نرمين

أنا سمعت الكلام ده وحسيت بنوع من العدالة، بس الوجع اللي في قلبي على ابني وعلى رحمي اللي ضاع مكنش هيتداوى بالفلوس ولا بالانتقام، تالت يوم خرجت من المستشفى على كرسي متحرك، ومصطفى مسبنيش ثانية واحدة، وداني شقتنا الجديدة اللي كان مجهزها لينا، بعيد تمامًا عن شبرا وعن أي حاجة تفكرني بالماضي، نيرمين اتقبض عليها فعلاً، وبتهمة الجناية والتقرير الطبي الصادم من الدكتور طارق، اتحكم عليها بالسجن المشدد 7 سنين، وأبويا وأمي اضطروا يبيعوا شقة العمر عشان يدفعوا التعويضات القانونية والمصاريف اللي عوض فرضها عليهم، وبقوا عايشين في أوضة وصالة إيجار قانون جديد في أطراف القاهرة، منبوذين من كل قرايبهم والجيران اللي عرفوا قصتهم وبقوا يتفلوا في وشهم لما يشوفوهم.
مرت سنة كاملة على الحادثة، كنت بدأت أتعافى نفسيًا بفضل مصطفى وجلسات العلاج النفسي، وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة وبشرب الشاي مع مصطفى، جاله تليفون من المستشفى، مصطفى رد، وملامحه بدأت تتغير، الذهول والفرحة والصدمة كلهم ظهروا على وشه في نفس الوقت، قفل التليفون وبص لي وهو مش مصدق، وقال بصوت بيترعش: “مريم.. الدكتور طارق لسه مكلمني حالا من المستشفى..”.
أنا اتخضيت وقلت: “في إيه يا مصطفى؟ خير؟ طارق ماله؟”
مصطفى مسك كتافي والدموع نزلت من عينيه وقال: “طارق بيقول إن الملجأ اللي كنا مقدمين فيه على طلب تبني طفل من سنة.. وافقوا على طلبنا، وفيه طفل رضيع لسه مولود من يومين، أهله سابوه، والملجأ اختارنا إحنا بالذات عشان نكون أهله.. طارق بيقول الطفل ده شبهي وشبهك قوي يا مريم.. يلا بينا حالا!”.
فرحتي مكنتش سايعاني، لبست بسرعة ونزلنا، ركبنا العربية ومصطفى كان سايق وهو طاير من الفرحة، وصلنا الملجأ ودخلنا الأوضة، المديرة كانت شايلا طفل صغير ملفوف في بطانية بيضا، أول ما حطته في إيدي، الولد فتح عينيه وبص لي، وحسيت برعشة في كل جسمي، كأنه ابني اللي مات رجع لي تاني، بصيت لمصطفى وقلت له: “هنسميه يوسف يا مصطفى.. يوسف مصطفى”.
وإحنا خارجين من الملجأ والطفل في حضني، ومصطفى حاطط إيده على كتفي وبنضحك، تليفون مصطفى رن تاني، برقم غريب، مصطفى رد: “ألو؟ مين؟”، الصوت اللي جه من الناحية التانية كان صوت باكي، ضعيف، ومكسور تمامًا، صوت كنت عارفاه كويس قوي.. كان صوت أمي فادية، قالت بنشيج يقطع القلب: “يا مصطفى.. أبوس رجلك ورجل مريم.. سامحونا.. أبوك رأفت جاله شلل نصفي ومبقاش بيتحرك، ونيرمين في السجن حاولت تنتحر ومقطوعة من الإيد والرجل، إحنا بنموت يا ابني.. مريم تسمعني؟ خلوا مريم تسامحنا.. إحنا عايشين في جهنم!”.

