السر اللى المحامى مخبيه

السر اللي المحامي كان مخبيه وهيقلب الميزان كله كان محطوط جوه دوسيه جلد أسود رفيع، مسكته فايزة في إيدها وبصت لطارق بنظرة انتصار مسمومة، خلت الرعب يدب في أوصال الشاب اللي ضيع شبابه عشان لقمة عيش أخوه. القاضية ضربت بالشاكوش على المكتب بقوة، وصوتها الرخيم هز جدران القاعة: «هدوء في الجلسة! المحامي يتفضل يعرض مستنداته، والمدعى عليه يقعد مكانه وإلا هأمر بحبسه بتهمة إهانة هيئة المحكمة!». طارق شد الكرسي المقليوب وبإيدين بترتعش رجعه لورا وقعد، ونفسه العالي كان مسموع لكل اللي في الصالة، وبص على يوسف اللي كان بيترعش ودموعه نازلة في صمت وهو مغمي عينيه بإيديه الصغيرة مش عاوز يشوف أمه ولا يشوف الراجل الضخم اللي واقف وراها وبيضحك بصف سنان صفرا مخيفة.

​المحامي عدل النضارة على مناخيره، وخطا خطوتين بثقة تامة تليق بواحد عارف إنه ماسك القاضية من رقبتها بالأوراق، وقال بنبرة مسرحية: «يا سيادة المستشار، إحنا مش جايين نطالب بالحضانة لمجرد إن موكلتي هي الأم وبس، إحنا جايين ننقذ الطفل يوسف من عملية تزوير واختطاف مقنعة بيقوم بيها الأخ الأكبر. اتفضلي سيادتك، ده تقرير رسمي صادر من مستشفى معتمد، بيثبت إن الست فايزة السيد كانت بتتعالج في مصحة نفسية حكومية طوال الأربع سنين اللي فاتوا بعد ما أصيبت بصدمة عصبية حادة وفقدان مؤقت للذاكرة نتيجة حادثة قطار اتعرضت لها وهي رايحة تشتري طلبات لبيتها، يعني غيابها كان قسري وبسبب مرض وبأوراق رسمية مختومة بختم النسر!».

​الكلام نزل على دماغ طارق زي الصاعقة. مصحة؟ حادثة قطر؟ فقدان ذاكرة؟ طارق كان عارف إن أمه كانت بتجري ورا المقاولين وبتسهر في الكباريهات وسابتهم عشان تهرب مع الراجل اللي واقف وراها ده، والكل في الحارة عارف كده، بس الأوراق اللي في إيد المحامي كانت رسمية ومختومة، وده معناه إن القانون مش هيعترف بكلام الحارة، القانون بيعترف بالورق المكتوب. طارق وقف تاني من غير ما يحس وصرخ: «كدب! دي كدابة يا سيادة القاضية! دي كانت هربانة مع صبري الدكش اللي واقف وراها ده! اسألوا الجيران في عزبة الهجانة، اسألوا عم حامد البقال! دي سابتنا نموت من الجوع وبعتنا عشان الفلوس!».

​المحامي ابتسم بسخرية وبص للقاضية وقال: «شايفة يا سيادة المستشار؟ حالة الغل والعداء الواضحة اللي الشاب ده زرعها في نفسية الطفل الصغير؟ ومش بس كده.. اتفضلي سيادتك المستند الأهم.. ده عقد بيع وتنازل رسمي وموثق في الشهر العقاري، بيمتلك بموجبه الأستاذ صبري الدكش، زوج موكلتي الحالي، شقة تمليك مساحتها 160 متر في منطقة التجمع الخامس، وحساب بنكي باسم الطفل يوسف بمبلغ نص مليون جنيه كضمان لتأمين مستقبله وتعليمه في مدارس لغات، في حين إن الأخ طارق، زي ما هو مثبت في أوراق الشؤون الاجتماعية، أجر أوضة وصالة فوق السطوح في باب الشعرية، وحمّام مشترك مع سكان السطح، وبيشتغل دليفري وحمال في سوق العبور، يعني بيعرض حياة طفل في مرحلة نمو للخطر والتشرد البيئي والاجتماعي!».

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *