الفصل الأول ---------- في صباح أحد الأيام و تحديدًا الساعة التاسعة صباحًا، كانت تضع لمسـ ـاتها الأخيرة قبل رحيلها، نظرة أخيرة لتطمئن على مظهرها، ثوبها الوردي و وشاحها الأبيض اعطى لها شكلًا جميلًا، هي تعشق هذه الالوان، جذبت حقيبتها الجلدية ذات اللون الأسود وخرجت من غرفتها، سارت بخطوات هادئة متجهة نحو المائدة المستديرة، جلست على مقعدها وبدأ في تناول وجبة الإفطار، الجميع في حالة من الصمت، لا تعرف لماذا الصمت الذي حال فجأة هكذا، على الرغم من اقتراب موعد شقيقتها إلا أن حالة الحزن مخيمة على الجميع، تناولت القليل من الجبن مع قطع الطماطم ثم رشفات سريعة من الشاي الساخن، سرعان ما وقفت عن مقعدها و هي تهندم ملا بسها للمرة الأخيرة، القت السلام ثم غادرت و قبل أن تغلق باب الشقة استوقفتها والدتها وقالت بإستفهام - متنسيش يا نبيلة تجيبي الحاجات اللي قلت لك عليها وتعدي على الخياطة تشوفي الهدوم خلصت و لا لأ، عشان اختك مشغولة استدارت " نبيلة " بجسدها وقالت بغضبٍ مكتوم من والدتها التي لم ترأف بحالتها المادية أبدًا وتطلب منها فوق طاقة تحملها - حاضر يا ماما ربنا يسهل ها شوف كدا هعمل إيه و هقدر اجيب ايه ادعي لي أنتِ بس جُملتها المعتادة لتخبر والدتها بأن المبلغ المتبقي معها بالكاد يكفيها، لكن لا حياة لمن تنادي، خرجت من السجن الذي تقطن فيه إلى الحرية، تتنفس الهواء بعمقٍ وكأنها كانت محرومة من هذه الحركة، يسمح لها والدها الخروج صباحًا للذهاب إلى عملها حتى تأتي له بالمال الذي يجمعه لها على حد قوله سارت بخطوات هادئة اقتربت من دكان حبيبها ودقات قلبها تتسارع، كل شئ تفعله يهون مقابل هذه المقابلة الصباحية، وعدها بالز و اج وطلب منها التحلي بالصبر فقط أن تتحلى حتى يحين الوقت تأجلت زيارته لأبيها يومًا بعد يوم عامًا تلو الآخر، وها هو يأجل للعام الخامس على التوالي زيارته هذه المرة لم تتحدث لأن شقيقتها ستـ ـتزوج وأخذت كل ما ادخرته هي لنفسها، كان قلبها يتمزق على متعلقاتها اللتي شغلتها بـ ـيده ليلًا، تراجعت سريعًا ما إن رأت مجموعة من رجال الشرطة تجتمع حول دكان حبيـ ـبها، وأحدهم يقف جواره وبيده أكياس بلاستيكية بها قطع صغيرة من المخدرات وضعت يـ ـدها على فاها لتكتم صدمتها مما رأته للتو . ظلت تتابع المشهد بأعين ذاهلة، كيف، متى، ولماذا يعمل في تجارة المخدرات هو صاحب محل مشغولات نحاسية، ويأتي إليه الكثير و الكثير، حتى السُياح يأتون إليه، لا تعرف من أين أتت بكل هذه الجرأة لتكمل سيرها متجهة حيث محل عملها في مجال المشغولات اليدوية المخصصة لزينة المرأة تبدل حال يوميها بل حالها ككل، فتى أحلامها يساعد في تدمير عقول الشباب، من أين أتى بهذه الجراة ليفعل بقلبها ما فعل، كانت تشعر بنياط قلبها تتمزق، دمر لها احلامها و حياتها، طوق النجاة التي كانت تحسبه خيرًا ابعده الله عنها، ترددت الأقاويل حول قض\ية ذاك الحبيب الغادر، اصبح علكة في فم الجميع، فقدت السيطرة على اعصابها لو رأت أحدًا يُلقي عليها تحية الصباح لقتــ ـلته في الحال، ولج شاب طويل القامة عريض المنكبين، ذو بشرة سمراء و عينان بُنية داكنة، يميز وجهه شارب كثيف تتوارى خلفه شفتاه الغليظة قليلًا، يُدعى " عبد الكريم " هذا الشاب افضل شباب جيله، حيث السُمعة الطيبة و الشهامة و الكرام، تجاوز الخامسة و الثلاثون من عمره ومازال أعزب، قلبه معلق بها وهي لا ترأه من الأساس، و لكن لا بائس هو يناجي ربه ليلًا نهارًا لترضى بهِ زو جًا، فـ صبرًا جميلًا . ❈-❈-❈ و ضع " عبدالكريم " الصناديق الخاصة ببعض أدوات التصنيع، ثم جلس ليلتقط أنفاسه و هو يجفف حبات العرق المتكونة أعلى جبينه، بطرف قميصه الأسود، كانت عيناه تسترقان النظر إليه، اليوم ليست كسابق عهدها، تُرى ماذا حدث، هل هي غاضبة بسبب والديها أم قام بتوبيخها مدير المحل ؟ انتشله من بئر أفكاره صوت ذاك الرجل العحوز و هو يشير بيده آمرًا إياه أن يحمل الصناديق إلى المخزن الداخلي و راح يقول بحدة - شيل يا عبده الصناديق دي جوا يلا وهات الأسور و السلاسل عشان نبيلة تقفلهم عشان النهاردا الفرع الرئيسي جاي ياخدهم أومأ برأسه و قال بلسانه الثقيل و حروفه المتلعثمة قليلًا -حـاضـر يا عدلي بدأ في حمل الصناديق و ترك " نبيلة " تتحدث مع صاحب المحل عن النقوشات المطلوبة، و ما الأدوات التي تنقصها لتُنهي عملها كما يجب أن يكون، عاد من جديد و بين يده العمل المطلوب، جلس مقابلتها و بدأ يساعدها في ترتيب الأشياء حسب أولويتها، تردد كثيرًا في فتح باب الحديث، دائمًا صامتة دائمًا تحدثه داخل إطار عمله، يريد أن يخبرها برغبته في الز واج منها، و هي لم تدع له فرصة واحدة لفعل ذلك، ظل شاردًا في ملامحها حتى لوحت بيدها أمام وجهه وقالت بنبرة ساخرة - مالك يا عبده سرحان فيا كدا ليه حرك رأسه علامة النفي وقال بكذب وهو يحاول أن يوضح مخارج الفاظه لتفهم مايريد قوله - مافيش أنا بس سرحت شوية تابع بتذكر وهو يخرج مبلغ من المال وقال -معلش يا نبيلة نسيت اديكِ الجمعية، هو أنا هقبضها الشهر دا ؟ تناولتها "نبيلة " منه ثم قامت بعدها ببطءٍ شديد و هي تنظر إليه لتبدء في مقدمات لا حصر لها ليرد بعتذار قائلا - أنا مش فاهم حاجة أنا عاوز اعرف هو دا دوري ولالأ ؟ - بص الشهادة لله دا دورك بس أنا بستأذنك يعني اخدها أنا الشهر دا عشان فرح أختي وأنت الشهر الجاي - بس -و الله العظيم يا عبده هتاخدها الشهر الجاي و عد مني أنا عارفة إن دي تاني جمعية اعمل فيك كدا بس معلش أنت عارف ظروفنا و إن اختي دعاء هتتجوز خلاص معلش يا عبده تعال على نفسك المرة دي توسلها ورجائها الممزوجة بالإبتسامة الواسعة جعلته يرضخ لرغبتها معلنًا استسلامه كالمعتاد تلك الغبية لاتعرف إن هذه النقود هي نقود مصوغاتها الذهبية التي يريد أن يبتاعها لها و كيف تعلم و هو كالتمثال أمامها، باشر عمله في هدوءٍ تام بينما بداخله بركانًا من الغضب لم يختلف حالها عن حاله كثيرًا فهي أيضًا تشعر بالغضب لكنعا بارعة في كتم غضبها في و قت عملها. ❈-❈-❈ في منزل " عبد الكريم " جلست والدته تتناول وجبة الإفطار في هدوء حتى و لج شقتها من يعكر صفوها دائمًا، زوجات ابنائها عاشقات في فعل ذلك، و لكنها لم تترك لهن المجال، قامت بسحب الأطعمة أسفل الأريكة الخشبية، و قبل أن تتحدث سألها ابنها الأكبر قائلًا بسخرية - إيه ياما بتداري الأكل ليه تحت الكنبة متخافيش احنا فاطرين فوق - و ها داري ليه ياحبيبي أنا بس شبعت والحمد لله - طب ياما انا عاوز 300 جنية سلف منك لآخر الشهر مصمصت والدته شفتيها ساخر و هي تقول بكذب كعادتها في مثل هذه المواقف الشهرية - منين يا حبيبي كان على عيني و الله كل معايا 100 جنية هكمل بيهم الشهر ضحك ابنها وهو يتسأل بتعجب قائلا - بقى 100 جنية هتكملي بيها يافوزية و بعدين أنا طلبتهم من عبده و هو قالي هاسبهم مع أمك بليل لما ارجع من الشغل - ممدوح عاوز إيه فلوس مش معايا ولو معايا مش هاديك، و اخوك ماسابش معايا حاجة ارتا حت كدا ؟! ردت زوجة ممدوح وقالت بنبرة مغتاظة و هي تلوك العلكة في فمها يمينًا يسارًا - ليه يا خالتي ما هو بيستلف و بـ يرجعهم - ايوة و بيرجعهم إمتى يا حبيبتي بعد ما الشارع كله يتفرج علينا و بعدين مالك أنا و ابني بتتدخلي ليه همت زوجة ممدوح لترد فـ غمز لها زوجها مانعًا إياها ليستطيع أخذ النقود من و الدته لكنها كانت صارمة، حاسمة، ورفضت إعطائه من فعل ذلك، ا رتشفت رشفات سريعة من الشاي الساخن غير مبالية بما يحدث حولها، غادر ا لجميع وبقت هي وحيدة بعد أن فشل ابنائها في إقناعها بإعطائهم النقود المطلوبة، أتت إحدى جاراتها و بدأت تحدث عن ما حدث بالوصف التفصيلي، سألتها الجارة قائلة بفضول - طب و افرضي سأل عبده ها تقولي إيه - هاقل له اديته الفلوس و هو بيكدب عليك عشان زيادة ممدوح لو لاقى عبده جنية هياخده و الواد غلبان نفسه يلم نفسه و يتجوز وأنتِ زي ما أنتِ كدا شقته عاوزة فلوس قد كدا عشان تخلص تابعت بحماس شديد وقالت - قولي لي أنا ها قبض الأسم بتاغي إمتى ؟ - الشهر دا بأمر الله - طب كويس خليهم معاكِ لحد ما ممدوح يدفع لك الفلوس ختمت و الدة " عبد الكريم" حديثها قائلة بتحذير - اوعي يا دعاء تقولي لـ مراته إني داخلة معاكِ و لا دا الإسم بتاعي احسن يقولوا مش معانا ندفع و الفلوس تروح عليا - لأ متقلقيش أنا مش بعرف حد مين داخل ❈-❈-❈ في مساء نفس اليوم التف الجميع حول المائدة لـ تناول وجبة العشاء الأطفال يلعبون في ساحة البيت، و الأبناء يتبادلون أطراف الحديث مع أخيهم "عبدالكريم" الذي خيم عليه الحزن اليوم، علمت والدته سبب حزنه و قبل أن تخبره أنها لديها الحل السحري، دخلا اشقائه وصمتت هي و قامت بتحضير وجبة العشاء، و عند عودتها وجدت ابنها " ممدوح" يخبر اخيه عن احتياجاته و متطلبات البيت و قبل أن يُنهي حديث دس " عبد الكريم" يده في جيبه ليخرج مبلغ مادي التقطه " ممدوح " كالبرق في سرعته و لكن لم تتدوم فرحته كثيرًا فقامت والدته ذات الحركة، مبررة فعلتها قائلة: - معلش يا ممدوح بس دي فلوس البقال و الجزار علينا ديون يا ابني معلش اتسعت أعين " ممدوح" عن آخرها و قبل أن ينطق بحرفًا واحد، تابعت بسعادة قائلة - اخوك عبده هايخطب خلاص رد " حمدي" قائلا بسخرية - و دي مين اللي أمها داعت عليها ورضيت بي ذلة لسان، إهانة، و سخافة اعتاد عليها من الجميع بسبب تلعثمه في الكلام، لكنه لم يعد يهتم لهذه التافهات، كانت والدته كالدرع الواقي له من صدامات الغير و تحديدًا اخواته تناول وجبته و هو يشعر بالمرارة في حلقه لكنه استمر حتى لا تصنع أمه مشاجرة جديدة معهم، انتهى سريعًا من وجبته و ذهب إلى المطبخ ليصنع كوبًا من الشاي الساخن، و قبل أن يلج غرفة نومه نادته والدته و اخبرته بترتيباتها لن ينكر أن مفاجاة والدته هي التي اثلجت صدره حقا، جلس و بدأ يصغى إلى جيدًا و هي تسرد كيف دبرت النقود، طلبت منه العفو قائلة بحزن - متزعلش مني ياعبده بس أنت عارف اخواتك لو لاقوك. جنية هياخدوك و أنت غلبان انا يا ابني قلت احسن العمر مش مضمون و بعدين اخواتك يقولوا امك سابت فلوس معاك و أنت تصدق و تديهم ضمها لحضنه بعد أن قبل يدها ثم رأسها و قال بإمتنان - تسلم دماغك ياما و الله ماعارف اقل لك إيه - تقولي إمتى هنروح نطلب نبيلة و نفرح بيك - اختها هتتجوز الخميس الجاي خليها قاطعته و هي تقول بحماس بعد أن عانت في جمع جملة مفيدة من حديث الذي يستمر طويلًا. - و ليه يا حبيبي نأجلها احنا نروح بكرا و لا بعده نطلبها و نحجزها و نديهم ست شهور يحضروا نفسهم نكون احنا كمان حضرنا نفسنا ❈-❈-❈ في منزل " نبيلة " كانت تستمع لوالدتها التي تشكو دائمًا من قلة النقود، لم تستطع تحمل هذه الشكو انفجرت فيها قائلة بغضبٍ جم - في إيه ياما كل شوية مافيش مافيش اومال إمتى بيبقى في ؟ و بعدين اجيب لك منين ؟ و بعدين فين معاش ابويا و لا مرتب دعاء هو أنا بس اللي معايا فلوس ؟ ردت والدته بنبرة مغتاظة لا تختلف عن نبرة ابنتها و قالت بسخرية و هي ترتب حقائب ابنتها العروس - معاش سلامات يا معاش معاش إيه دا يابت اللي يجهز عروس و لا يفضل طول الشهر و لايسد ديون، دا أنا لولا بدبر قرش من هنا على قرش من هناك كنا اتفضحنا ربك ياختي بيسترها، و اختك دعاء شالت ايدها خلاص من المصاريف و قالت دبروا نفسكم أنا ماشية آخر الشهر دا وروني هتعملوا إيه بقى من غيري ؟ - اه و المفروض عليا اشيل الليلة دي كلها لوحدي صح ؟ - اعمل إيه أكتر من اللي بعمله كل قرش معايا بحطه في و قرش منك على قرش من ابوكِ و الدنيا بتمشي، خلاص ياختي هانت كلها يومين تلاتة و اختك تتـ ـجوزها و بعدها الدور عليكِ و قاطعتها " نبيلة" قائلة بنبرة لاتقبل النقاش و هي تضرب بكفها على الآخر - ريحي دماغك أنا مش هتجوز أنا هقعد جنبك ردت والدتها مقاطعة بسرهة و هي تنهرها و تعنفها قائلة - تقعدي جنبي تعملي إيه ياعنيا ياختي أنا خليني اخلص منكم واحدة ورا التانية دا إنتوا زي الهم على القلب ❈-❈-❈ تركتها" نبيلة " و ذهبت حيث شرفة الردهة كادت تقف فيها حتى وصل إلى مسامعها صوت أختها و هي تخبر ز و جها المستقبلي بأدق التفاصيل التي تحدث في البيت و ليس ذلك فحسب بل تطمئنه أنها لن تتخلى عنه و سوف تساعده في انهاء تحضيرات حفل الزفاف ولجت لتعلن عن وجودها، انتفضت أختها من ظهورها المفاجئ، ضغطت على زر القفل و سألتها بصوتٍ مرتفع قائلة - في إيه يانبيلة حد يخض حد كدا ؟ - في إنك باردة و ماعندكيش دم، في إن أنا طالع عيني شغل في البيت وبرا البيت عشان اكمل مصاريف جهازك و اساعدك و أنتِ رايحة تساعدي حبيب القلب - ايوة اساعده جوزي ؟ - جو زك ؟ طب و أنا ذنبي إيه ؟ها ذنبي إيه اتحمل مصاريف اكتر من طاقتي ؟؟ ردت " دعاء " بنبرة ساخرة و ملامح تحمل كل الغضب والغيظ الشديدة من ردة فعل أختها - ماخلاص يا ست بلبلة نبقى نعوضها لك في يوم فرحك و بلاش تذليني كل شوية كدا - و حياتك ماهشوف وشك من بعد ماتتجوزي لـ تكوني فاهمة يابت إن الواد دا هايسبك تصرفي علينا كدا فلوسك اللي هي أصلًا هتروح عليه أول بأول - مابراحة يا ست نبيلة الواد مش حِملك هو كان عمل لك إيه لدا كله يعني ؟! ❈-❈-❈ تعلم أنها كان مخطئة عندما تحدث بكل هذا العنف الذي لم تجد له مبرر، منذ بداية اليوم و هي تعنف الجميع، اعتذرت لأختها و طلبت منها أن تبتسم و أن ما حدث بسبب الضغط الذي تتعرض له يوميًا من صاحب العمل لم يكن بالـ ـيد حيلة كمان يقولون، ابتسمت إبتسامة مزيفة لتخبرها أنها لن تحمل في قلبها كُرهً لها و لكن بقرارة نفسها، هي لا تُكن أي مشاعر تجاهها سوى الحقد والكُره، لأختها و لأي أحد يريد هدم بيتها الجديد، كانت ترمقها بنظراتٍ سخط و كُره، رغم محاولاتها في إخفائها لكن باءت جميع محاولاتها بالفشل ردت" نبيلة" قائلة بجدية - ماشي يا دعاء بكرا تقولي نبيلة أختي قالت و على العموم ياستي متزعليش حقك عليا و ادي راسك ابو سها ااااه ايـ ـدي يا دعاء مالك في إيه ؟! نظرت لها اختها بسخطٍ و كره ثم قالت بنبرة محذرة يتبع الفصل الثاني --------------- نفضت " دعاء" يـ ـد اختها " نبيلة" رافضة المصالحة أو كلمة الإعتذار من الأساس عاتبتها كثيرًا و لكن لا حياةً لمن تنادي، ربتت على كتـ ـفها و قالت بنبرة صوتها الهادئ قائلة: - ماشي دعاء مش هزعل منك عشان أنا اللي زعلتك في الأول و أنتِ عر و سة من حقك تتدلعي ياستي و من الحق الكبير يدلع ❈-❈-❈ ظلت تدا عبها حتى ترى إبتسامتها على وجهه مرةً أخرى لكنها أبتسمت ابتسامة مزيفة بالكاد ارتسمت على ثغرها و انتهت المشاجرة المعتادة عليها و غادرت " نبيلة" من الشرفة جلست في غرفتها تتصفح آخر الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي، ظلت تتنقل بين الصفحات و هي تتمنى يومًا من الأيام أن ترتدي ثو بها الأبيض من احد بيوت الازياء الشهيرة، العجيب أنها لم تتأثر بقضـ ـية حبيبها بل القته من حياتها كأنه لم يزور قلبها يومًا، بل تحمد الله على إنقاذها قبل فوات الأوان . و قبل أن تغلق حسابها الشخصي و جدت ابن صاحب المحل الذي تعمل فيه قام بتحديث صورته الشخصية، لاحت إبتسامة خفيفة على ثغرها و هي تقول بتحسر على حالها - اهي دي العرسان و لا بلاش مش أحمد اللي كنت هقع في قامت بكتابة تعليق مجامل و سرعان ما و جدته يرد على هذا التعليق دون غيرها، وفي أثناء الكتابة و انتظار الرد بين التعليقات جائنتها رسالة عبر حسابها الشخصي، نظرت لها و قالت بنبرة حائرة يا ترى عاوز إيه ؟ قامت بالرد على رسالة" عبد الكريم" ظلت تتبادل معه اطراف الحديث حول العمل ثم أخبرها أن يريد مقابلة و الدها، لم تفهم في البداية لِمَ هذه المقابلة لكنها ظنت أنه يريده في أمرًا هام و لم يأتي ببالها أمر الخطبة، قامت بترحيب زياريه كـ نوع من أنواع المجاملة و انهت معه الحديث . قامت بغلق حسابها ثم هاتفها و دخلت لغرفتها، تمددت بجـ ـسدها على الفراش، تفكر في حياتها المستقبلية كم تمنت أن تـ ـتز وج بـ رجلًا قادرًا ماديًا يغير لها نمط حياتها، يا إلهي إن حدثت المعجزة و تز و جت بـ ابن صاحب العمل، هنا فقد ستعلم أن والدتها دعت لها يوم ليلة القدر، و لكن كل هذه أحلام وردية لا علاقة لها بـ الواقع الذي تعيش فيه، ظلت هكذا حتى غلبها النعاس . ❈-❈-❈ و في مكانًا آخر و تحديدًا في منزل "عبد الكريم" لم تستطع ز و جة شقيقه كتم ما يعتمل أكثر من ذلك، كل ما فعلته و سوف تفعله والدة ز و جها لا يروق لها من الأساس، ظلت تجوب الغرفة ذهابًا إيابًا تنفخ وجهها و كأنها تنفخ نيران الغيظ و الغضب الشديد، ثم تنظر لـ ز و جها و تقول بغيرةً شديدة - بقى اخوك اللي ما بيعرفش يقول كلمتين على بعض ياخد الشقة و يفرشها لأ و كمان يتـ ـجوز فيها بعد ماكنت خلاص هاخدها أنا لابنك تابعت بغيظٍ يفوق غيظ العالم بأسره قائلة بصوتٍ مرتفع - آآآآه يا ناري همـ ـوت من الغيـ ـظ و القهـ ـرة رد " ممدوح " و هو ينفث سحابة دخان كثيفة في سقف الغرفة و قال بهدوءٍ شديد عكس ز و جته تمامًا - ما خلاص يا لُبنى بقى اعصابك مش كدا و بعدين مين قالك إن حد هيرضى بـ عبده - كتير يا خويا كتير اخوك شغال و بيكسب على قلبه قد كدا و الراجل مافيش حاجة تعيبه غير جيبه و دا جيبه قد كدا - اه جيبه عامران بس زي الاهبل ما بيعرفش يقول كلمتين ورا بعض و مين دي اللي هاترضى بي على رأي حمدي - خليك أنت كدا أنت و اخوك لما يتـ ـجوز و يخلف و مراته تيجي تلم الجمل بما حمل تابعت بنبرة مغتاظة و هي تجلس على حافة الفراش وقالت - آآآه يا ناري لو أعرف العروسة دي مين و لا ساكنة فين لا كنت رحت و فضلت على ودنها زي اللي راحوا، بس اقول إيه امك زي العـ ـقربة فضلت ساكتة ساكتة لحد ما صحتنا على خبر زي وشها، منها لله ! قام"ممدوح" بسحب الدثار على جسده ، وهو يتمتم بكلماتٍ يسُبها فيها مرة و يلعن حاله الف مرة لن تهدأ حتى تدمر زيـ ـجة أخيه كعادتها أما هي تتحسر جلست تتحسر على ذلك البنك المركزي الذي كاد يلحق في سماء غيرها، ليته لم يتزوج ليتها تعرف من هي العروس هذه المرة، كم تمنت أن تحظى بـ ـزوج مثله سخي لا يترك صغيرة و لا كبيرة إلا و ابتاعها لها، لن تنكر أنها تغار و لكن لاتعرف منه أم عليه ؟! وثبت من مكانها و كأن لدغة للتو، ظلت تتوعد للعروس القادم إن أتت هنا ستندم ندمًا لم تعرفه من قبل، لن تترك هذا يذهب لغيرها ابدًا حتى و إن كانت ز و جته لن تترك هذا الخير ابدًا ❈-❈-❈ في الشقة المقابلة لا يختلف حالة زوجة حمدي عن زوجة ممدوح، النيران تأكلها أيضًا و لكن هذه المرة ز و جها هو من يشعر بالغيـ ـظ الشديد، كان يريد هذه الشقة ليـ ـتزوج فيها، لو كانت تعلمت ز و جته لأكلت عظامه قبل لحمه، متى قام بجمع كل هذه الاموال، اللعنة والدته تساعده اكثر منه و من أخيه، دائمًا هو الفتى المدلل، ربما لإعاقة لسانه المتلعثم، دائمًا ينعته بالابله و اخيه لا يرد و هذا ما يزيد من غضبه يريد مشاجرة لطرده من البيت ليفعل ما يحلو له بهِ ظل على هذا الوضع يفكر و يُدبر و ينفث غضبه في سجائره حتى تجاوزت الساعة الخامسة فجرًا ذهب إلى عمله و هو لم ينعم بالنوم ولو لمدة خمس دقائق على الأقل ❈-❈-❈ في عصر اليوم التالي قرر أن يضع مخططًا جديدًا لفسخ الخطبة قبل حدوثها من الأساس هبط سلالم الدرج بخفة وسرعة، ثم ولج شقة والدته ظل يبحث عن أخيه " عبدالكريم" فلم يجدهُ، سأل ز و جته فـ لوت شفتاه ساخرة و هي تهمس بجانب أذنه وراحت تقول - راح ياحبيبي يشتري شوية حاجات عشان العروسة الجديدة - و أمي فين مش شايفها يعني ؟ - دخلت تلبس - الاه هو مش هنروح معاها و لا إيه ؟ خرجت والدته من غرفتها و قالت بهدوء كعادتها في مثل هذه الأمور - ها تروح ياحبيبي متقلقش بس احنا هنروح بس نعرض لسه عليهم تابعت بحزن مصطنع و هي تجلس على حافة الفراش قائلة - بيني و بينك خايفة العروس ترفض و مشوارنا يبقى على الفاضي عشان كدا قلت لأخوك عبده خلينا نروح زيارة عادية نشوفها انا و هو و بعدها نتجمع كلنا و نقرأ الفاتحة خرجت الأم وسط دهشة و ذهول كل من في البيت نفذت مخططاها رغم أنف الجميع، استقلت سيارة الأجرة و هي تستمع لـ سؤال " عبد الكريم" و هو يحدثها هامسًا بجانب أذنيها بصوته المتلعثم - اومال فين اخواتي ؟ - مش هايجيوا قلت لما الموضوع يتم نبقى ناخدهم ساعتها . - كدا ها يزعلوا مننا - يا اخويا سيبك منهم اللي يزعل يزعل و بعدين دا عينهم وحشة ❈-❈-❈ حرك " عبدالكريم " رأسه حركة يمينًا و يسارًا و على ثغره إبتسامة خفيفة لكنها نابعة من قلبه يشعر بسعادة لا مثيل لها ، و لكنه يخشى أن يفقد هذه السعادة، أما و الدته فـ هي تفكر في شيئًا آخر رغم سعادتها له إلا إنها تخشى أن يتم رفض ابنها ككل مرة، كانت في صراع مع الجميع لتـ ـز و جه، الجميع يطمع في امواله و هو كـ والده سخي، و ما في جيبه ليس له تريد أن تأخذ ابنائها معاها و تتباهى بعائلتها مثلها كـ مثل أي أسرة عادية و لكن كيف و أبنائها يكرهون أخيهم و يريدون فسخ أي خطبة قبل بدايتها، و صلا أخيرًا إلى منزل العروس، التي لا تعلم حتى الآن إنها عروس قرع الناقوس و تم التعارف ثم جلست العائلتين في غرفة الضيوف، بدأ "عبد الكريم" في شرح ما يريد على الرغم من أنه قام بـ تدريب حاله كثيرًا إلا إنه باءت جميع محاولاته بـ الفشل . ساعدته والدته في تسيهل هذه المهمة و نجحت بالفعل في نقل رغبة ابنها بالز و اج من ابنة العم محمد، نظرت العم محمد لـ ز و جته التي حاولت جاهدة كبح ضحكاته بسبب لسانه المتلعثم، لكزها ز و جها و نهضت على الفور قبل أن تحرجه أكثر من ذلك، تنحنح و هو يعود ببصره و قال بجدية - و اللهِ يا ابني أنت تشرف أي عيلة و أنا شخصيًا ما عنديش أي مانع، بس زي ما أنت عارف البت دعاء بنتي ها تتـ ـجوز على يوم الخميس الجاي و جو ا ز البنات مش بالسهل يعني ردت والدة عبد الكريم قائلة بتوتر - ما هو احنا يا حاج محمد مش ها نتـ ـجوز في يوم و ليلة، و بعدين احنا مش ها نعرف بعض النهاردا دا جيران و العيال متربية سوى و أنت اللي مربي عبده - و الله ياست أم عبده انا ما عنديش مشكلة بس كل بطلبه إني اخد مُهلة خطبين في الراس تو جع و أنتِ ست العارفين - طب نقسم البلد نصين إيه رأيك لما نخلي مدة الخطوبة ست شهور منها الولاد يعرفوا بعض و منها يكون كل واحد مننا خلص الحاجات اللي عليه و مش ها نختلف و اللي تقدر عليه هاتوا قلت إيه - لا إله إلا الله محمد رسول الله خلاص اللي تشوفي اهي البت بنتك و عبده ابني و مش ها نختلف تهللت أسارير العريس و والدته رفع " عبد الكريم" و قال بـ سعادة - نقرأ الفاتحة يا عمي و أخيرًا نجح العم محمد في جمع جملة مفيدة رد بإبتسامة خفيفة رافعًا يده لأعلى و قال - يلا يا ابني نقرأ تابع بتذكر قائلا بفضول - لا مؤاخذة في السؤال اومال فين اخواتك ماجوش ليه ؟ ردت والدته قائلة بسرعة - في الشغل يا حاج و بيني كنا جاين مجرد زيارة بس النصيب بقى الزيارة الجاية بأمر الله - و ماله مافيش مشكلة ❈-❈-❈ تعالت الزغاريد و بدأت المباركات و إلى الآن " نبيلة " لا تفهم سببها أو لا تريد، وقفت شقيقتها تزين وجهها بمساحيق التجميل، و هي تسخر منها محدثة إياها قائلة - عريس الهنا يا ياما جه لاختي ياما ردت والدتها و هي تضع الحلوى في الأطباق المخصصة لها قائلة - بس يا بت اختك تزعل ردت " نبيلة " بغضـ ـبٍ وغيـ ـظٍ شديدان - و ازعل ليه هو أنا كنت العر و سة وضعت والدتها يدها أسفل ذقنها و قالت بنبرة ساخرة - اومال فاتحة مين اللي قرأها ابوكي دي عروسة ؟ وثبت من على حافة الفراش و قالت بغضبٍ جم قائلة - ماما ما تجبيش سيرة عروسة دي تاني، و عشان تبقوا عارفين أنا مش ها تجـ ـوز اللي اسمه عبد الكريم دا لو حتى قتـ ـتلوني أنا بقلها لكم اهو ! اقتربت منها والدتها و قالت بهدوء معتاد في مثل هذه المواقف - لأ الكلام دا أنتِ تقولي لـ ابوكي أنا مليش دعوة بالحوار دا، لكن دلوقتي يا حبيبة أمك خُدي بقى العصير و الجاتوه دا و طلعي برا يلا جلست " نبيلة " على طرف الفراش مرةً أخرى و قالت بعناد و هي تهز قدماها - مش خارجة و شوفي مين بقى ها يقدم لـ عريس الهنا فرغ فاه والدتها و كادت تتحدث لكن صوت و الدها قاطعها و هو يناديها حتى تأتي بـ العصائر، لم يكن أمامها سوى الموافقة، توسلات والدتها، حملت حامل العصائر بين يدها لكنها قررت أن تضـ ـرب بكل هذا عرض الحائط و ترفض " عبد الكريم" خرجت و وضعت العصائر بطريقة غير لائقة، حدجها والدها، فـ اعتذرت منهم، و قبل أن تتحدث أمرها والدها بأن تخرج من الغرفة، عادت تجر خيبات الأمل خلفها، لو كان الأمر بيـ ـدها لرفضت للتو، لكن والدها دمر مخططها، ظلت تجوب الحجرة ذهابًا إيابًا و نيـ ـران الغيـ ـظ و الغضـ ـب تأكلها بلا رحمة، غادرت والدة العريس برفقة ابنها، و ولج العم محمد غرفة ابنته و هو يتوعد لها بالضـ ـرب المبرح انكمشت في أحد الأركان و هي تتلقى ضربات والدها القاسية محدثًا إياها بغضـ ـبٍ - إيه اللي عملتي دا يا بت كدا قلة الذوق دي رفعت بصرها وقالت بنبرة متحشرجة و الدموع تملئ مقلتها - في إيه يابا انا مش عاوزة عبده أنا ها تجـ ـوز واحد اهبل و ما بيعرفش يتكلم كلمتين على بعض ! - ماله يا اختي الاهبل اللي بتقولي عليه دا شوفي داخل عليكي شايل و محمل إيه مش زي عريس الهنا جـ ـو ز أختك اللي مدخلش علينا بطبق مخلل حتى ❈-❈-❈ ردت " نبيلة " صارخة في وجه أبيها و قالت من بين دموعها - إن شاء الله يكون جايب لي نجمة من السما بردو مش عاوزاه ومش هاتجـ ـوزه يابا و لو اتجـ ـوزته همـ ـوت نفسي - مو تي و لا تغوري في داهية حتى مش احسن ما تمو تي من الجوع، يا بت أنا عامل على مصلحتك الواد هايعيشك في عيشة متحلميش بيها - لأ يابا مش عاوزاه يعني مش عاوزاه - طب و الله العظيم لتاخديه و لو ماخدتيش عبده ما في خروج و لا شغل ورجلك دي مش ها تعتب برا باب البيت و وريني ها تعملي إيه نبيلة غادر والدها تاركًا إياها تستشيط غضبًا من تحكماته لو كان الأمر بيدها لصرخت الآن وأخبرت الجميع بهذا الخبر التعيس، ظلت تبكي و كأن هذا الاختيار الوحيد امتاح أمامها الآن . أما "عبد الكريم" كان شاردًا في تصرفات العروس و قبل أن يصل إلى منزله نظر إلى والدته و قال بنبرة لا تقبل النقاش و صوت مختنق - أنا مش هاكمل الجواز دي ياما . يتبع الفصل الثالث ========= لطمت والدته بـ ـيدها على صد رها ما إن وصل إلى مسامعها صوت ابنها المختـ ـنق و هو يعبر عن حالة الحزن التي انتابته قبل أن يصل بيته ربتت على كتفه و طلبت منه أن يهدأ و يخبرها ما الذي حدث ليُنهي الخطبة قبل أن تبدأ، بدأ في شرح ما حدث و وصف تعابير وجه العروس، استمعت له و بينها و بين حالها تؤكد على حديثه لكن ما باليد حيلة كما يقولون فـ لن تفوت عليه فرصة كـ هذه، ابتسمت بحنو و حب ثم قالت - يا حبيبي هي كدا كل البنات كدا بيتكسفوا حتى لو هي معاك في نفس الشغل، الشغل حاجة و الخطوبة و الجواز حاجة تانية خالص أنت بس اصبر عليها إنتوا معاكم فرصة ست شهور بحالهم لو مش مرتاحين مع بعض ابقى كل واحد يروح لحاله، لكن نروح نقول للراجل إيه رجعنا في كلامنا بعد ما نزلنا دا حتى يبقى عيب في حقنا !! ظلت عيناها معلقتان بخاصته في انتظار كلمة تريح قلبها الذي انتابه القلق و الخوف الشديدان، منحت قلبه بعض الطمأ نينة، قرر أن يرضخ لـ رغبة والدته، كان يمني نفسه أن ردة الفعل التي حدثت طبيعية و ورادة منها مثلها كـ مثل أي عروس مكانها، وصلا أخيرًا إلى المنزل وجد الجميع في انتظاره، حاول " عبد الكريم " رسم البسمة على شفـ ـتاه رغم حزنه الشديد الذي يعتري قلبه، و لكنه قام بـ إخفائه بطريقة مثالية جدًا. جلست والدته و بدأت تحدثهم عن المقابلة تارة تصدق و تارة أخرى تُجمل الحقيقة، لم يستطع تكذيب والدته، جلس لمدة نصف ساعة تقريبًا ثم غادر المكان، تاركًا والدته تفعل ما يحلو له، أما هو ولج حجرته و قام بـ سحب صندوقه الخشبي المزخرف و بدأ في صُنع مشغولاته النحاسية التي يصنعها في البيت لـ يبيعها لأحد الزبائن بـ منطقة خان الخليلي في حي الحُسين . ❈-❈-❈ في مكان آخر و تحديدًا في منزل يمتاز بالفخامة و الذوق الرفيع، كان جالسًا في ردهة شقته يتابع أسعار الذهب و الفضة على شاشة حاسوبه النقال؟ عدل من وضع عو يناته الطبية، تنهد بعمق و هو يغلق الشاشة بمللٍ للقد هاجمته تلك الذكريات المؤلمة مرةً أخرى و التي على ما يبدو أنها لن ترأف به حتى بعد مرور تلك السنوات، عاشت حياتها بعد إنفصالهما بشكلٍ طبيعي، لم تعود له و لم تندم أو تُظهر أي ردة فعل، تريد أن يأتي هو غرورها و ثقتها العامية بحبه لها جعلها تتحلى بالصبر، لم ينسى ذاك اليوم الذي ولج فيه داخل عِش الز و جية المستقبلي تستقبل عـشـ ـيقها بكل برودة أعصاب، كانت تخبرهُ بأنه افضل مهندس للديكور و لن تثق في احدًا غيره لأنه زميلها منذ أيام الجامعة، وافق على مضض وترك لها حرية الاختيار لرسم عِش الز وجية كما تريد، قرر أن يذهب إلى هناك ليُعد لها مفاجاة و أن يخبرها بأنه تم تحديد موعد الزفاف رغم أنه عقد قرانه إلا إنها لم تجعله يقترب منها متحججة بأنها تخجل ولا تريد أن يأخذ شئ كهذا قبل الزفاف . تحنحنح و هو يعتدل في جلسته ما إن رَ والده يلج من باب الشقة و على وجهه ملامح لا تبشر بالخير أبدًا هوى على أقرب مقعد و هو يلتقط أنفاسه اللاهثة بسبب صعوده درج البناية بدلًا من المصعد الكهربائي . سأله ابنه قائلا بفضول - خير يا بابا مالك بتنهج كدا ليه و شكلك مش رايق خالص نظر والده لها و كأنه يؤكد حديثه بل و يزيد من نظراته التي تخبره أنه المتهم الأول فيما يشعر به الآن . رد والده و قال بصوت هادئ لكنه خلفه يتوارى غضبٍ شديد - بجد بتسألني مالي ؟ قال يعني مش عارف أنا مالي ؟ ماشي يا شهاب ها اقل مالي، أنا يا سيدي رحت خان الخليلي عشان ادور على حد بـ يصمم اكسسوارات بسعر مناسب و أشكال حلوة - و بعدين ؟ - و لا قبلين زي ما رحت زي ما جيت - طب و الولد اللي كان بيعمل لك الشغل بتاعك راح فين ؟ - قصدك عبد الكريم ؟ - اه - لا دا ساب المكان من سنتين و اشتغل في حتة تانية دا أنت حتى ما عرفش هو راح أي منقطة تابع والده بنبرة مغتاظة و هو ينظر إليه و قال - كله منك أنت سأله " شهاب " بدهشة و ذهول شديدان قائلًا - أنا يا بابا ؟ رد والده قائلا - ايوة أنت يا حبيب بابا لولا اصرارك إننا نمشي من السوق كنا زمانا عرفنا ناخد حتى نمرته و نتواصل معاه بس اقول إيه ربنا ابتلاني بـ واد هو اللي ابويا مش أنا !! ارتسمت إبتسامة صافية على وجه " شهاب" بسبب حديث والده، تنحنح و هو يربت على يده قائلا بنبرة حانية - يعني كان عجبك يا المكان الزحمة دا على العموم أنا هاتصرف و هحاول اوصل له رد والده صارخا - إمتى بقى يا حبيبي و رمضان على الابواب و بعدها العيد يعني مافيش وقت و الله أعلم بقى هيرضى يشتغل لنا شغل مخصوص و لا لأ ابتسم " شهاب" و قال بهدوء حد البساطة - بابا يا حبيبي الفلوس بتصنع المعجزات و هو ها يوافق يعمل أي حاجة و كل حاجة عشان دا شغله و هو أكيد محتاج لـ الفلوس و بعدين أنت مش واثق في ابنك و لا إيه أنا شهاب بهجت الشناوي يعني مش أي حد . - ماشي يا شهاب ها سيبك لك الموضوع وريني بقى ها تعمل إيه تابع بجدية مصطنعة قائلًا - قوم يلا حضر لنا لقمة حلوة نأكلها و لا معملتش أكل !! رد " شهاب" ضاحكًا و هو يقف عن المقعد قائلا - اكيد عملت هو أنا اقدر معملش دا اطرد من البيت و المحل دوق و ادعي - و لا ادعي عليك ما هو أنا عارف أكلك دا بيجيب تلبك معوي و بعمل غسيل معدة مرتين في اليوم ولج " شهاب" المطبخ المطلة على ردهة الشقة حيث تم تصميمه على الطريقة الإيطالية وقف يحضر الطعام و عيناه لا تبرح الموقود لكنه يحدث أبيه قائلا بنبرة متعجبة - و لما اكلي وحش اوي كدا إيه اللي غصبك عليه - قال إيه اللي رماك على المُر قال الأمر منه عقد " شهاب" حاجبيه و قال بتساؤل و على ثغره إبتسامة خفيفة - يعني إيه ؟ - يعني اكلك ما يتأكلش صحيح بس اهو احسن من أكل الشارع و المطاعم على الأ قل عارف دا مين عامله إنما التاني لأ تابع والد شهاب و هو ينظر إلى المجلات الموضوع على سطح المنضدة الخشبية و قال بفضول و هو يقبل بين صفحاتها - هو دا الكولكشن الجديد ؟ رد " شهاب" و هو يضع الطعام على حامل الطعام و قال بعدم رضا - اها بس مش ها تلا قي حاجة حلوة - معقول كل دا ما فيش فيهم طقم واحد عجبك ؟ - فيهم في حاولي تلا ته بس مش الواو اللي انبهر بيهم فاهمني - اه فاهمك طب و أنت ها تفضل مختفي كدا كتير ؟ خرج" شهاب " من المطبخ و أتى لـ والده جلس جواره ثم ناوله الصحن المخصص له و قال بعدم فهم - قصدك إيه ؟ - قصدي إن دي تاني سنة تغيب عن العرض السنوي و الناس بدأت تسألني شهاب ما بينزلش ليه فين شهاب ؟ - بابا حضرتك عارف إن أنا راجل مزاجي جدًا و مش أي حاجة تنزل اخدها و لا أي أنا بحب اجري ورا الشهرة و الصحافة، أنا بعمل اللي أنا برتاح له و بس و لأني مبحبش أبقى مقرر و الناس تحس إني ما نزلت جديد بفضل إني انزل كل سنتين احسن ما انزل كل سنة و أنا زي ما أنا مابغيرش حاجة . - ولاه أنت واجع قلبي في كل حاجة كدا و كل حاجة عندك ليها رد عشان كدا مش ها تعب قلبي معاك هات قوم اعمل قهوة دماغي ها تنفجر رد " شهاب " ضاحكا و قال - حاضر تابع والده قائلًا بتذكر قائلًا - صحيح أنت نازل إمتى ؟ - نازل فين ؟ - مش بقالك كام يوم بتنزل تروح النادي مع صحابك - لأ مش هنزل تاني - ليه ؟ - مش مرتاح معاهم ليه كدا إيه اللي حصل ؟ - مش عارف بس بحس نفسي مش مرتاح معاهم - بص أنا مش ها قدر اغصبك على حاجة و اعرف منك بس طالما أنت مش حابب تتكلم خلاص براحتك، عموما أنا ها ادخل انام شوية - طب و القهوة ؟ - لأ خلاص مش مهم لو ها تخرج متتأخرش - حاضر كاد أن يغلق شاشة حاسوبه النقال لكنه ضغط على احدى الملفات لتظهر صورتها أمامه وقف والده خلفه و قال بنبرة معاتبة - ليه مش عاوز تنسى ؟! ليه دافن نفسك في ذكريات وحشة زي دي نظر له " شهاب" و قال بنبرة ذاهلة - انسى ؟! انسى إيه بالظبط ؟! دا أنا كنت بحرم نفسي من إني أأقرب منها رغم شوقي و حبي ليها فاهم يعني إيه تلاقي حب حياتك و خطيبتك اللي هي كلها أيام و تبقي مراتك بشكل رسمي في حضـ ـن راجل غريب، عارف يعني إيه تتكـ ـسر قصادها قبل ما تتكـ ـسر أنت قصاد نفسك داست على قلبي و كرامتي و رجولتي، كانت عاملة عليا أنا شر يفة و تقولي أنت كتاب كتابك اه بس دا مايدكش الحق تقرب لي و أنا كنت بحافظ عليها أكتر من نفسي !! قال" شهاب " عبارته الطويلة بنبرة متحشرجة تملؤها الحزن و الآسى، بينما غادر ذاك الأخير لعدم قدرته على التكلم أكثر من ذلك، اختلا بنفسه داخل حجرته متخذًا وضع القرفصاء ليجبرهُ عقله على تذكر تلك الليلة الملعونة كانت مستلقية بجسدها داخل الفراش الوثير متوسدة صدر عشيقها العارِ، بينما ولج هو الشقة متجهًا حيث غرفتهما وقبل أن يضع يده على المقبض الحديدي وصل لمسامعه صوتها حين قالت - مبحبوش و مش عاوزاه بس مضطرة افضل معاه ماهو مافيش حل تاني - طب و أنا ؟! - أنت حبيبي و روحي و قلبي انما هو لا كان ولا هيكون و إن كان على مقابلاتنا هتفضل في السر زي ما هي لحد ما نشوف حل للوضع دا ما هو أنا بصراحة مش هفضل كدا كتير حتى لو بابا قـ ـتلني وقف متخشبًا مكانه لا يعرف مالذي يجب عليه فعله هل يغادر أم يلج و يواجههما الوضع الذي وقع فيه لا يحدث عليه تمامًا، حسنا سيغادر المكان دون أدنى مواجهة لا بل عليه يواجه بين هذا و ذاك وقفت هي عارية تمامًا محاولة جذب الشرشف من يد عشيقها لتستر بها جسدها لكنه رفض، دوى صوت ضحكاتها المكان لم يستطع التحمل اكثر من ذلك فتح الباب ليجدهما في حالة من التوتر و القلق نظر لها بنظراتٍ تملؤها السخط و الكره و قبل أن تتحدث بكلمة واحدة قال - كان ممكن الوث ايدي بد مكم ومأخدش فيكم ساعة واحدة سـ ـجن بس أنا هاخد حقي بالقانون منكم سألته بنبرة متعلثم قائلة: - قصدك إيه ؟! ابتسم لها بهدوء مريب - مبروك علكم قض\ية الز نا يا نريمان اقتربت منه وتوسلته قائلة: - شهاب ارجوك أنا آسفة و الله ما كان قصدي اخو نك شهاب أنا بجد آسفة استدار بجـ ـسده دون أن يعقب على حديثها بكلمة واحدة دفعها بعيدًا عنه لتسقط ارضًا اغلق باب الحجرة ثم قام بمهاتفة الشرطة لإثبات القض\ية، تحولت الشقة الهادئة التي كانت خلال أيام سوف تستقبل عروسان لأخرى مملؤء بالمباحث، نجح في اثبات قض\ية الز نا و بدأ والد ناريمان يركض خلف "شهاب" ليُنهي الأمر قبل أن يصل للصحافة والإعلام . تنفس بعمق وهو يغلق شاشة حاسوبه ثم نزع عنه عويناته الطبية عنه و القى بها على سطح المنضدة الخشبية، ود لو يمحي ما حدث من مخيلته و يعود لحياته التي اشتاق لها . ❈-❈-❈ على الجانب الآخر و تحديدًا في منزل " نبيلة " كانت تفرك بجـ ـسدها لم تنعم طيلة الليلة بالنوم دموعها لا تجف، كيف تــ ـتز وج من رجل لا يناسبها من جميع النواحي، لكل مقامًا مقال هي مؤمنة جدًا بهذه المقولة، فـ كيف يجرؤ على أن يتقدم لها، يا له من لعين لا يعرف قيمة من يتقدم لها، لا لن يتزوجها إن فعل ذلك فـ الانتحار هو الحل الأمثل في مثل هذه الظروف . مر يوم ثم يوم حتى مر ثلاث أيام و أتى موعد الخطبة و زفاف أختها، من المفترض أنها اسعد إنسانة على وجه الأرض و لكن هي اتعس إنسانة على وجه الأرض، تزوجت أختها بـ من تحب أما هي اجبرت على الزواج منه " عبد الكريم " شكلًا لا بأس به و لكن عندما يتكلم لا تريد أن تسمع صوته من الأساس، تشعر بأنها زوجة المعتوه أم أبله لا تعرف لكن ما تعرفه إنها لا تريده، مر الوقت و أتى موعد تقديم المصوغات الذهبية، مدت يدها و عيناها لا تبرح الأرض ليس خجلًا بل قهرًا مما اقدمت عليه ستــتز و ج من شخصًا لا تريده، رغم المصوغات التي تجاوزت العشر الاف جنية إلا إنها لا تريده أما عائلتها بأكملها تريده، انتهى من تلبيسها خاتم الخطبة و بارك لها فـ ردت بنبرة مقتضبة قا ئلة - شكرًا تلك الكلمة رغم بساطتها إلا إنها كانت كالخنجر في صـ ـدره، ابتسم ما إن رَ المصور اقبل عليهما أتى موعد الرقصة الأولى فـ رفضت و تحججت بالتعب مر اليوم بسلام رغم كل محالاوتها البائسة في تد ميرها، مر اليوم بسلام و عادت لبيتها و أختها عادت إلى بيتها الجديد كان والديها سعداء بمصوغاتها و حياتها التي ستقبل عليها و على أيام سعادتها معه اما هي كانت ترى أنه حِملًا ثقيلًا يجثو على صـ ـدرها ❈-❈-❈ في مساء اليوم التالي أتى " عبد الكريم " و معه الكثير من الحلوى و الهدايا جلست " نبيلة " و على وجهها غضبًا لا تعرف لماذا، بدأ يقدم لها الهدايا و قبل أن يرحل قامت بمشاجرة كبيرة قائلة - شقة إيه اللي تتدهنها بنفسك أنت بخيل و لا إيه ؟ رد " عبد الكريم " المتلعثم و جاهد ليحدثها بمخارج الفاظ منتظمة و سليمة كي تفهم عليه -أبدًا و الله أنا بس كنت فرحان بشقتي و عاوز اعملها بنفسي، خلاص متزعليش يا بلبلة قولي عاوزة إيه و أنا اعمل اللي يعجبك ردت " نبيلة "بجدية تطلب ما فوق طاقته كـ نوع من انواع الإجبار أو الرحيل بطريقة غير مباشرة - عاوزة شقتي تتعمل احسن من أي شقة - حاضر - و العفش كله يكون من أحسن المحلات و اغلاهم كمان - حاضر - و أنت ملكش دعوة بالشقة أنت كل اللي على عليك تدفع و بس فاهم ؟ - حاضر يا بلبلة هي مملكتك و أنا ضيف فيها و ضعت " ساق فوق الأخرى و هي تشعر بنشوة الإنتصار، على ما يبدو أن هذا هو ماتريده " نبيلة " أن تقود المركب بدلًا منه أن تصبح المسيطرة، أما هو نفذ لها أوامرها دون أدنى اعتراض منه. الوضع يزداد سوءً بينهما لذلك قرر أن يجاري الأمور، حتى تسير الأيام بشكلٍ أفضل، عاد إلى بيته سرد لـ والدته ما حدث بينه وبين خطيبته اغتاظت منه و من تصرفاته، حدثته و أخبرته بـ غضبها الذي تولد داخلها، لكنها كانت تحدث نفسها حتى وصلت إلى حلًا صائبًا ألا و هو أن تهاتف ز و جته المستقبلية و تقدم لها النصحية و ليتها لم تفعل هذا أو تفكر به من الأساس . ❈-❈-❈ في صباح اليوم التالي كانت والدة عبد الكريم في بيت نبيلة زيارة عادية، تبادلت فيها أطراف الحديث مع أفراد العائلة إلى جلست بمفردها مع " نبيلة" اتخذت دور المستمع حتى انتهت من حديثها، رحلت والدة عبد الكريم من بيت العروس، و تولت والدة نبيلة دس السم داخل عقل ابنتها، و نجحت بالفعل، تركت غرفة الضيوف و ولجت غرفتها تبحث عن هاتفها و نيران الغيظ و الغضب تلتهم عقلها و قلبها، تراقصت أناملها على لوحة المفاتيح، رفعته على أذنها و ما هي إلا ثوانٍ و بدأ صراخها يدوي المكان قائلة - كدا يا عبد الكريم كدا أ مك تقل لي أنا كدا، اهدأ اهدأ إيه و زفت إيه بقلك أمك جت هنا و قعدت تقولي بلاش مصاريف و وفري با حبيبتي و مش عارفة شكرًا يا أستاذ عبده كنت فاهمة إن قرار تنا من دماغنا تابعت بحزن مصطنع و هي تنظر لـ هدايها و قالت - تعال خد حاجتك و أوعى اوعى تكلمني تاني فاهم،و لا لأ ارتسمت إبتسامة تشفي ثم قالت بغنج بالغ - طيب يا عبده و ريني ها تعمل و ياريت تعرف أمك إنها متتدخلش في حياتنا دي خاصة بينا و بس ماشي مع السلامة ردت والدتها قائلة بشماتة ممزوجة بسعادة - ايوة كدا وريهم العين الحمرا، و عرفيهم إن الله حق دول فاكرين إننا ناس هبلة و لا إيه ؟ - خلاص يا ماما أنا عرفته إن أنا مش ها سكت لحد تاني أما نشوف ها يعمل إيه مع أمه ؟! ❈-❈-❈ على الجانب الآخر من نفس المنطقة كان " عبد الكريم" يتحدث و لأول مرة يحدثها بـ انفعال جحظت عيناها من هول المفاجأة، كيف، متى، و لماذا كل هذا الصراخ، هل يعقل أن ابنها فلذة كبدها يعنفها بعد أن قدمت النصيحة فقط النصيحة لزوجته المستقبلية، انتفضت ما إن قام بـ صفع باب الغرفة في وجهها لأول مرة مُنذ ولادته و حتى الآن . تركت لـ دموعها العنان لـ تنسدل و لأول مرة يكن السبب في نزولها هو " عبد الكريم " ❈-❈-❈ في منزل شقيقة نبيلة كانت تبكي حتى يغلبها النعاس، ما هذه الحياة المأساوية، ظاهريًا هي عروس لم تُكمل يومها الثالث و فعليًا هي فتاة اخطأت الاختيار و ندمت من أول يوم، و لن تستيطع البوح بهذا الحديث لأحد حتى لا تصبح علكة في فم الجميع، ولج ز و جها غرفة النوم وجدها تكفكف دموعها، لكزها في كتفها و قال من بين أسنانه حتى لا تسمعه والدته - قومي يلا اعملي الغدا اخواتي زمانهم جاين ردت " دعاء " بصوتٍ مختنق - حرام عليك يا وجدي أنا عروسة عاوزني اعمل أكل لـ خمستاشر نفر كتير اوي ما تخلي عندك د م وحس بيا و لم تكمل" دعاء " حديثها، قام بصفعها و جرها خلفه كالبهائم، متجهًا حيث المطبخ القى بها على اعتابه و قال بنبرة آمرة - عاوز سفرة تشرفني قدام أهلي و لم يُكمل. حديثه تفاجئ بها تقبض بيدها على مقبض السك\ين رافعة إياها تجاه، لتغرسها في .... يتبع الفصل الرابع ========= لوى " و جدي " ذراعها محاولًا فك السـ ـكين من قبـ ـضتها نجح بالفعل، و قال بغضبٍ شديد و هو يلكزها في كتـ ـفها قبل أن يغادر المطبخ لـ يستقبل عائلته: - ماشي يا دعاء ماشي حسابك معايا بعدين و اللهِ ما ها عديها على خير غادر المطبخ تاركًا إياها تبصق على ظهره٠ ضاربة بـ كل تحذيراته و تهديداته عرض الحائط، ولجت و بدأ تحضر الطعام و دموعها تنساب على خديها بغزارة، ولجت شقيقة زوجها و جدتها تبكي، ضـ ـمتها لحضـ ـنها و بدأت تهدئها حتى تسرد لها ما حدث و ليتها لم تفعل ذلك، كانا شقيقة ز و جها تستمع و بداخلها تتدبر مشاجرة جديدة، لتضع الخطوط الحمراء لها، انتهت العزيمة على خير هكذا ظنت دعاء, ولجت غرفتها لترتاح قليلًا من تعب اليوم، وجدت " وجدي " خلفها يجذبها من شعرها مرةً أخرى، نشبت مشاجرة جديدة، وصلت إلى التشابك بالإيـ ـدي من الطرفين، انتهت بـ مصالحتها عندما أراد حقوقه الشرعية فـ وافقت، وافقت ليس حبًا له بل تجنبًا لمشاجرة جديدة لا تعرف كيف ستنتهي فهو لن يهدأ حتي يقـ ـتل أيًا منهم الآخر ❈-❈-❈ في منزل" شهاب" جلس يدون احتياجاته الأسبوعية قبل أن يتجه إلى أحد المحالات التجارية، تذكرها و هو يدون قسم الخضراوت لاحت على شفـ ـتاه إبتسامة خفيفة، كلماتها غضبها، و إصرارها على رأيها نال إعجابه كثيرًا حرك رأسه و عاد يُكمل ما بدأه، ارتشف رشفات سريعة من كوب قهوته الفرنسية، ثم وقف أمام المرآة ينظر لصورته المنعكسة، ظهر ذاك الوشم الذي يزين يسار صـ ـدره، بكلماتٍ بسيطة أسفل صورتها عبر عن حبه لها، و ليته لم يفعل ذلك، لم يكن يعلم أن الحُب له وجهًا آخر كـ العملة، لم يشتاق لها و لم يريدها من الأساس هذا ما يقوله دائمًا لـ والده و لكن والده له رأيًا آخر و هو أنه إن أراد نسيانها عليه أولًا التخلص من وشمها، فكرة جيدة عادةً يفكر بها و لكن هو له رايًا مخالف لـ رأي والده ألا و هو أن هذا الوشم يذكره بـ غبائه و تسرعه لذلك كلما حاول التسرع في قرا رته نظر لـ الوشم و تراجع عن هذا القرار، منطق غريب لا يقتنع بهِ والده و لكن كما يقولون ما باليد حيلة. ❈-❈-❈ غادر غرفته و من البيت بأكمله، ليبتاع مستلزمات البيت، استقل سيارته و هو يتابع الطريق، توقفت سيارته في إحدى إشارات المرور ظل ينظر يمينًا و يسارًا، لفت نظره ذاك الشاب الذي يبحث عنه والده، حاول النداء و لكن قام الشرطي بفتح إشارة المرور، قرر أن يسير خلف سيارة الأجرة، و بعد معانأة استطاع أن يحدثه، ترجل " عبد الكريم و خطيبته" هي ذات الفتاة التي قابلها في أحد المحلات التجارية، هي لم تتذكره لأنها لم تكن تعرف أنه كان يتابع المشاجرة التي دارت بينها و بين إحداهن بسبب الزحام عند المحاسب الخاص بـ المحل، أما هو ظن أنها تعرفه و تتعمد تجاهله بسبب خطيبها، حاول ألا يلفت الأنظار و تبادل مع " عبد الكريم " أطراف الحديث حول أمرًا هام ثم أعطى له بطاقة التعريف خاصته، و قبل أن يغادر قال له - كدا معاك كل أرقامي حتى رقمي الخاص معاك كلمني ضروري يا عبد الكريم - حاضر يا أستاذ شهاب ربنا يسهل و اقدر اعمل لك اللي أنت عاوزه - إن شاء الله تابع بعتذار و هو ينظر إلى "نبيلة" و قال - أنا بعتذار على اللي حصل بس احنا حرفيًا بقالنا شهور بندور عليه ردت " نبيلة " بتلقائيتها المعتادة - اعتذار إيه بقى بعد ما السواق ما اخد الأجرة كاملة و احنا في نص المشوار كبح " شهاب" إبتسامته و قال بجدية - إيه رأيكم اوصل لكم لـ المكان اللي حابين تروحوا ؟ رد " عبد الكريم " قائلا بامتنان رغم ضيقه من جرأة حديث خطيبته - شكرًا أنا مش عاوز اتعبك معايا بينما قالت " نبيلة " و هي تقوده تجاه السيارة الفارهة - تعب إيه بس يا عبده ما هو كدا كدا هاياخدنا في طريقه صمت " عبد الكريم " بينما أزاح " شهاب" الحرج عنه و قال بجدية - زي ما قالت لك كدا، أنا ها خدك في طريقي استقل ثلاثتهما السيارة و بدأ الحوار يأخذ مجراه و معدل كل دقيقتين تقاطعهما "نبيلة" و تتدخل في الحوار، و قبل أن تصل إلى أحد المطاعم وجهت حديثها إلى " شهاب" - أنا كمان بعمل اكسسوارت زي عبده، حتى بص كدا دي حاجة بسيطة من تصميماتي اجبرته على النظر في هاتفها ليجدها هي نفسها التي تريدي كل ما تصنعه يـ ـدها، كانت تأخذ لنفسها عدة صور ثم تقوم بعرضها على الزبائن و إن نالت إعجاب ذاك الشهاب ستنتقل إلى عالمًا آخر كم تتوق شوقًا لدخوله . و يالها مصممة ماهرة جذبت انتباهُ من أول مرة لم يكن غريب عليها فـ هذا ما فعلته من قبل دون أي تكلف منها، كاد أن يحدثها لتتواصل معه لكن يد " عبد الكريم" كانت السبب الرئيسي في كتم طلبه قبل الإفصاح به اعاد يـ ـد خطيبته و بدأ يحدثه عن تحديد موعد لـ مقابلة والده فـ قال له - الوقت اللي يناسبك يا عبد الكريم احنا موجودين شوف حابب نبدأ شغل إمتى و اخنا معاك في أي وقت و مش هنختلف لوت " نبيلة " فمها و هي تعود بجــ ـسدها للخلف عاقدة ساعديها أمام صـ ـدرها، كل هذه التصرفات كانت أسفل ناظريه يتابعها من مرآة سيارته لم يكن متعمدًا لكنه كلما نظر خلف ليتابع الطريق وجدها تكتم غضبها، وصلا أخيرًا إلى المكان المنشود، ترجلا. من سيارته و هي تكاد تصرخ من فرط غيـ ـظها، لوح بيده لهما و غادر المكان، تاركًا إياها تتشاجر مع خطيبها على فرصة عمرها التي قطـ ـعها ذاك المخـ ـتل بتصرفاته و التي بررها بالغيرة و الحب فـ قابلتها بسخرية . و بعد معاناة طويلة في محاولة إرضائها وافقت على مضضٍ أن تغفر له ذنبه الذي اقترفه دون عمد و كأنه التعبير عن الحب و الغيرة أصبح ذنب لا يغتفر، ولج المطعم و بدأ في طلب كل ما لذ و طاب، لترضى ست الحُسن و الجمال أما هي لا تعرف لماذا تفعل معه ذلك هل لأنه متلعثم في مخارج الفاظه أم لأنه مغلوب على أمره من قِبل قلبه، دائمًا تسأل حالها عن سبب تغيرها تجاهه، لو عاد الزمن بها لتختار رجلًا آخر هل ستختار أحدًا غيره، فجأة و بدون أي مقدمات ابتسمت له و قالت بنبرة هادئة و كأن التي تجلس أمامه امرأة أخرى غير التي يعرفها - متزعلش مني يا عبده بس و الله غصب عني كنت حاسة إني متغاظة منك اوي ، أنا عارفة إنك بتحبني و بتغيير عليا بس ما هو أنت عارف إني بشتغل و بتعامل مع الكل كدا يعني مش جديد عليك شغلي و لا طريقتي في الشغل مع الزباين . رد " عبد الكريم " بنبرة تملؤها العتاب و الحب معًا و قال - ايوة بس بس أنا مش عاوزك تكلمي شهاب دا سألته بفضول - ليه هو مش كويس يعني يا عبده ؟ أجابها بالنفي قائلا - أمانة ربنا لأ بس أنا مش عاوزك تكلمي و خلاص ابتسمت وقالت بمشاكسة - بتغيير عليا يا عبده ؟ رد بذات الإبتسامة و هو يضع يـ ـده فوق يـ ـدها و قال: - و ليه لأ مش راجل و لا مش راجل -و سيد الر جالة يا عبده، متزعلش مني حقك عليا بس أنا محسبتهاش كدا أنا قلت لو عجبه حاجة كدا و لا كدا اعملها له واطلع بـ قرشين حلوين اكمل بيهم جهازي ما أنت عارف الظروف يا عبده - أنا ها ديكي اللي أنتِ عاوزاه بس بلاش تتعاملي مع اللي اسمه شهاب دا - خلاص براحتك طالما ها تعوضني عن الشغل اللي ضيعته لي يبقى ليه لأ حد يقول للراحة لأ ❈-❈-❈ على الجانب الآخر، و تحديدًا في منزل "دعاء" شقيقة " نبيلة " رغم مرور مدة قصيرة على ز و اجها لكنها ندمت أشد الندم على هذه الز يجة المتسرعة، جلس ز و جها يتجرع الخـ ـمور، الحبوب المنشطة، و يشاهد الأفلام التي أصبحت سببًا رئيسيًا في كل مشاجرة تتدور بينهما، أمرها بأن تأتي له ببعض المقبلات التي توضع مع الخـ ـمور وضعتها بعـ ـنف، و قبل أن تغادر المكان قبض على رسغها بقوةً، تأواهت إثر هذا الضغط حاولت فك قبـ ـضته المحا صرة لخـ ـصرها بعنف شديد و لكنها فشلت حـ ـملها و هو يترنح لم يستمع لـ صرا خها، تو سلها كي يتركها و لكنه لا يصغى لها أخذ حقه الشرعي ثم تركها و هو ينهرها و يسُبها سبابه اللاذع، بصقت على وجهه، لم تتحمل هذا العـ ـنف قامت بالإتصال على أختها، كي تنجدها، و بدلًا من أن تتغاضى عن العتاب و تفتح لها ذراعيها، وجدتها تؤكد لها ظنونها و تصرخ بوجهها، قامت بـ اغلاق الهاتف و القت بهِ على السرير، ظلت " نبيلة " تحاول الوصول إليها، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل، فـ لم تجد سوى أن تذهب إليها لـ تساعدها في هذه الأزمة . ❈-❈-❈ و بعد أقل من مرور عشر دقائق سيرًا على الأقدام وصلت إلى منزل شقيقتها، لم تتوقع "دعاء" زيارة أختها، حاولت أن لا تشكو لها، و لكنها وجدت نفسها، ترتمي بين احـ ـضان أختها تسرد لها كل شئ و دموعها تنساب على وجهها جلست " نبيلة " حافة الفراش و قالت بصوت مخـ ـتنق قائلة: - ينـ ـضرب في ايده ما يوعى، بس يا حبيبتي بس مش قلت لك بلاش العيلة الو ولج ز و ج أختها بعد أن استمع لحديث ز و جته مع شقيقتها، نشب بينهما خلاف كاد يصل للتشابك بالإيدي لكنها تمالكت أعصابها في اللحظة الأخيرة، قرر أن يضع ز و جته في اختيار ليعرف أيًا منهما ستختار، فـ بالطبع وقفت في صف ز و جها، فـ أمرها قائلًا بشماتة - قولي لأختك ما تتدخلش بنا و ياريت ما نشوفش وشها الكريم هنا تاني مفهوم !! تابع بنبرة خبيثة و هو يقف جوارها - اختك عاوزة تخر ب عليكي يا دودو، بتغيير منك عشان اتجو زتيني ردت " نبيلة " بإبتسامة ساخرة و عدم استيعاب مما يدور داخل الغرفة و قالت - و اللهِ هاغيير من مين أختي ؟! و اللي المفروض اغيير منه دا مين أنت ؟! ليه عمر الشريف و أنا مش واخدة بالي ؟! رد بنفسة النبرة و قال: - على الاقل لساني عدل مش زي سي عبد الكريم اللي بيقول كلمة و يغلط في عشرة ختم حديثه قائلًا بنبرة آمرة - قولي لأختك تحل عننا و تبطل تتدخل في حياتنا يا دعاء و إن مسيرنا لبعض دام الصمت لثوانٍ معدودة كانت " نبيلة" خلالهما عاقدة ساعديها أمام صدرها ناظرة له بتحدٍ و كأنها واثقة من اختيار اختها إلى أن وصل إلى مسامعها صوتها يأمرها بـ الخروج من البيت و من حياتها، أصابتها الصاقعة ظلت متخشبة تحاول أن تستوعب ما يدور، لـ يخرجها صوت ز و ج شقيقتها قائلًا بشماتة - يارب تكوني سمعتي كويس أنا و هي أحرار نحب بعض نضرب بعض احنا أحرار ما تتدخليش في اللي مالكيش دعوة بي - سامعة جـ ـوزك يا دعاء راضية عن اللي بيقوله دا ؟ - اه سامعة و راضية و ياريت تخليكي في حالك ياما بيحصل بين المتـ ـجوزين اغتاظ " نبيلة " من ردة فعل " دعاء" جذبت حقيبتها و قالت من بين أسنا نها -الهي تو لعوا في بعض و اللهِ ما هادخل تاني بنكم ختمت حديثها قائلة بغيظٍ شديد وهي تضربها على كتفها - خليه يبيع و يشتري فيكي براحته ما هو أنتِ اللي مرخـ ـصة نفسك يا رخيـ ـصة ❈-❈-❈ غادرت البيت و بداخلها نـ ـيران غيظ تُشعل عالم بأثره، تعلم طباعه جيدًا كان يعمل معها في ذات المحل الذي يعمل فيه " عبد الكريم" لكنه سئ السُمعة حاولت كثيرًا إبعاده عن شقيقتها لكنها فشلت على الرغم من أن شقيقتها " دعاء" اتممت عامها العشرين مُنذ ستة أشهر إلا إنها توصفها بـ الطفلة الصغيرة ذات التفكير المحدود، تكبر " نبيلة" عن أختها بـ خمسة أعوامًا فقط و لم تنجب والدتها بعد شقيقتها الصغرى نظرًا لمرضها و تقدمها بالعمر والدتهما لم تكن قريبةً منهن ما تفكر فيه دا ئمًا هو أن تز و جهما حتى تطمئن عليهن و ترى احفادها قبل أن يتجاوز بناتها سن الثلاثون و لم يزرقوا باطفال كما حدث معها، تفكير عقيم يدور بخلدها فـ الله سبحانه و تعالى يكتب لكل شخص رزقه، و علميًا تستطيع المرأة أن تنجب حتى سن الخمسين كل هذا قالته " نبيلة " لـ والدتها لكنها لم تصغى لها و تفعل ما يحلو لها . عادت إلى البيت و هي تعـ ـض على أ ناملها من الغيظ و عندما سألتها والدتها نكرت الواقعة و تحجت بشئ آخر، هدئت قليلًا ثم سألت والدتها عن تحضيرات الز و اج و ما يتعلق به بسطت يـ ـدها و قالت بجدية - منين يا حبيبتي إن شاء الله احنا يا دوب ها نجيب لبس الصيفي و شوية حاجات صغيرة و مش مهم تـتـ ـجو ز ي بالشتوي عشان الحمد لله مش معانا لا أبيض و لا اسود - يعني إيه يعني ؟! و الفلوس اللي كنت بحوشها معاكي و تقولي عشان لما يجي لك العريس نعرف نشرفك قدام أهله !! - جت جو از ة أختك و خدتها كلها كنت ناوية اعمل لك جمعية و اجهزك بيها بس أعمل إيه مش معايا تابعت والدتها بـ إقتراح قائلة - اقول لك روحي اشتغلي تاني -يا سلام يا اختي ما أنتِ عارفة إن عبد الكريم مش راضي بيقول لي أنا هاديكي مرتب الشهر بدل ما تروحي تشتغلي و تبهدلي نفسك - يا سلام يا اختي و دا من إمتى إن شاء الله بتسمعي كلامه كدا ؟ - يا ماما الواد غلبان معايا و صراحة ربنا بقى أنا جيت عليه كتير - طب يا اختي ربنا يهني سعيد بـ سعيدة احنا نكره - سيبك من سعيد و سعيدة و قولي لي ها تعملي إيه في جهازي ؟ - هي حكاية يا بت ما قلت لك ها نجيب كام جلبية على كام ترنج و خلصنا - لا ما خلصناش يا ماما عشان و اللهِ حرام عليكي ❈-❈-❈ خرجت " نبيلة" من غرفة والدتها و هي تتدب قدماها أرضا من فرط غيظها، ولجت غرفتها و جلست على حافة الفراش تهز سا قيها بقوةً شديدة و هي تكز على شفـــ ـتاها السُفلى لمعت فوق رأسها مصابيح الأفكار حتى وصلت إلى حلًا وحيد و لا شئ غيره التقطت هاتفها ثم قامت بالبحث السريع عن حساب " شهاب الشناوي " الشخصي قضت أكثر من ساعتين و هي تبحث وصلت أخيرًا إليه قامت بكتابة رسالة سريعة إليه و انتظرت الرد مرت ساعة ثم ساعتين ثم خمس ساعات كاملة حتى نال منها الإحباط ترك هاتفها جنبا و مددت جسـ ـدها و عيناها معلقتان على شاشة الهاتف، فجأة اتاها الرد في رسالة صوتية قائلا فيها ضغطت على زر الرسالة ثم قربته من أذنها لـ تسمعه يقول بصوتٍ هادئ - ازيك آنسة نبيلة آسف و لو الرد بتاعي جه متأخر بس أنا للاسف مش بفتح فيسبوك كتير طبعا يشرفني نشتغل مع بعض و عشان نعرف نتواصل بشكل افضل ها بعت لك رقمي الخاص ابعتي لي علي الواتساب جزء من شغلك و نحدد معاد مع بعض و نتقابل بعتذار مرة تانية كان نشط الآن في انتظار ردها، رغم أن رسالته مُبشرة بالخير إلا أن قلبها يحدثها أن ما تفعله سوف يغضب خطيبها، و في نفس الوقت هي بحاجة للمال فـ ماذا عليها أن تفعل حسمت قرار و ضغطت على زر تحسيل الصوت ثم أرسلت له رسالة قائلة ( بص أنا مش حابة عبد الكريم يعرف دا اولًا ثانيًا بقى هابعت لك شغلي كله حاضر ثالثًا و دا الأهم مش ها قدر اشتغل اكتر من عشر اطقم بس ها تاخد مني شغل ها تحلف بي، و آخر حاجة بقى معلش مش ها ينفع نحدد معاد و نتقابل اللي أنت عاوزه كله ابعته لي وسبني اخلص الخاجة و ها قل لك هاتخلص في قد إيه و التسليم إمتى و بعدها اقل لك تبعت لي الفلوس ازاي ) ضغط على زر الرسالة و بدأ يستمع لها حتى انتهت، ضغط على زر التسجيل و ارسل لها رسالته الأخيرة قائلًا: (آنسة نبيلة دا شغل يعني لازم نقعد مع بعض اتكلم معاكِ عن افكاري وعن متطلبات السوق و بعدها نحدد هنشتغل مع بعض ازاي، بعيدًا عن إن عبد الكريم يعرف و لا لأ دا يخصك أنتِ و هو مش أنا، انا ليا شغلي و بس عمومًا شوفي حابة نبدأ إمتى و عرفيني ) تنهدت بإحباط و هي تستمع لرسالته، لا مفر لا بُد من المقابلة ضغطت على زر الرسالة و طلبت منه تحديد الزمان و المكان، فـ وافق و عندما اخبرته بعدم معرفتها لـ المكان عرض عليها أن يصطحبها بنفسه فـ رفضت و قالت أنها سوف تتصرف، بعد مرور يومين من هذه المحادثات الالكترونية جاء اللقاء الاول بينهما كان جالسًا في أحد المطاعم الفاخرة ينظر بين الفنية و الأخرى في ساعة معصمه، بدأ يشعر بالملل، أتت أخيرًا بعد معاناة كبيرة، ولجت و على وجهها إبتسامة خفيفة توحي بالإعتذار وقف و صافحها اعتذرت منه بسبب تأخيرها قائلة - الطريق زحمة اوي و التاكسي طلع عيني على ما وصلني لهنا رد" شهاب" باسمًا - ما هو أنا قلت لك اخدك أنا رفعت " نبيلة " كفها قائلة بهدوء - لأ لأ كدا احسن كتير دا أنا كنت حاطة ايـ ـدي على قلبي أحسن عبد الكريم يشوفني و لا يتصل بيا - للدرجة خايفة منه ؟ ردت " نبيلة " مصححة له جُملته قائلة: - قصدك خايفة على زعله تفرق كتير من خايفة منه و خايفة على زعله و بصراحة هو إنسان محترم و بيحاول يعمل أي حاجة ترضيني يبقى ليه ازعله ؟ - طب و بتعمليها ليه دلوقت ؟. ردت بصوتٍ هادئ ونبرة تملؤها الحزن قائلة: - معلش بقى ظروف المضطر يركب الصعب حرك " شهاب" رأسه قائلًا بعدم فهم قائلا: - بتقولي حاجة يا آنسة نبيلة ؟ تنحنحت و هي تقول بجدية - لا ابدًا ما فيش قل إيه هي طلباتك ؟ عشان مستعجلة و عاوزة امشي - مش تشربي حاجة الاول ؟ و قبل أن تعتذر كان النادل يقف بينهما في انتظار طلباتهما، نظر " شهاب " لها و قال بإستفهام - تشربي إيه ؟ - عصير مانجا - و أنا قهوة مظبوط تركهما النادل يخططون لأول عمل مشترك بينهما كانت مستمعة جيدة، كانت معه رسوماته التي يريد تنفيذها، عارضته علي جزء منها بسبب اختلاف الخامات، كان إصراره عجيبًا في تنفيذها، حتى قامت بفتح هاتفها و ارسال عدة صور لها على حسابه و قالت بجدية و عملية - صدقني الخامة دي ما تنفعش نهائي ما الموديل دا أنا كنت مصممة لنفسي واحد بعته لك هو و شوية صور تاني شوفهم بنفسك و احكم قبل و بعد نظرت في ساعة معصمها و قالت بـ اعتذار - يااه الوقت اتأخر اوي مضطرة امشي معاك الصور شوف عاوز تعمل إيه و عرفني، لو مش مقتنع بشغلي يبقى اعتبر اتفقنا كأنه محصلش فرصة سعيدة إني شفتك و اتعاملت معاك مع السلام يا أستاذ شهاب لم تترك له مجالًا للحديث القت ما جعبتها و ذهبت كاد أن يصاب بالجـ ـنون من وراء تلك المجذوبة التي لم تجلس معه سوى ساعة كاملة لكنها تحدثت في كل شئ إلا أنا تستمع له، غادر المكان و عاد إلى بيته وجد أبيه يتابع مسلسله المفضل على شاشة التلفاز، و هو يرتشف قهوته الساخنة، جلس جواره تاركًا متعلقاته على سطح المنضدة الزجاجية، عاد برأسه للخلف مغمض العينين، فتحهما على سؤال والده و هو يقول بإستفسار - مين البنت دي يا شهاب ؟! تابع ممازحًا ابنه - الجو الجديد ؟ ابتسم " شهاب" و هو يقول بجدية قائلا - دي نبيلة خطيبة عبد الكريم يتبع الفصل الخامس ========= جلس جواره تاركًا متعلقاته على سطح المنضدة الزجاجية، عاد برأسه للخلف و هو مغمض العينين، فتحهما على سؤال والده الذي قال بإستفسار - مين البنت دي يا شهاب؟! تابع ممازحًا ابنه - الجو الجديد ؟ ابتسم " شهاب" و هو يقول بجدية قائلا - دي نبيلة خطيبة عبد الكريم رد والده مقاطعًا إياه قائلا بنبرة متعجبة _ و دي صورها على تليفونك ليه ؟ - لأ دي مصممة بتصمم اكسسوارات بطريقة حرافية يمكن دي أحسن واحدة شفتها بتعمل شغل عالي جدًا، كنت حابب اشتغل معها بس حسيت إن خطيبها مش موافق فـ سكت بس هي كلمتني امبارح و اتقا بلنا النهاردا - طب و عبد الكريم ؟ - ماله ؟ - اقصد يعني يعرف بـ المقابلة دي ؟ - لأ دا كان شرطها الأساسي إن خطيبها ما يعرفش بـ الا تفاق بتاعنا - طب ليه من الاول ؟ - بابا بص يا حبيبي هي شكلها كدا محتاجة لي عشان الفلوس و أنا محتاج لها جدًا، هي هتاخد اللي هي عاوزاه و أنا كمان ها اخد اللي عاوزه منها يبقى ليه لأ - نقي مصطلحاتك رد " شهاب " ضاحكًا و هو يقول بجدية قائلا - حاضر تابع والده قائلا بجدية - مش عاوزين نكون سبب أذية حد، اعمل شغلك بالطريقة اللي تريحك بس لو هتأذي حد يبقى بلاش منه أصلا - متقلقش ما فيش أي أذية إن شاء الله ❈-❈-❈ وقف والده عن الأريكة متجهًا حيث غرفته لـ يأتي له بمجموعة من الصور عله ينتقي أي شيئًا منهم، أما " شهاب" فـ وقف متجهًا نحو باب الشقة لـ يستقبل صديقته المقربة في العمل و المنزل، مال بجذعه للأمام بطريقة ساخرة و هو يشير بيده للداخل وقال بجدية - و أخيرًا ميرنا هانم قررت ترضى عننا و تيجي تجاوزته و على شفتاها إبتسامة عريضة اتجهت فورًا إلى غرفة المكتب لـ تأخذ ملف خاص بـ اجتماع الغد، خرج والده في ذات اللحظة التي و لجت فيها هي تلج، و هو يحمل بين يده مجموعة من الصور و قال: - جبت لك شوية تصميمات إنما إيه حكاية تابع بتذكر قائلًا - قل يا شهاب هي البت ميرنا ما بتجيش ليه بقالها فترة؟ رد " شهاب " محاولًا كبح ضحكاته ما أن رأها تخرج من باب غرفة المكتب، أشار بيده لـ تلج مرةً أخرى و هو يقول بجدية مصطنعة - مافيش يا بابا بس هي مشغولة مع خطيبها الفترة دي في تحضيرات الجواز - هي مخطوبة ؟ - اه -و أنت كنت عارف ؟ - اه ليه في ايه ؟ - يعني هي كانت بتيجي تسحب الاكسسوارت من المحل و هات يا بوجي و خد دا يابوجي و في الاخر تطلع مخطوبة و كمان قربت تتجوز !! بابا هو في ايه ؟ - في إني انا كنت ناوي اخطبها لك و بعمل معاك واجب و برسم فيك قدمها - لا يا حبيبي هي مش شايفاني غير اني اخوها و على طول تقل لي أنت زي اخويا - يعني انا اديها هدايا بـ 5الف جنية و في تقل لي زي اخوها !! تابع " شهاب " بنبرة مرحة و هو يتابع رسائل حسابه الشخصي على تطبيق ( الواتساب) و قال - معلش حصل خير اعتبرها هدية جوازها مش انت بتقول انك بترسمني قدامها اعتبرني انا اللي قدمتهم و صدقني مش زعلان نهائي - يا اخويا ما تو لع انت و زعلك انا مليش دعوة بيك انا ليا دعوة ب ال5000 جنية اللي خرجوا من المحل كدا على قلة فايدة ولاه البت دي ترجع الحاجة بدل ما اعرف مصر كلها انها خدتهم من غير فلوس قال زي اخوها قال و لما أنت زي اخوها عاملة زي المنشار ليه طالعة و اكلة نازلة . انتفض من مكانه و هو يُلقي بمجموعة الصور في وجه ابنه و قال بخوف مصطنع - إيه دا هي ميرنا هنا من إمتى من ساعة ما كنت بترسم عليا يا عمو، كدا يا عمو تضحك عليا و تقل لي المحل محلك و أنت عاوز تجوزني المُعقد دا - يا اختي و لما أنتِ هنا من بدري وسامعاني سايبني اغلط فيكِ ليه اوعي تكوني فاهمة اني هاسكت علي حق الواد الغلبان دا لو فاكرة ابني اهبل فـ ابوه مش اهبل قلبت شفتاها علامة الحزن المصطنع، جلست " ميرنا" جواره ثم وضعت يدها على كتفه و قالت بنغج بالغ - بقى أنت عاوزني اتجو ز الواد الوحش دا يا بوجي و اسيبك أنت يا روحي ؟! - ايوة يا اختي اضحكي عليا اضحكي، كل مرة بضعف قصادك و قصاد أ كلك - اااه أكلي قل لي بقى ماله أكلي ؟ - ما تقومي تشوحي حتتين لحمة كدا و سلطة بدل الكلام اللي لا بيودي و لا بيجيب دا ! ❈-❈-❈ وقفت " ميرنا " تاركة ملفاتها جنبا، ثم اتجهت إلى المطبخ لـ تعد وجبة الطعام التي يشتهيها والد شهاب منذ فترة، أما " شهاب" ترك كل شئ و سحب هاتفه ثم اتجه إلى القوقعة التي يعيش داخلها كـما قال له والده مرارًا و تكرارًا . ولج غرفته و بدل ثيابه، بأخرى بيتية كان يجوب الحجرة ذهابًا إيابًا و بين يده بعض الرسومات الخاصة بمعرضه الجديد، جلس على حافة الفراش، وضع الورق جنبا و بدأ يدقق النظر في مشغولاوتها النحاسية، أطال النظر فيها و في ملامحها الهادئة، بشرة بيضاء نضرة إثر اهتمامها بمساحيق التجميل و الروتينات اليومية لـ البشرة ، عينان عسلية اللون تشوبه العسل، و ماذا عن شفتاها الصغيرتان ذات اللون الوردي، ظل يمرر سبابته متفحصًا جميع صورها حتى غلبه النعاس قبل أن يتناول وجبته، و قبل أن تعرف "ميرنا" من تكون هذه الحسناء ذات الثوب الأسود الجذاب . ❈-❈-❈ على الجانب الآخر و تحديدًا منزل " عبد الكريم" لقد مر على خصامه مع والدته أسبوعًا تقريبًا، قرر أن يعتذر على طريقته الخاصة، ولج غرفتها وجدها تصلي فرضها، انتظرها حتى انتهت، ثم تناول يـ ـدها بين كفيه و قال بنبرة تملؤها الأسف - حقك عليا يا ست الكل نظرت والدته و لم تعقب على اعتذاره، ظل يحدثها و لم تعقب، بالكاد تفهم حديثه، كثرة الحديث تسبب له مشقة كبيرة، فـ لن تقبل بـ شقاء فلذة كبدها، ربتت على كفه و تقبلت اعتذاره بنبرة مقتضبة و كلمات صغيرة، لكنه رفض هذا القبول و بين هنا و هناك نجح في رسم البسمة على ثغرها مرة أخرى، و تم الصُلح بنجاح، ضـ ـمته لحـ ـضنه لتطمئن نفسها أنه مازال ابنها و لم يتغير، دس يـ ـده في جيب سرواله ليخرج مبلغ من المال، وضعه بين يـ ـدها و قال بجدية - دا مبلغ كدا صغير كسبته من الشغل الإضافي - ايوة يا عبده بس المبلغ دا قليل أنت كنت بتقول ها تأخد عشر الاف جنية، و دول ما يجيوش الفين جنيه - أصل أصل - اصل ايه ؟ اتكلم يا ابني راحوا فين ؟ عجز " عبد الكريم" عن الرد خوفًا من ردة فعل والدته، يخشى أن تحدث مشاجرة جديدة، نزعت والدته الحرج و قالت بجدية - شايلهم لوقت زنقة يعني ؟ - يعني حاجة زي كدا - و لو بتساعد خطيبتك مش عيب بس بردو تخلي قرش لنفسك - حاضر - يلا يا حبيبي غير هدومك و أنا. ها جيب لك العشا لحد عندك - لأ انا تعبان و عاوز ارتاح تصبحي على خير ردت والدته بشكٍ قائلة بإبتسامة عريضة - عاوز تنام بردو يا عبده ؟! تا بعت بجدية قائلة - عمو مًا براحتك يا حبيبي ❈-❈-❈ في منزل " نبيلة " كانت جالسة على حافة الأريكة تتابع حسابها الشخصي تستقبل و ترسل الرسائل، لم تعشق خطيبها و لا تبادله نفس المشاعر و لكنها تجبر قلبها أنا يقبل بـ الأمر الواقع لأن لا يوجد شخص أفضل منه و أما عن الحُب فـ سوف يأتي لا مفر إن لم يأتي الآن سوف يأتي بعد الز و اج، جاءتها رسالة صوتية من " شهاب" طالبًا فيها أن تحدد موعد لـ مقابلته في أقرب وقت ، قامت بتحديد الموعد في صباح الغد في أي مكان يناسبه بعيدًا عن أنظار " عبد الكريم " حتى لا يغضب مما تفعله، طلب منها أن تذهب معه إلى أحد المحال التجارية، ثم يذهبون لـ يبتاعوا المواد المراد استخدمها في صنع المشغولات اليدوية ❈-❈-❈ في مساء اليوم التالي و تحديدًا في المكان الذي حدده " شهاب" كانت جالسة مقابلته تلتفت يمينًا و يسارًا و كأنها مطالبة من قِبل الشرطة، اغتاظ من تصرفاتها نظر لها و قال - أنتِ كدا ها تخلي الناس تتكلم عننا مالك في إيه ؟ - خايفة حد يشوفني،و يروح يقول لـ عبد الكريم - أنا آسف يعني بس هو خطيبك ها يعرف صحاب بتيجي في مكان زي دا ؟!! ليه أنتِ مش شايفة منظر المطعم اللي احنا قاعدين في عامل ازاي؟! - الحظ عارف ناسه و مش عارف بتيجي لحد عندي و بتتعقرب ليه، عمومًا احنا محتاجين شوية حاجات فـ أنا هاشتريهم و بعد كدا نبقى نتحاسب، يلا نمشي بقى لو سمحت ! - اتفضلي خرجا الاثنان من المحل، متجهين إلى السيارة استقلت " نبيلة " بينما هو قال بتذكر و هو يفتش جيب حلته و قال بتذكر - أنا نسيت محفظتي، هروح اجيبها و راجع - تمام بس بسرعة عاد إلى المطعم من جديد، و لم يكن يعرف أنه ترك قنبلة موقوتة سوف تنفجر في وجوه الجميع ظلت تنظر حولها تارة و في ساعة معصمها تارة أخرى، طرق شاب طويل القامة عريض المنكبين على زجاج السيارة، ضغطت على زر النافذة، حركت رأسها بـ إستفهام و قالت - نعم ؟ - لو سمحتي ممكن تتطلعي بالعربية لأن محتاج اطلع عربيتي - طب ممكن تصبر بس ثواني صاحب العربية جوا بيجيب المحفظة و راجع على طول - حضرتك أنا مستعجل ممكن تطلعي أنتِ ورا ترجلت " نبيلة" من السيارة ثم اتجهت للأريكة الخلفية و جلست، وضع الشاب يده على صدره و كأنه يشعر ببوادر ذبحة صدرية كما قال . طرق هذه المرة زجاج السيارة بعنف و هو يقول بغضبٍ - أنتِ يا مدام بقل لك انزلي أنتِ و اركبي مكان جو ز ك و طلعي العربية من مكانها مش ترجعي لـ ورا - في إيه يا أستاذ براحة مش كدا و اعمل إيه يعني أنا بحسب - بقل لك اطلعي بلا بتحسبي بلا بتجمعي بدأت الناس تلتف حولهما و هو يُصر على أن تستقل السيارة بدلًا من " شهاب" ظلت تنظر إلى باب المطعم و لم تجده، فـ قررت أن تفعل قاله ذاك الشاب المتعصب، ظلت تعود بالسيارة حتى اصطدمت بسيارته و تتدمر الجزء الأمامي منها، بدأ يصرخ و صوته يعلو و لم تتحدث معه بل كادت أن تتشابك معه لولا تتدخل " شهاب" وقف بينهما و قال بجدية محاولًا فهم ما حدث، لـ يرد الآخر قائلا - الست مراتك بهدلت لي العربية و الله ما أنا سايبها و على القسم يعني على القسم ظنت " نبيلة " أنها ستنجو بسبب مكانة ذاك المعتوه الذي يقف أمامها كـ حصنها المنيع و لكن للأسف لا فائدة منه بعد أن ذل لسانها قائلة: - يلا يا حبيبي القسم و نعمل محضر قصاد المحضر كانت تظن عند ذِكر هذه الجملة سوف يتراجع و ينتهي الأمر لكنها اكتشفت أنها تحدث مجذوب لا يتفاهم مع أحد أمام سيارته جلست جوار " شهاب" و قالت بصوتٍ هامس - ما تتصرف مش بتقول إنك رجل اعمال و ليك ناسك فين هما إلا ما شوفنا حد منهم كز على أسنانه و قال بذات النبرة لكن يتخللها الغضب المكتوم - مش عاوز اسمع صوتك كفاية إن لحد دلوقت مش فاهم ازاي كسرتي العربية للراجل و قاطعته و هي تسرد له القصة من البداية قائلة - أنتِ بتعرفي تسوقي ؟ - لأ - و لما هو لأ بتسوقي العربية ليه ؟ -ما هو أنت نزلت و انا قعدت اقل له اصبر صاحب العربية جاي و هو يزعق خلصيني عاوز امشي قمت قلت اعمل ايه يعني قال انزلي و ارجعي لوراء قمت نزلت و رجعت قعدت ورا قام الراجل حط ايده على صدره و قال حاسس باعراض ذبحة و فجاة زعق و لم علينا الناس و قالي بقولك اركبي و ارجعي بالعربية لورا فأنا معرفتش اتصرف قمت رجعت بالعربية لورا و لازقت في عربيته قام اغمى عليه مش عارفة ليه اغمى عليه ما هو اللي فضل يصوت و يقول اتصرفي - عشان العربية اللي خطبيها دي بمليون جنية يا أستاذة مليون جنية ؟! و زعلان على خبطة هتكلفه 5000 جنية دا لو منه افرق الفلوس دي على الغلابة اللي زي - خفة دمك دي هي اللي جبتنا القسم هنا و ها ندفع احنا ال 5000 جنية ردت " بنبرة " مغتاظة قائلة - بقل لك إيه اتصرف خلينا نمشي أنا خايفة اهلي يسألوا عليا و لا حد يشوفني هنا دس " شهاب" وهو يتنهد بعمقٍ لـ يخرج هاتفه من جيب بنطاله حاول أن يفتحه لكنه فشل على ما يبدو أن فرغ شحن الهاتف، نظر لها و قال - هاتي تليفونك اعمل مكالمة - ماشي بس مطولش أنا لسه شاحنة كارت - هاتي هاتي أنا مش عارف أنا إيه اللي عملته في نفسي دا بعد مرور نصف ساعة من مكالمته لـ والده و المستشارة القانونية لمكتبه، كان " شهاب و نبيلة" خارج القسم بعد التنازل عن المحضر وقف والده يطالع تلك المجذوبة التي تركض خلف ابنه و تهدده و تتوعد له بعد قام بـ المشاجرة في قسم الشرطة مرةً أخرى -هو أنا لازم يبقى اسمي شاهندة عشان امشي من القسم يعني انا بقول كفاية لحد كدا عشان كلمة تاني و ها دخلك القسم تاني بنفسي اقسم بالله رد والده بجدية مصطنعة و هو يهمس بجانب أذنه براحة على نفسك يا استاذ أنتِ، قل لي مين الحلوة - مش وقتك خالص يا بابا و الله يلا نمشي من فضلك - ماشي يا اخويا اديني خرجتك من القسم عقبال ما تدخل القفص - هدخل قفص المحكمة ليه ؟ محكمة إيه يا راجل بعد الشر قصدي قفص الجو از بس أنت قول يارب تتدخله على ايدي حرك " شهاب" رأسه بنفاذ صبر و قال و هو يكز على أسنانه قائلا - مافيش فايدة تابع بجدية و هو ينظر إلى " نبيلة" و قال - اتفضلي اركبي عشان اوصلك - شكرًا مش عاوزة ها خد تاكسي احسن - مافيش تاكسي اتفضلي اركبي يا آنسة نبيلة و بعد إصرار منه استقلت السيارة معه جالسة جوار " شاهندة" المستشارة القانونية كانت تنظر لها بجانب عيناها، دار حديث طويل بين الجميع و هي مازالت تتابع في صمت حتى سألها والد " شهاب " قائلا - عندك محل خاص بيكِ يا نبيلة - لأ و الله لسه الخطوة دي بدري عليها أنا بس بشتغل كدا ما بين كل فترة و التانية - اها طب لو حد حابب يشتغل معاكِ يعمل إيه أنا شفت ابداعاتك و حقيقي نفسي اشتغل معاكِ - شرف ليا طبعًا بس اعذرني أنا ها صمم لـ شهاب بيه و بس لأن ردت " شاهندة " بنبرة ساخرة مقاطعة قائلة - طبعا البوص الكبير و ها يقدرها صح لم تتحمل "نبيلة " نبرة السُخرية الواضح من تلك الأخيرة، أمرته بـأن يتوقف في الحال، حاول امتصاص غضبها و الاعتذار لكنه فشل توقف بعد أن هدرت بصوتها بنبرة حادة جعلت كل من السيارة يرتعد من تصرفها الغير متوقع ترجلت و أشارت لسيارة أجرة، أما هو عاد و هو يجر خيبات الأمل خلفه، تسعون بالمئة هي لن تتعامل معه، لا شك أن حدث مشاجرة جديدة بينه و بين " شاهندة" بسبب تصرفها الغير لائق مع شخص لا تعرفه . ❈-❈-❈ بعد مرور عدة أيام كانت " نبيلة " تُنهي العقد الأول الذي أخذ منها وقتٍ و جهدٍ يفوق تصورها، ارتدته ثم قامت بالتقاط عدة صور لها، ثم ضغط على زر الإرسال و كتبت ( دا أول طقم انا بصراحة عجبني اوي يارب يعجبك بجد و لو عندك تعديل قل لي عادي ما فيش أي مشكلة) كان مستندًا برأسه للخلف يفكر كيف يراسلها استفاق من شروده على إثر صوت رسالتها اتسعت عيناه فرحًا ما إن وجدها تراسله و تخدث عن عمله، بل و بدأت في تنفيذها تراقصت أنامله على لوحة المفاتيح و كتب بسعادة ( تسلم ايدك حقيقي مش عارف اوفي حقك، انا ما عنديش أي تعديلات، أنتِ عملتي كل ملاحظاتي بل بالعكس عملتي أحلى منه كمان حقيقي أنتِ هدية ربنا ليا ) ابتسمت على مجاملته لمشغولاتها، ضغطت على زر تسجيل الصوت و بدأ ت تتحرك في الغرفة و هي تحدثه قائلة - عارفة إني اتأخرت بس أنا مشغولة مع عبد الكريم في تحضيرات الشقة، فـ يادوب بعمل حاجة واحدة في الأسبوع، متقلقش ها سلمك الشغل كله في معادنا . تبادل الرسائل النصية تارة و الصوتية تارة أخرى، حتى غلبهما النعاس و مدد كلا منهما في فراشه، الأيام تمر و علاقتها مع " عبد الكريم" تتحسن بشكلٍ كبير، احترامه و تقديره يجبرها على تبادل ذات المشاعر، فرحته تفوق الحدود عندما يعترف لها بالحُب فـ تخبره بأنها كذلك الأمر، أنا بقرارة نفسها تعلم جيدًا أن قلبها لا يكن له أي مشاعر سوى الإحترام، علاقتها بـ اختها تزداد سوءٍ بسبب ز و ج أختها، تشعر بالوحدة أحيانًا، تريد من تحدثه عن ما بداخلها والدتها لم تكن قريبة منها بالدرجة التي تجعلها تخبرها بما يعتمل بقلبها، الأيام تمر عليها كـ سنوات، الشئ الوحيد الذي يهون عليها وحدتها هي مشغولاتها، علا قتها بـ والدة عبد الكريم، تحسنت نسبيًا أم كنات حماتها فـ الغلاقة بينهما منقطعة قبل أن تبدأ، أمرها خطيبها عدم التحدث معه و لا التقرب منهن أبدًا، ❈-❈-❈ كانت جالسة في غرفتها تنهي العقد الثاني، و قبل أن تنهي الحلقة الأخيرة منه انقطع وتناثر في كل مكان، كادت أن تصيبها السكتة القلبية، سقطت دموعها بغزارة على تعبها الذي ضاع في مهب الريح، هذا العقد تحديدًا أعادته أكثر من خمس مرات و في كل مرة كانت تخبر " شهاب " بأنه سينبهر به، كان على موعدًا معها لتلقي أول دفعة من الحساب، ترفض المعاملات البنكية، تريد نقودها في يدها لتبتاع ما تريد، بدلًا من الروتينات الحكومية المملة، جلس مقابلتها يخفف عنها حزنها قائلا بصوته الهادئ - خلاص معلش بلاش تعملي التصميم دا اعملي واحد تاني طالما هو متعب اوي كدا ردت بنبرة مختنقة قائلة - هو كله تعب بس النتيجة في الآخر مُبهرة بجد أنا واثقة إنه كان هايعجبك اوي رد " شهاب " باسمًا قائلا بهدوء حد البساطة - اعتبر يني شفته و عجبني ردت بذات النبرة و قالت - بالسهولة دي - صدقيني أنتِ كل شغلك تحفة و حقيقي ما فيش اتنين اختلفوا عليه، ابعدي عن الشغل المُعقد خلينا في الحاجة البسيطة و الرقيقة تنهدت بعمق و هي تشيح بوجهها للنافذة ثم عادت ببصرها و قالت - عارف اللاعب لما بيلعب ماتش اعتزال و تلاقي بيلعب افضل ما عنده لأن دا ماتش اعتزاله و حابب يكون عمل حاجة راضي عنها يختم بيها تاريخه - اها - أنا بقى اللاعب دا، أنا عاوزة اعمل حاجة اختم بيها شغلي في المجال دا، أنا بقالي عشر سنين في الشغل دا بس حرفيًا اشطر واحدة تاخد منها شغل يبقى مش معقول لما شغلي يطلع في التليفزيون و يتعمل له عرض مخصوص الدنيا كلها تتكلم عنه يبقى عادي و بسيط !! رد " شهاب " بـ إقتراح قائلًا - طب إيه رأيك تبيعي لي أفكارك عقدت " نبيلة " مابين حاجبيها قائلة بنبرة متعجبة - يعني إيه ؟ -يعني اجيب مصممين من عندي تعلميهم كل اللي اتعلمتي خلال العشر سنين و تاخدي مقابل مادي كويس - مستحيل ابيع افكاري لحد مهما كان، أنت فاكرني إيه بحب الفلوس، لأ و ليا تمن كمان - ياستي العفو أنا بس بقول نشتري حقوق الملكية الفكرية مش اكتر - مستخيل - بصي عشان نختصر وقت بعض أنتِ تعلمي خمسة من المصممين بتوعي و ها اكتب لك المبلغ اللي تقولي عليه - أنا مش فاهمة في إيه بجد أنا مابعش مجهودي لحد شوف أنت عاوز إيه و أنا هاعمله لك - من غير فلوس يعني ؟ - ليه قالوا لك عني فا تحها سبيل ؟ طب ما هو انا بطلب انك تعلمي المصممين بتوعي !! - قلت لك لأ ماديش اسراري لحد أبدًا و لا حتى ابيعها نهائي - طب هادفع لك 20 الف رفعت " نبيلة " ذقنها للأعلى قليلًا، عاقدة ساعديها امام صدرها ثم وضعتهما على حافة المنضدة الخشبية و قالت بغرورٍ يليق بـ مصممة محترفة مثلها - للاسف انا اكبر من الرقم دا بكتير - 30 الف كويس - متحاولش صدقني بضيع وقتك على الفاضي - 50 الف و دا آخر كلامي -ماشيها 150 و يبقى الحمد لله على نعمة الرضا و بلاش نطمع في الكتير ضحك على قناعتها بالقليل، و قال بإيماءة من رأسه و قال بجدية - ماشي موافق بس ردت مقاطعة بجدية قائلة - حيلك حيلك أنت صدقت، أنا بهزر أنا لا يمكن ابيع مجهودي لحد نظرت " نبيلة " في ساعة يدها و قالت بجدية - يا خبر أبيض انا اتأخرت اوي، مضطر امشي و إن شاء الله ما فيش حاجة وحشة تحصل تاني - إن شاء الله خرجت من المطعم و هي تسير بجانبه، صامتة شارد تجمع و تطرح لتحصل على مكسب وفير لتُنهي احتياجاتها، استقلت السيارة و قادها حيث أقرب منطقة قريبة من بيتها، تخشى أن يعرف خطيبها، رغم مساعدته الد ائمة لها لكنها تحتاج إلى اكثر من ذلك بكثير، لا تعرف ما تفعله بمثابة خيانة له أم هي تباشر عملها فقط، احساسها بالذنب تجاه يجعلها تريد الإعتراف لـ عبد الكريم، و لكن تعلم جيدًا أنه سيرفض و يطلب منها الرجوع في ما تفعله و لكنها وضعت قدماها على بداية الطريق كيف تعود و تترك " شهاب" بمفرده بعد أن قام بكل هذه الدعايا و الإعلان وصلت أخيرًا و لكنها لم تكن تدري بشئ، هتف أكثر من مرة حتى انتبهت له، تنحنحت و هي تقول بعتذار - معلش ما اخدتش بالي - و لا يهمك واضح اني جبتك من آخر الدنيا - يعني حاجة زي كدا - طب أنتِ كويسة ؟ - اه الحمد لله، احم ممكن اطلب منك طلب ؟ - اكيد - بلاش نتقابل تاني - ليه صدر مني حاجة ضايقتك ؟ - لا لا و الله بالعكس أنت ذوق جدًا بس معلش عشان محسش إني بخون عبد الكريم - خيانة ؟! خيانة إيه احنا بنتقابل عادي و بنتكلم في شغل عادي يعني ؟! - انا مش قصدي الخيانة بالمعنى اللي جه في بالك إني اكدب عليه يبقى بخونه إني اعمل حاجة و هو مش حاببها و لا راضي عنها تبقى خيانة ابتسم لها و قال بهدوء - للدرجة دي بتحبي ؟! ترجلت قبل أن ترد على سؤاله ليس خجلا و لكن عجزًا عن إجابة سؤاله، هذا ما تحاول دائما الهروب منه و لكن كلما حاولت أن تحصل على إجابة منطقية فشلت في ذلك، عادت مرة أخرى قبل أن يغادر المكان و قالت - الحب بيجي بعد الجو از عقد حاجبيه و قبل أن يسألها سؤ الًا آخر فرت هاربة من أمامه، ابتسم على تصرفاته، أومأ برأسها حركة بلا معنى، اعاد تشغيل سيارته و قادها حيث بيته لـ يخبر أبيه ما حدث بينه و بين تلك المجذوبة التي بدأت تأخذ حيذٍ من تفكيره ❈-❈-❈ أما هي كانت جالسة في غرفتها تبدأ في العقد الثالث، بعد أن اتممت العقد الثاني للمرة العاشرة تقريبا، دققت النظر في الفص الذي يريد" شهاب" وضعه في منتصف العقد، أتاها اتصال من خطيبها، ابتسمت ما إن رأت اسمه، ضغطت على زر الإجابة و قالت بجدية مصطنعة علها تقنع نفسها بأنها كالعاشق و المعشوق اهلا عبده باشا اللي مشغول عني دايما، بقى كدا !!ماشي يا سيدي شكرًا، إيه عاوز تقدم معاد الجـ ـواز !! بلعت لعابها و هي تشعر بانقباض في قلبها لا تعرف لماذا ربما لأن لم تبتاع جميع احتياجاتها أو لقرب زفافها على من لا تريده . تنحنحت و قالت بجدية - طيب ليه الا ستعجال دا يا عبده ؟ ايه بقالنا 3 شهور، معقولة انا محستش بيهم و الله طب يا عبده تعال لـ بابا و شوف هايقول إيه، ماشي مع السلام و أنت من أهله . بعد أن اغلقت هاتفها جلست على حافة الفراش و في عقلها دارت الف فكرة، كيف، و متى تستطيع جمع هذا المبلغ، باقي على اتمام جهازها لايقل عن عشرة الف جنيه، و حتى الآن لم تتقاضى من " شهاب" جنيه خاص بها، ظلت تفكر حتى وجدت فكرة و كم تمنت أن تنجح هذه الفكرة، قامت بـ الاتصال عليه، قام بالرد عليها مباشرةً، ردت بلهفة قائلة: - عارفة إني. بتصل في وقت مش مناسب بس حقيقي مش عارف اعمل ايه، لا لأ اطمن مافيش حاجة ناحية شغلك كله تمام و الحمد لله، بص أنا عرفت إن عبد الكريم عاوز صمتت قليلًا عاجزة عن تفسير عجزها عن المال، اتاها صوته من الجهة الأخرى يحثها على التحدث، فـ قالت بجدية محاولة تجميل الحقيقة قائلة: - أنا محتاجة فلوسي كلها على بعضها، قبل ما تقول أي حاجة أنا عارفة إن لسه ليك شغل بس ممكن اكمله عادي بعد الجـ ـواز، اه ها تجـ ـوز خلاص عبد الكريم ها يحدد بكرا معاد الفرح مع بابا و بالكتير ها يكون بعد أسبوع أو عشر أيام، بجد شكرًا شكرًا جدًا يا استاذ شهاب مش عارفة اشكرك ازاي ربنا يكرمك يارب، اسيبك بقى عشان الحق اعمل اللي ورايا مع السلام ضمت الهاتف على صدرها و هي تتنهد بإرتياح شديد، نظرت لسقف الغرفة ثم تمتمت بكلماتٍ تشكر فيها ربها على. اتمام امنيتها على خير. ❈-❈-❈ في مساء اليوم التالي كان " عبد الكريم" جالسًا في غرفة الضيوف بمنزل " نبيلة" انهى كل التساؤلات المطلوبة بـ إتمام الز واج من حبيبته التي على ما يبدو أنها حزينك و لا يعرف لماذا، حاول معرفة السبب لكنها رفضت أن تعترف له بـ حقيقة الأمر، تناول الكعكة مع قدح الشاي الساخن، ثم غادر المكان برفقتها لـ يبتاع لها بعض الملابس الجاهزة، كانت تنتقي ما يلزمها فقط و ليس ما تستطيع جمعه، أما هو كان يخي لدرجة لا تجد لها وصف، كلما طلبت منه التوقف عن التسوق رفض و طلب منها عدم التدخل فـ هذه هديته و هو يريد اختيار كل شئ بنفسه، يشعر بأنها تحترمه أما الحُب ذاته لا يشعر به، رغم قدرتها الهائلة على التمثيل الرائع في رسم سعادتها و هي بجواره إلا إنه على يقين بأنها لا تحبه، برر لها بأنها ستعشقه بعد الز واج و كم تمنى أن يحدث هذا بالفعل . قضت أكثر من ثلاث ساعات في شراء كل ما يلزمها، عادت إلى البيت و تابعت عملها الذي تركته طوال اليوم، ولجت " دعاء" و جدتها منهمكة في عملها و لم تشعر بدخولها، جلست تنظر حولها و هي تقول بسُخرية - أول مرة اشوف عروسة بدل ما تقعد تهتم ببشرتها تقعد تعمل عقد و خواتم و اساور ! ردت " نبيلة " و هي مازالت تنظر لحباب اللؤاللؤ و قالت - اديكي شفتي ياختي - يا بت نظرك ها يروح من كتر التركيز - اعمل بحب شغلهم اوي يا بت يا دودو تابعت بسخرية و هي تنظر لها - و بعدين وهو أنا بجهز نفسي منين يا فالحة ما هو من الشغل اللي نظر ها يروح بسببه دا - بتكسبي حلو يا بت يا نبيلة ؟ - على حسب القطعة اللي بشتغلها و كل زبون و لي طلبه - طب ما تعلميني خليني اعمل أنا كمان ردت ساخرة و هي تضع حبة الخرز الزرقاء جنبا وتناولت أخرى تشوبها - ليه و حبيب القلب ما بيصرفش في البيت ؟ - بقول لك إيه و حياة ابوكِ أنا مش ناقصة أنا لسه متخانقة و على أخري منه - و إيه اللي مصبرك يا حلوة ما هو اللي طردتيني عشانه - اللي في بطني هو اللي مصبرني يا اختي و بعدين مايبقاش قلبك اسود بقى و تفضلي تذليني كل شوية - اخس عليكِ يا دعاء هو أنا لو قلبي اسود كنت رحت قلت لـ ابوكِ و امك و قلبتها فوق دماغ المحروس جوزك - ريحي دماغك يا اختي لا أمك و لا ابوكِ ها يعملوا حاجة امك ها تقول لك عيشي و استحملي يا ما بيوت حصل فيها كدا و ابوكِ هايقول أنا جوزتك عشان ارتاح منك مش عشان ترجعي بعد شهر و في بطنك عيل، اخلصي ها تعلميني و لا لأ - ها اعلمك بس بشرط ؟ - قولي - الفلوس اللي تطلع تشتري بيها حاجاتك أنتِ مش تروحي تديها لجوزك و يفضل عايش على قفاكِ - ياستي علميني خليني اكسب قرشين اشتري بيهم لبس الواد و لا تمن الولادة دا أنا طالع عيني و مش عارفة اجمع حقها - هي الولادة ها تكلفك كام ؟ - مش أقل من الفين - طب خدي دي الف خليها معاكِ - جبتي منين الفلوس ؟ - عبده ادهم لي النهاردا و قالي لو محتاجة حاجة و انا مش موجود - طب و الله واد جدع و غلبان شايفة يا اختي اللي مكنتيش راضية بي عامل مغاكِ إيه ؟ - رغم كل دا يا بت يا دعاء و لسه مش عارفة احبه - و عمل لي إيه يا اختي الحُب اديني بضرب نفسي بالجزمة على. اختياراتي تنهدت " نبيلة " بعمقٍ ثم قالت بحزن - مش كل الا خيتارا ت بتاعتنا بتبقى غلط، كان نفسي اتجـ ـوز اللي بحبه، مش عارفة ليه دايما ما باخدش الحاجة اللي بحبها، حتى الحُب - محدش بياخد أكتر من نصيبه يا نبيلة و عبده واد جدع اه لسانه تقيل و الكلام بيطلع منه بالعافية بس احسن من اللي اتجوزته غرقني حب و غرام و في الآخر بيصبحني بـ علقة و بيمسني بـ علقة - هو يا دا يا دا ماينفعش يبقى لينا حظ في الحُب - محدش بياخد كل حاجة خدتي واحد طيب و جدع و دا عندي احسن ما تاخدي واحد زي جوزي ادعي عليه اكتر ما بدعي له، اتجوزي عبده و اسحبي منه اللي تقدري عليه ترددت كلمات " دعاء" على مسامع أختها لـ تزيد من حيراتها، هل ستقع في حب " عبد الكريم " أم سيظل ز او ج صالونات، تأملتها طويلًا بينما أشارت لها بإيماءة من رأسها علامة التأكيد، ثم قالت بجدية - اسمعي كلامي تكسبي، عبد الكريم سخي و اللي في ايده مش لي و بيحبك كل ما تطلبي منه حاجة هايجب لك عشرة، جيبي دهب على قد ماتقدري و بدل خيره يروح لأمه و لـ اخواته تاخديه أنتِ و عيالك ياهبلة و سيبك من الحُب يا حبيبتي مبيأ كلش عيش جلستا تتحدثان في كل شئ يخص الحياة و تعليمها ثم غادرت شقيقتها تاركة إياها جالسة وحيدة تنهي العقد الثالث، شعرت بـ الملل، فقررت تركه و التصفح قليلًا على حسابها الشخصي، و قع أمام عيناها مجموعة من الصور الخاص بـ شهاب و هو في أحد العروض الخاص لأصحابه، ظلت تقلب في هذه الصور و بداخلها الف سيناريو ينسجه خيالها عن مشغولاتها و عن كيفية عرضه، يا لها من مجذوبة تحدث نفسها عن أحلامها التي ستنتهي مع انتهاء هذه النشغولات. تحدثت بخفوت قائلة - لو عبد الكريم يوافق بس اكمل شغل بعد الجواز كان الحال بقى غير الحال كان نشط الآن يُنهي بعض الاعمال العالقة قبل خلوده للنوم، رأى حسابها نشط الآن ايضا تردد في محدثاتها، كان يكتب الرسالة ثم يمسحها حتى قرر أن يغلق هاتفه نهائي، و قبل أن يفعل ذلك أر سلت له صور بها العقد قبل إتمام عملية القفل دقق النظر فيه و لم يشعر بالرضا عنه، و قبل أن يحدثها و جدها ترسل له صورة أخرى و رسالة صوتية تقول فيها ( طبعًا أنا بعت لك الصورة الأول عشان تعرف لو كان اتعمل زي ما أنت عاوز كان ها يبقى شكله عامل ازاي و لما أنا عملته مع تعديل و تبديل بسيط بقى شكله ياريت تثق فيا و تعرف إن دا شغلي قبل ما يبقى شغلك و حاجتك ) ضغط على زر التسجيل و قال ( طبعًا مش قصدي ا تدخل في شغلك نهائي بس حقيقي كل مرة بتبهريني بالشغل، وثقتي فيكِ بجد تفوق الحد، اعتبريني شغال عندك و بنفذ اوامرك لأن حقيقي أنتِ مبدعة و اسف لو بتعبك بتتدخلاتي الكتيرة ) ردت بتسجيل آخر و مازحته فيه قائلة ( مش مستهلة كل دا، دا شغلي و عموما أنا مبسوطة إنه عجبك و عقبال الباقي، اسفة لو بعت لك متأخر بس انا ببقى طول الليل سهرانة بخلص و مابصدق يخلص عشانه ابعته و حقيقي مابقدرش اصبر لتاني يوم ) ظلت التسجيلات تتبادل حتى طلوع الشمس، غلبها النعاس و هي تراسله، ارسلت له رسالة تعتذر منه قبل أن تغلق، وضعت هاتفها جنبا ثم مددت جسدها على الفراش و نامت بعد أن طمئنها قلبها أن كل شئ على ما يرام ❈-❈-❈ قبل الزفاف بيومان حاولت " نبيلة" الوصول إلى" شهاب" لكنه لم يرد على اتصالاتها، أرسلت له أكثر من خمسة عشر رسالة نصية و إلكترونية و لم تجد الرد تسرب بداخلها القلق، لا تعرف ماذا تفعل تريد جزء من المال لتُنهي المتبقي من عملها، دار بخلدها الكثير من التساؤلات ظنت أنه تهرب من دفع المستحقات المالية، ثم عدلت عن الفكرة و هي تؤكد أنه ليس هذا النوع من الرجال، أثناء ما كانت تحاول الإتصال به اتاها صوتٍ غير مألوفٍ بالنسبة لها من الجهة الأخرى، ترددت في البداية قبل أن ترد و هي تتنحنح قائلة بخفوت - مش دا رقم الأستاذ شهاب الشناوي؟ حضرتك والده اهلا و سهلا، لا ابدًا كنت محتاجاه في شغل، لا الف سلامة عليه، طب خلاص لما يصحى ابقى اكلمه تاني قامت بالضغط على زر القفل و قالت بصوت مختنق - و بعدين بقى اهو طلع تعبان اعمل إيه أنا بقى في اللي حصل دا ؟ بعد مرور نصف ساعة تقريبا، قامت بالرد على مكالمته و كأنه طوق النجاة، تنحنحت و قالت بهدوء - ازيك أنت عامل إيه، الف سلامة عليك، أنا عارفة إني رخمة في طلباتي بس و الله غصب عني، يااه واضح إن صوت تعبان اوي، إيه اجاي لك بيتك ؟ طب ما ينفعش مكان عام، اصل شكلها مش حلو يعني ؟ طب ماشي ممكن تبعت لي العنوان بالتفصيل شكرًا مع السلامة يتبع