السر اللى المحامى مخبيه

عسكري المحكمة زعق بصوت جهوري: «محكمة!». الكل وقف في مكانهم، ودخلت القاضية المستشارة ومعاها المستشارين المساعدين، وقعدوا على المنصة. الصمت اللي ساد القاعة كان مرعب، لدرجة إن صوت عقارب الساعة القديمة المعلقة على الحيطة كان مسموع.
المستشارة لبست نظرة القراءة، وفتحت الدفتر الكبير، وبدأت تنطق بالحكم: «باسم الشعب.. بعد الإطلاع على الأوراق والمستندات، ورعاية لمصلحة المحضون الفضلى، وحيث أن الأم قد قدمت ما يثبت غيابها القهري لأسباب مرضية، وحيث أن البيئة المادية والاجتماعية التي توفرها الأم وصية على الصغير تفوق بمراحل ما يمكن أن يقدمه الأخ الأكبر القاصر ماديًا.. حكمت المحكمة بقبول طلب المدعية فايزة السيد، وتسليم الصغير يوسف أحمد إليها فوراً، مع إلزام المدعى عليه طارق أحمد بعدم التعرض..».
«لااااااااااااااا!»
الصرخة دي ماطلعتش من يوسف، الصرخة دي طلعت من روحه الحبيسة. يوسف صحي على صوت الحكم وبدأ يصرخ بشكل مرعب، ويمسك في حديد المقاعد ويخربش في الأرض بأوافره لحد ما بدأت تجيب دم. عساكر المحكمة قربوا عشان ينفذوا الحكم ويسلموا الولد لأمه. فايزة قربت وعلي وشها ضحكة النصر، ومسكت يوسف من دراعه بعنف وهي بتقول: «تعالى هنا بقى، فضحتنا الله يفضحك!».
طارق في اللحظة دي اتجنن، زق العسكري اللي قدامه وجري على أخوه، وحضنه بكل قوته، وبقى يوسف بين إيدين طارق وفايزة بتشد من ناحية وصبري الدكش بيشد مع جثته الكبيرة. العساكر اتلموا على طارق وبدأوا يشدوه ويزقوه لورا، وطارق بيصرخ: «سيبوه! سيبوا أخويا! يا رب يا رب المظلوم ملوش غيرك! يا سيادة القاضية أبوس رجلك بلاش ده! دي هتقتله! دي عاوزة فلوسه!».
وسط المعمعة دي، والصريخ، والعياط، وخبط الشاكوش من القاضية اللي بتزعق: «نظّم القاعة يا عسكري! هاتوهم هنا!»، انفتح باب القاعة الحديدي الكبير بقوة وخبط في الحيطة وصوت الخبطة عمل صدى مرعب.
دخل من الباب راجل عجوز، بس هيبته تخوف بلد، لابس جلباب صعيدي من الصوف الفاخر، وعمة بيضا هرمية، وفي إيده عصاية أبنوس سنها فضة، وجنبه اتنين رجالة بحواجب معقودة ولابسين لبس صعيدي وسلاحهم باين تحت العبايات، ووراهم محامي كهل ماسك شنطة جلد ضخمة.
الراجل العجوز خطى جوه القاعة وعصايته بتضرب في الأرض الرخام رنّة ورا رنّة، وبصوت جهوري زي الرعد شق صمت القاعة وقال: «وقف التنفيذ يا سيادة المستشار! القضية دي ملعوبة، والورق اللي في إيدك ده تزوير في تزوير!».


