وقف احمد زى اللوح

“أروح؟” سألته.

عصام هز راسه بالرفض: “ده كارت أخير بيلعبه عشان يستعطفك تنازلي عن القضايا قبل جلسة الحكم الأسبوع الجاي.”

بس حاجة جويا.. حاجة قديمة كانت عايزة تقفل الباب ده للأبد، قالتلي اذهبي.

سيبت مريم مع جارتي الطيبة، وأخدت تاكسي للمستشفى.

الأوضة كانت ريحتها مطهرات وأجهزة بتعمل صفير منتظم. أحمد كان راقد على السرير، شكله اتغير تماماً.. خاسس للنصف، وشه أصفر زي الورق الميت، تحت عينيه أسود، وتركيبات المحاليل في إيديه.

أول ما دخلت، فتح عينيه بالعافية وابتسم ابتسامة مكسورة.

“جيتي يا ندى..” صوته كان حشرجة طالعة من البئر.

وقفت بعيد عنه بمترين، حاطة إيدي في جيوب بالطويا: “عايز إيه يا أحمد؟ عصام قال لي إنك بتموت.. بس أنا عارفك، أنت بتعرف تمثل كويس.”

أحمد ضحك ضحكة ضعيفة تحولت لسعلة مجهدة.

“ما بقاش فيه وقت للتمثيل يا ندى.. السرطان كان في جسمي من سنتين.. وأنا داريت عن الكل.. حتى أمي..”

اتسمرت في مكاني.

“أنت بتقول إيه؟”

“أيوه..” أحمد كمل وهو بيكافح عشان يتنفس.. “التحاليل اللي عملتها من سنتين أكدت إن عندي سرطان في الدم في مرحلة متقدمة.. والدكاترة قالولي إن أيامي معدودة.. عشان كده.. عشان كده كنت مستعجل أمن مستقبل العيال وأقلب الأسهم باسمي وباسمهم قبل ما أموت وعمي ياكل حقي!”

“والتزوير؟ والكدب؟ وأنا؟” صرخت فيه بصوت خافت.

“أمي هي اللي خططت لكل حاجة من الأول لما عرفت إنك مش بتخلفي وسكتت.. وهي اللي اتفقت مع منى.. أنا وافقتهم عشان كنت خايف.. خايف أموت وأسيب العيلة من غير وريث يشيل الشركة قصاد عمي حسنين..” أحمد دمعه نزلت من عينه على المخدة.. “أنا ظلمتك يا ندى.. ظلمتك وعارف إن ربنا بيخلص منك دلوقتي..”

قربت من السرير خطوة واحدة: “وليه القسوة دي معايا وفي الطلاق؟ ليه كنت عايز ترميني وتنقيلك عيل؟”

أحمد بصلي بعيون مليانة الندم: “عشان كنت عارف إنك لو عرفتي الحقيقة وأنا عايش هترفعي قضايا وتفضحي كل حاجة والشركة تضيع.. كنت عايز أبعدك بأي طريقة وأديكي قرشين تعيشي بيهم.. بس أنت طلعتي أذكى مني ومن أمي..”

سكت لحظة، وأجهزة القلب بدأت تصدر صفير متسارع وغريب.

مسك طرف الملاءة بإيده المترعشة: “ندى.. سامحيني.. أرجوكي سامحيني عشان أعرف أموت مرتاح..”

بصيت له.. الراجل اللي عشت معاه عشر سنين، الراجل اللي حبيته وقاسيت عشانه.. طالع قدامي مجرد حطام إنسان خايف من الموت ومن الحساب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *