نرمين

الدكتور قال الجملة دي من هنا، والصالة اتقلبت لمشرحة. “الجنين مبيتحركش!”.. الكلمة نزلت على نيرمين وأبويا وأمي زي الصاعقة، مصطفى جوزي وشه اتقلب لقطعة دم، عروق رقبتها برزت وبقى ينفخ زي الطور الهايج، زق أبويا من سكتو وجري عليا، شالني بين إيديه وهو بيصرخ في الدكتور: “الحقني يا دكتور طارق، مريم هتموت مني، الحق ابني يا دكتور!”، الدكتور طارق، وهو راجل وقور وصاحب عمري ومصطفى والي كان جاي معانا أصلاً عشان يبارك ويهني ويفحصني بالسونار المحمول اللي معاه في الشنطة كنوع من المفاجأة، وشه جاب ألوان، فتح الشنطة بسرعة وطلع جهاز السونار الصغير، وحط الجل على بطني اللي كانت بتنزف خيط دم خفيف بدأ يبان على عبايتي، نيرمين كانت لسه قاعدة على الأرض، دموع التماسيح اللي في عينيها اتجمدت، وبصت لأمي بخوف حقيقي لأول مرة، أمي فادية حطت إيدها على بوقها وبدأت تترعش، أما أبويا رأفت ففضل واقف مكانه زي الصنم، مش مستوعب إن التمثيلية اللي كان فاكرني بلم بيها الليلة، اتقلبت لكارثة سودا.

​الدكتور طارق كان بيحرك القطعة بتاعة السونار على بطني وهو عاقد حواجبه، الصمت في الأوضة كان مرعب، لدرجة إن صوت أنفاس مصطفى العالية كانت مغطية على كل حاجة، طارق بص لمصطفى وهز راسه بيأس وقال: “النبض واقف تمامًا يا مصطفى، والنزيف شغال جوه، لازم نقلها المستشفى حالاً، الست بتضيع والرحم في خطر!”، مصطفى مسمعش باقي الكلام، شالني زي الطفلة الصغيرة وخرج يجري بيا على السلم، والدكتور طارق وراه بيفتح له السكك، في اللحظة دي، أمي فاقت من صدمتها وجريت وراهم وهي بتصوت: “يا لهوي! بنتي! مريم يا بنتي!”، لكن مصطفى التفت ليها على أول عتبة الباب، وبنظرة عين لو كانت بتقتل كانت شواتها، زعق بصوت زلزل العمارة كلها: “ورب العرش لو لمحت حد فيكم في المستشفى، أو شوفت وشكم تاني، لأكون شارب من دمكم! بنتك المجنونة دي حسابها معايا تقيل قوي يا رأفت، تقيل قوي!”.. وسابهم ونزل يجري على السلم، وركبني الكنبة الكنافة ورا في عربيتو، وطار بينا على مستشفى الشروق في المهندسين، والدكتور طارق سايق وراه وبيرن على المستشفى يجهزوا أوضة العمليات فورًا.

​في الشقة في شبرا، الوضع كان يغلي، نيرمين بدأت تصرخ بهستيريا: “أنا مكنش قصدي! هي اللي استفزتني! هي دايما بتعمل كده عشان تطلعني أنا الوحشة! يا بابا قول حاجة!”، رأفت قعد على الكنبة وفجأة حس بسنين عمره كلها بتنزل فوق كتافه، بص لبنته المفضلة، البنت اللي دمرت البيت بدلعها وأنانيتها، ولأول مرة في حياته، رفع إيده وضربها قلم طيرها على الأرض، القلم ده مكنش بس عشان مريم، كان قلم بيفوق بيه نفسه من غيبوبة تلاتين سنة من التدليل الأعمى، زعق فيها وهو بيبكي: “أخرب بيتك! أخرب بيتك يا شيخة! وديتينا في داهية! أختك بتموت وابنها مات بسبب غلك وسواد قلبك!”، أمي فادية قعدت في الأرض تلطم على وشها وتصرخ: “يا مصيبتي السودا! يا فضيحتنا وسط الناس! مصطفى مش هيسيبنا، ده ممكن يودينا السجن!”.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *