السر اللى المحامى مخبيه

​في اللحظة دي، فايزة قامت وقربت من يوسف بخطوات بطيئة وهي بتعيط وتمسح دموعها، ومدت إيدها ليه وقالت بصوت مسكنة: «تعالى في حضن أمك يا يوسف.. وحشتني يا قلب أمك، الأيام ظلمتني وخدتني منك بس أنا رجعت عشان أعوضك عن كل اللي شفته». يوسف صرخ صرخة هزت أركان المحكمة، واستخبى بكل جسمه ورا كرسي الإخصائية الاجتماعية وهو بيزعق: «لااااا! مش عاوزك! انتي مش أمي! أنا عاوز طارق! طارق هو اللي أبويا وأمي! طارق مش هيسيبني!».

​الواد الصغير كان بيترعش بطريقة هيستيرية، ونفسه بدأ يضيق، وأستاذة نادية حاولت تهديه وتهزه في حضنها، بس يوسف كان عينه على طارق، بيبص له بنظرة رجاء واستغاثة، كأنه عصفور بيغرق وبيتمنى إيد أخوه تطلعه. طارق حس بنار بتاكل في صدره، وبص لفايزة وصبري الدكش اللي كانوا بيبصوا له بابتسامة شماتة رخيصة، المحامي بتاعهم همس لفايزة بكلمة وخلاها ترجع تقعد بثقة.

​القاضية Álvarez (أو المستشارة نادية في سياقنا المصري) خبطت بالشاكوش تاني وقالت: «رفعت الجلسة للمداولة وإصدار الحكم بعد نصف ساعة».

​القاعة فضيت من الهيئة، وبقى طارق ويوسف والإخصائية في جنب، وفايزة وصبري ومحاميهم في الجنب التاني. صبري الدكش قرب من طارق ببطء، ونفخ دخان سيجارته في وش طارق وقال بصوت واطي ومبحوح مليان تهديد: «شفت يا شاطر؟ اللعب مع الكبار واعر. أخوك الصغير ده هيجي معانا، ومش عشان إحنا بنحبه.. لأ، عشان الواد ده ورث من جده صك أرض في الصعيد تسوى ملايين، وأمه مكانش ينفع تضع إيدها عليها من غير ما يكون الولد تحت وصايتها. يعني تعبك الأربع سنين اللي فاتوا دول.. إحنا اللي هنجني ثمارة. لو شفت وشك تاني حوالين البيت أو المدرسة، هرميك ورا الشمس، وإنت عارف صبري الدكش يقدر يعمل إيه».

​طارق حس إن الدنيا اسودت في عينيه. الموضوع مش موضوع أمومة ولا ندم، الموضوع سبوبة وملايين وأرض في الصعيد! فايزة سابيتهم لما كانوا جعانين ومش حيلتهم لقمة، ورجعت لما عرفت إن الولد وراه ورث من جده اللي مات ومكانش يعرف عنهم حاجة. طارق بص لصبري وعينيه بقت حمرا زي الدم، وكان عاوز ينط في كرشه وينهي حياته، بس نظرة يوسف الخايفة وقفته. لو عمل أي جناية دلوقتي، يوسف هيضيع للأبد ومحدش هيرحمه.

​مرت النصف ساعة كأنها نص قرن من العذاب. طارق كان قاعد على الكرسي الخشب، حاطط راسه بين إيديه وبيصلي في سره، بيدعي ربنا بكل سجدة سجدها وهو تعبان، بكل قرش حلال جابه بعرق جبينه، إن ربنا ما يكسرش قلبه ولا يتمم فرحة الظالمين. يوسف كان نايم على حجر الإخصائية الاجتماعية من كتر التعب والعياط، بس إيده الصغيرة كانت متبتة في طرف قميص طارق الأبيض.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *