع مريم طارت للدراع الخاص بالفلبس ونزلته للدرجة المطلوبة، الطيارة تقلت في الهوا وبقت تقاوم الرياح بشكل أفضل، بس المشكلة الأكبر ظهرت لما الغيوم بدأت تنقشع جزئياً وظهرت قدامهم أضواء القاهرة البعيدة.. بس الممر مكنش قدامهم بالظبط! كانوا مايلين عنه بمسافة خطيرة!
​مريم بصت من الإزاز الأمامي وشافت كشافات الممر البعيدة منورة وسط التراب الأصفر، بس الطيارة كانت رايحة ناحية المباني السكنية القريبة من المطار!
​شاكر صرخ برعب: “احنا مش على الممر يا مريم! احنا هنخبط في البيوت!”
​مريم في ثانية واحدة من الإدراك الخارق، افتكرت نصيحة أبوها الذهبية: “لو الهبوط مش مضبوط والرياح حدفتك، متصححش بالعنف.. صحح بالميل الخفيف والـ Rudder (بدالات الرجلين)”.. بصت لرجليها اللي يدوب واصلة للبدالات تحت الكرسي، وبكل قوتها داست على البدال الشمال عشان تعدل ديل الطيارة، وفي نفس الوقت مالت بالطارة لليمين خفيف جداً.
​الطيارة انزلقت بجنبها في الهوا بشكل مرعب، كأنها بتفحط في السماء، الركاب صرخوا صرخة واحدة جماعية هزت أركان الطائرة، المضيفة ياسمين وقعت على الأرض وغمضت عينيها وهي بتشهد..
​لكن الطيارة اتعدلت في آخر ثانية وبقت بوزها في مواجهة الممر بالظبط!
​مريم صرخت وهي بتعيط من الفرحة والخوف: “نزل العجل يا عم شاكر! اسحب المقبض الأحمر اللي عندك!”
​شاكر سحب المقبض بقوة، وصوت ميكانيكي قوي هز بطن الطيارة وهي بتفتح العجلات وتثبتها في مكانها، تلات لمبات خضراء نورت في التابلوه.. العجل نزل بنجاح.
​الممر بقا بيقرب بسرعة رهيبة.. 500 قدم.. 300 قدم.. 100 قدم..
​مريم صرخت: “ارفع البوز لفوق سنة صغيرة عشان العجل الوراني يلمس الأول! سنة صغيرة يا عم شاكر!”
​شاكر شد الدراع لورا بحذر شديد.. وفجأة.. “دببببببببببب!”
​الطيارة خبطت في الأرض بعنف شديد، الركاب اتنطروا من كراسيهم، الشنط بقت تطير في كل حتة، الطيارة بدأت تجري بسرعة جنونية على الممر المبلول من المطر الخفيف، ومريم صرخت بكل صوتها: “شغل عكس الدفع! اسحب الدراعات الصغيرة اللي فوق المحركات لورا! وفرامل برجليك بكل قوتك!”
​الاتنين داسوا على البدالات بكل عزمهم، وشاكر سحب دراعات عكس الدفع.. صوت هدير المحركات بقى مرعب كأنها بتنفجر وهي بتحاول توقف الطائرة العملاقة، العجل طلع منه شرار ودخان أسود ملى الممر، والطيارة كانت بتتمايل يمين وشمال وبتزحف على الأسفلت بسرعة بتقل تدريجياً.. 80.. 60.. 40.. 20..
​وفجأة.. الطيارة وقفت تماماً في نص الممر.
​ساد صمت غريب وقاتل لثواني معدودة جوة الكابينة وبرة في صالة الركاب.. محدش كان مصدق إنهم لسه عايشين، ثم انفجرت الطيارة كلها بصوت عياط هستيري، وصريخ فرحة، وتصفيق هز جدران الطائرة.. الناس بدأت تحضن بعضها وهما بيعيطوا من الفرحة ويكبروا.
​عم شاكر ساب الدراع وجسمه كله كان بيرتعش من كتر الأدرينالين، بص لمريم اللي كانت واقفة دموعها نازلة على وشها وهي بتضحك، وراح واخدها في حضنه وهو بيقول وعينه بتدمع: “الله يخرب بيتك يا مريم.. انتي بطلة.. انتي أنقذتينا كلنا!”
​في برج المراقبة، حازم والمهندسين وكل اللي واقفين رموا السماعات وفضلوا يسقفوا ويصرخوا من الفرحة، والدموع مالية عيونهم.. كأن معجزة حقيقية حصلت قدامهم على الشاشات.
​مريم شالت السماعة وبصت للطيارين المغمي عليهم، وفجأة، لمحت حاجة غريبة جداً..
​تحت كرسي الطيار الأساسي، كان فيه علبة معدنية صغيرة ومفتوحة جزئياً، وبيسيل منها سائل لونه أزرق غامق بيتبخر ببطء شديد وبيطلع منه ريحة غريبة.. مش ريحة ماس كهربائي ولا عطل.. ريحة كيميائية نفاذة ومجهولة.
​مريم قربت بفضول وهي بتكح خفيف، ومدت إيدها عشان تشوف العلبة دي إيه، وفجأة لفت نظرها ورقة صغيرة ملزوقة على ضهر كرسي الكابتن مكتوب عليها بخط إيد سريع ومرتب باللغة العربية: “الرحلة دي مش هتوصل للقاهرة.. ومحدش هيعيش عشان يحكي اللي حصل جوة الشحنة رقم 9”.
​في اللحظة دي، مريم سمعت صوت حركة خفيفة وراها، لفت بسرعة ووشها اتخطف لما شافت حد من الركاب واقف عند باب الكابينة، وشه مغطى بماسكة طبي وعيونه كانت باردة وخالية من أي رحمة.. وبص لها وهو بيقفل باب الكابينة عليهم من جوة وبيطلع جهاز صغير في إيده!القلب كان بيدق في صدر مريم زي طبلة حرب، الراجل ده مش جاي يسرق، ده جاي يخلص مهمة، والهدوء اللي في صوته كان أرعب من أي صريخ. مريم رجعت لورا خطوة لغاية ما ظهرها خبط في الكرسي التاني، وبصت لعم شاكر اللي كان بيحاول يقوم بس جسمه كان لسه مهدود من التعب. الراجل المقنع قفل باب الكابينة بالمفتاح، وقرب منهم ببطء، صوته كان مبحوح ومتحكم فيه جداً وهو بيقول: “برافو يا مريم.. هبوط مثالي بجد، أبوكي كان هيكون فخور بيكي، بس للأسف، الشحنة رقم 9 دي مش للبيع، ومكنش المفروض حد يوصل للأرض قبل ما المادة دي تتنقل لمكانها الجديد.”
​مريم حاولت تبان قوية وثابتة، رغم إن ركبتها كانت بتخبط في بعض: “أنت مين؟ وإيه اللي في العلبة دي؟ أنت مسمم الطيارين؟” الراجل ضحك ضحكة قصيرة ميتة وقال: “المسمم ده مصطلح بدائي يا آنسة.. دي مجرد غاز بيبخر الأوكسجين ويحوله لمادة مهدئة مركزة، كنت فاكر الطيارين هيغيبوا عن الوعي فوق المحيط، بس الظاهر إنك بوظتي حساباتنا كلها.. ودلوقتي، مفيش قدامي حل غير إننا ننهي المسرحية دي.”
​في اللحظة دي، عم شاكر جمع كل قوته، وفجأة اندفع نحو الراجل وحاول يمسكه من رقبته، بس الراجل كان أسرع بكتير، ضربه بظهر إيده ضربة قوية في صدره خلت شاكر يقع على الأرض وهو بيكح دم، الراجل مكنش مجرد راكب، ده كان مدرب على القتال اليدوي، وبص لمريم اللي كانت بتدور بعينيها على أي حاجة تدافع بيها عن نفسها، مريم لقطت عينها طفاية الحريق الصغيرة اللي متثبتة جنب الكرسي، وبحركة خاطفة، شالتها ووجهتها ناحية وشه: “ابعد عنه يا مجرم!”
​الراجل مكنش متوقع رد فعلها، مريم ضغطت على الطفاية وطلعت رغوة بيضا كتيرة غطت وشه ورؤيته، الراجل صرخ واتراجع لورا وهو بيحاول يمسح عينيه، مريم مديتش له فرصة، صرخت في عم شاكر: “قوم يا عم شاكر! افتح الباب! الحق الناس!”، شاكر قام بتعب، والراجل المقنع كان بيحاول يوقف مريم ويشدها من شعرها، بس مريم كانت زي الزئبق، اتملصت منه ودخلت تحت الكرسي وطلعت سكينة الطوارئ اللي كانت متعلقة في شنطة الإسعاف.
​الراجل مسح وشه، وعينيه بقت حمرا من الغضب، طلع من جيبه جهاز صغير وعليه زراير حمرا، وقال بصوت فحيح: “انتي فاكرة نفسك بطلة؟ لو قربتي مني، الجهاز ده هيفجر قنبلة صغيرة جوة الكابينة.. الطيارة دي هتتحول لرماد في ثانية، والركاب اللي بره دول هيبقوا ذكرى.” مريم اتجمدت في مكانها، بصت للجهاز، وبصت للباب، وبصت لعم شاكر اللي كان بيحاول يوصل لدرع التحكم.
​في نفس اللحظة، صوت دبات قوية بدأت تخبط على باب الكابينة من برة، كانت قوات الأمن اللي وصلت للمطار وبدأت تحاوط الطيارة، صوت من بره صرخ: “افتح الباب! إحنا عارفين إن حد جوه! سلم نفسك!” الراجل المقنع بص للباب، وبص لمريم، وبص للساعة اللي في إيده.. مريم فهمت إنها لازم تعمل حاجة دلوقتي، اللحظة دي هي لحظة الحسم.
​مريم بذكاء شديد بصت للوحة التحكم اللي وراها، ولمحت زرار “نظام الإطفاء الأوتوماتيكي” اللي بيضخ غاز خامل في الكابينة عشان يطفي أي حريق.. لو ضغطت عليه، الغاز هيغطي المكان كله وهيخلي التنفس مستحيل لأي حد في الكابينة، ومريم كانت عارفة إنها لو لبست قناع الأوكسجين اللي جنبها بسرعة، هتقدر تتنفس، بينما الراجل المقنع هيتخنق أو يفقد وعيه.
​بصت لعم شاكر وغمزت له، شاكر فهم على طول وبدأ يمثل إنه بيستسلم ورفع إيديه، الراجل المقنع قرب منه عشان يكبله، مريم في اللحظة دي، مدت إيدها وبكل قوتها ضغطت على زرار نظام الإطفاء.. وفجأة، ضغط غاز كثيف انفجر في الكابينة، المكان كله اتملى بضباب خانق، الرؤية انعدمت، والراجل المقنع بدأ يترنح وهو بيحاول يمسك أنفاسه، مريم لبست القناع بسرعة وشدت شاكر ناحيتها وهي بتغطيه بكابينة الأوكسجين الإضافية.
​الراجل المقنع وقع على الأرض بيحاول يلهث، والجهاز وقع من إيده، مريم اندفعت ناحيته، وخدت الجهاز قبل ما يلمسه، وصرخت في شاكر: “افتح الباب! بسرعة!” شاكر فتح الباب، وأول ما الباب اتفتح، هجمت قوات التدخل السريع، وسيطروا على الراجل اللي كان شبه فاقد للوعي.
​مريم خرجت من الكابينة، وشها مليان بالغاز الأبيض، وشعرها منكوش، والدموع أثرت على وجهها، شافت الركاب كلهم واقفين بيصقفوا، شافت ممر الطيارة مليان بالناس اللي بتبكي وبتصلي.. شافت مامتها وسط الجمهور، كانت بتجري ناحيتها بصرخة فرح ودموع، مريم وقعت في حضن مامتها، وحست إنها أخيراً أمنت.. بس في وسط الفرحة دي، مريم بصت للراجل المقنع اللي قوات الأمن بتسحبه بره الطيارة، ولقت في جيبه ورقة تانية وقعت منه، مريم وطت وخدتها.. كانت خريطة لمطار تانية، وعليها علامة “X” كبيرة على طيارة تانية من نفس الشركة، ومعاد التحرك بتاعها بكره الفجر!
​مريم بصت للورقة، وقلبها دق تاني، الخطر مكنش رحلة واحدة.. الخطر كان شبكة كاملة، وبصت لمامتها وقالت بصوت متهدج: “يا ماما.. لسه مخلصناش.. فيه طيارة تانية في خطر!”
​الأمن بدأ يخرج الركاب، ومريم كانت واقفة في نص الطيارة، بتبص للورقة اللي في إيدها، وكانت حاسة إن الرحلة الجاية مش هتكون أسهل، كانت حاسة إنها بقت هدف.. وإن اللي عملته النهاردة كان مجرد البداية لمعركة أكبر بكتير، المعركة اللي ورثتها عن أبوها، وعن حلمها إنها تكون طيارة.. وبصت للسما، وشافت طيارة تانية طايرة في الأفق، وقالت لنفسها: “أنا مش هسيبكم.. مش هسيبكم تأذوا حد تاني.”
​مريم كانت عارفة إنها دلوقتي مش مجرد طفلة.. هي بقت حائط الصد الأخير، وبدأت تفكر في خطة عشان توصل للمعلومات دي للجهات المختصة، بس كانت عارفة إنها تحت المراقبة، وبدأت تمثل إنها طفلة عادية تانية عشان ماحدش يحس بيها، وركبت الإسعاف، وعنيها كانت بتراقب كل حركة حواليها، بتراقب ضباط الأمن، بتراقب الموظفين، بتدور على أي علامة.. لأنها عرفت إن “الشحنة رقم 9” دي كانت مجرد خيط في ثوب أسود كبير، والطيارة اللي شافت خريطتها في الورقة، كانت هي الطيارة اللي أبوها كان بيحذرها منها في أحلامها.. الطيارة اللي هيسافر عليها أخوها الكبير اللي مكنتش تعرف مكانه بقالها سنين!
​مريم اتجمعت كل قوتها الذهنية، وبدأت تسترجع كل المعلومات اللي تعلمتها عن نظام الملاحة الدولي، بدأت ترسم في خيالها مسار الطيارة التانية، وبدأت تربط الأحداث ببعضها.. يا ترى مين هما؟ وليه بيستهدفوا الطيارات دي؟ وهل أبوها كان جزء من الحاجة دي قبل ما يجيله الجلطة؟ الأسئلة بدأت تتراكم في دماغها، مريم غمضت عينيها، وبدأت تتخيل الخريطة، وبدأت تحط نقط على الحروف، ولقيت إن كل الطرق بتؤدي لمكان واحد.. شركة الطيران نفسها!
​في الإسعاف، مريم كانت ماسكة إيد مامتها، وباصة للسقف، بتفكر في الخطة الجاية.. هي محتاجة تخترق نظام الشركة، محتاجة توصل لملفات أبوها القديمة اللي سابها في السحابة الإلكترونية، ومحتاجة تكون أسرع من اللي بيطاردوها.. مريم أخدت نفس عميق، وقالت في سرها: “يا رب ساعدني.. أنا مش عايزة أكون بطلة، أنا بس عايزة أحمي الناس.. عايزة أحمي عيلتي.”
​وفجأة، موبايل الدكتور اللي كان قاعد جنبها رن، والدكتور رد، ومريم سمعت صوت مألوف جداً.. صوت كان بيجيلها في التليفون من سنين، صوت أخوها! الدكتور قال: “أيوا يا فندم، البنت كويسة.. أيوا، وصلنا المستشفى.. حاضر.. هبعتلك التقارير..” مريم اتجمدت.. أخوها كان بيتابع حالتها من بعيد؟ طب ليه؟ هو عارف إيه؟ وليه مكلمهاش بنفسه؟
​مريم بصت للدكتور اللي قفل الموبايل، وبدأت تمثل إنها نايمة، بس عقلها كان شغال بألف حساب.. هي لازم تعرف الحقيقة، والنهارده، مريم قررت إنها مش هتسيب أي خيط يضيع منها، حتى لو تمن ده حياتها.. والرحلة التانية، اللي ميعادها الفجر، كانت هي المكان اللي مريم لازم تكون فيه، بطريقة أو بأخرى.. “هروح الطيارة دي.. وهكشف كل حاجة.”مريم غمضت عينيها وهي في عربية الإسعاف، ومثلت إنها نامت من كتر التعب، بس عقلها كان شغال زي توربين طيارة نفاثة. الصوت اللي سمعته من موبايل الدكتور كان صوت أخوها “ياسين”؛ ياسين اللي بقاله سنتين مسافر برة مصر ومبيكلمهمش غير كل فين وفين بحجة الشغل وضغط الحياة. ليه الدكتور ب يبلغه هو بالذات؟ وإيه علاقته بالشحنة رقم 9؟
​أول ما وصلت المستشفى، والكل كان ملخوم في الفحوصات والتحاليل لمريم ولركاب الطيارة، استغلت مريم لحظة سكون وسحبت تليفون مامتها ببطء من شنطتها. دخلت على الأرقام وطلبت رقم ياسين.. الخط قعد يرن، ويرن، وقلب مريم بيدق مع كل رنة، لحد ما جه الرد بصوت واطي ومبحوح ماليان قلق:
​”ألو.. يا أمي؟ طمنيني مريم كويسة؟”
​مريم كتمت نفسها وقالت بنبرة حادة وواضحة مفيهاش أي طفولة:
​”أنا كويسة يا ياسين.. كويسة جداً لدرجة إني نزلت بالطيارة على الممر 05 يمين.. وكشفت الشحنة رقم 9!”
​الصمت حل على الطرف التاني من الخط، صمت تقيل لدرجة إن مريم سمعت صوت أنفاس أخوها وهي بتتسارع، وقال بصوت يترعش:
​”مريم؟! أنتي.. أنتي مش فاهمة حاجة.. لازم تخرجي من المستشفى دي فوراً.. الدكتور اللي معاكي مش دكتور.. ده..”
​وقبل ما يكمل جملته، الخط قطع فجأة!
مريم لفت راسها ببطء وبصت ناحية الباب، لقت “الدكتور” واقف على عتبة الأوضة، وشه ماليان غضب، وفي إيده حقنة فيها سائل شفاف.. بصلها وقال بابتسامة باردة:
​”أختك ذكية زيادة عن اللزوم يا ياسين.. بس الذكاء في الأوقات دي بيموت.”
​الدكتور هجم عليها، بس مريم مكنتش البنت اللي بتستسلم بسهولة؛ رمت التليفون في وشه بقوة واستغلت صغر حجمها ونطت من على السرير، وجريت في ممرات المستشفى وهي بتصرخ بكل صوتها عشان تلم الناس حواليها. الأمن والممرضين جريوا عليها، والدكتور لما لقى اللمة كترت، تراجع وخلع وسط زحمة المستشفى واختفى.
​مريم عرفت إن مفيش وقت تضيعه، الفجر قرب.. والطيارة التانية اللي في الخريطة، طائرة الشحن المتجهة لألمانيا، هتقوم من مطار القاهرة كمان ساعتين بس، وأخوها ياسين مهدد بالق*تل أو السجن لو الشحنة دي اتسربت.
​بمساعدة عم شاكر اللي رفض يسيبها وجري وراها لما عرف باللي حصل، قدروا يوصلوا للمطار من أبواب الخدمة الخلفية مستغلين كارنيهات طيران أبوها القديمة وعلاقات عم شاكر في الدفاع الجوي. الجو كان لسه مغيم ومطرة خفيفة بتنزل، وصوت المحركات برة بيهز الأرض.
​تسللوا لغاية ما وصلوا لطيارة الشحن المستهدفة.. المستودع كان شبه ضلمة، وصناديق الشحن الكبيرة بتترص ببطء. مريم وعينيها بتلمع في الضلمة، لمحت صندوق خشبي ضخم مكتوب عليه الرمز الكودي اللي شافته في الملفات: “SH-09″.
​وفجأة.. ظهر ياسين من ورا الصناديق، ملامحه كانت تعبانة وتحت عينيه هالات سودا، وأول ما شاف مريم جري عليها وحضنها وهو بيعيط:
​”أنا أسف يا مريم.. أسف إني حطيتكم في الخطر ده.. أنا كنت شغال مهندس صيانة في الشركة، وهددوني بيكي وبأمي لو مسهلتش خروج المواد الكيميائية دي في الطيارات.. مكنتش أعرف إنهم هيسمموا الطيارين في رحلتك عشان يغطوا على جري*متهم!”
​مريم طبطبت على كتف أخوها وقالت بكل حسم:
​”مفيش وقت للندم يا ياسين.. لازم نوقف الكارثة دي دلوقتي.. الأمن برة هيوصل هنا في أي لحظة.”
​عم شاكر وقف يراقب الممر وهو ماسك حديدة في إيده، وياسين بدأ بسرعة يفك شفرة الصندوق عشان يبطلوا مفعول أجهزة التبخير غاز الأوكسجين المزروعة جواه.. أصوات خطوات رجالة الأمن التابعين للشبكة الفاسدة بدأت تقرب من باب المخزن، ومريم كانت واقفة جنب أخوها، بتناوله الأدوات وتوجهه بناءً على اللي حفظته من كتب أبوها عن هندسة الطيران.
​الخطوات بقت على بعد أمتار.. وصوت تعمير الأسلحة ملى المكان.. مريم بصت لياسين وقالت بابتسامة كلها ثقة وتحدي: “إحنا الشناوية يا ياسين.. ومفيش طيارة بتقع مننا!”
​ويادوب السلك الأخير اتقطع، وجهاز الإنذار في الصندوق طفى.. في نفس اللحظة اللي الباب اتكسر فيها ودخلت قوات الصاعقة المصرية اللي عم شاكر بلغهم في آخر لحظة، لتتحول ساحة الشحن لملحمة قبض على أفراد الشبكة بالكامل.
​انتهى الكابوس.. وطلعت شمس الفجر خيوطها الذهبية تنور ممر المطار. مريم كانت واقفة برة جنب عم شاكر وياسين ومامتها اللي كانت بتبكي وتضحك في نفس الوقت وهي حاضناهم.
​بصت مريم للسما الواسعة، وشافت طيارة طالعة بسلام وسط السحاب الهادي، حست لأول مرة إن روح أبوها الطيار كابتن أحمد الشناوي مرتاحة وبتضحك لها من فوق. حطت إيدها في جيبها، وطلعت دمية الأرنب القماش الصغيرة بتاعتها، وبصت للطيارة وقالت بنبرة واثقة وصوت واطي مليان أمل ووعد للمستقبل:
​”المعركة خلصت هنا.. بس رحلتي أنا لسه بتبدأ.. والسما دي هتبقى ملكي في يوم من الأيام.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *