السر اللى المحامى مخبيه

​القاضية مسكت الأوراق، وبدأت تقلب فيها بتركيز شديد، وملامح وشها الصارمة بدأت تتغير وتتحول للتعاطف مع موقف الأم والمحامي. الأوراق كانت متستفة ومطبوعة وجاهزة، ومفيش فيها غلطة واحدة. طارق حس إن الحيطة اللي ساند عليها بتهد، وإن كل عرق عرقُه في سوق العبور، وكل ليلة نام فيها بطنه بتوجعه من الجوع عشان يسيب الأكل لأخوه، وكل جرح في رجله وهو بيجري ورا ميكروباص الشؤون.. كل ده بيتمسح في لحظة بشوية ورق وفلوس دفعها معلم خردة وتجار مخدرات زي صبري الدكش.

​أستاذة نادية، الإخصائية الاجتماعية، حاولت تتدخل وقالت بصوت هادي: «يا فندم، بصفتي المشرفة على حالة الطفل يوسف طوال فترة وجوده في دار الرعاية، الطفل مرتبط جداً بأخوه طارق، والولد بيعاني من رعب شديد من الأم، وطارق وفر له بيئة نفسية آمنة رغم ضيق الحال..». لكن المحامي قاطعها بسرعة وحدة: «العاطفة مش هي اللي هتعلم الطفل يا أستاذة، ولا العاطفة هي اللي هتوكل أكل صحي في أوضة فوق السطوح مليانة فئران ورطوبة. القانون بيقضي بمصلحة الصغير الفضلى، ومصلحة الصغير مع أمه اللي تقدر تعيشه في مستوى آدمي محترم، ومعاها شهادة طبية بتعفيها من مسؤولية الغياب».

​القاضية رفعت عينيها من الورق وبصت لطارق اللي كان وشه أصفر زي الليمونة وشفايفه بتترعش، وقالت له: «طارق.. هل عندك أي مستند رسمي ينفي الكلام ده؟ أو يثبت إن عندك دخل ثابت يكفي مصاريف مدرسة ومستشفى وتأمين حياة لأخوك؟». طارق بلع ريقه المر، وبص في الملف الكرتون الغلبان اللي في إيده.. مفردات مرتب من مطعم البيتزا اللي شغال فيه دليفري (ثلاثة آلاف جنيه)، ووصل إيجار الأوضة (خمسمية جنيه)، وكام صورة مطبوعة في استوديو شعبي للأوضة اللي دهنها بأزرق وملاية الديناصورات. الأوراق في إيده كانت بتبان تافهة وفقيرة ومخزية قدام الدوسيه الجلد الأسود بتاع فايزة.

​طارق اتكلم وصوته مخنوق بالدموع: «أنا معيش فلوسهم يا سيادة القاضية.. بس أنا معايا قلبي. أنا اللي شيلته وهو عنده ست سنين، أنا اللي كنت بغسل له هدومه، وأنا اللي كنت بذاكر له على ضوء اللمبة الجاز لما النور يقطع. أنا اشتغلت كل حاجة شريفة عشان ما أمدش إيدي لله، وعشان يوسف ما يكبرش يحس إنه قليل. الفلوس اللي بيتكلموا عنها دي فلوس حرام، صبري الدكش ده تاجر..». القاضية قاطعته بحزم: «الزم حدودك يا طارق وماتتهمش الناس بدون أدلة. المحكمة بتتعامل بالحقائق المادية اللي قدامها».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *