بنت الديب

الدموع كانت محبوسة في عينكِ، مش عجز، لا ده غل وقهر بيحرق في صدرك وأنتِ شايفة ضهره بيبعد، وعبايته السودة بتجر وراها هيبة تخوف بلد بحالها. رجالة عيلة البرنس لموا نفسهم وانسحبوا وراه في هدوء مرعب، زي ما يكونوا متعودين إن كلمة سليم العجوز سيف على الرقاب ومحدش فيهم يجرؤ يسأل هو ليه مسابكيش سايحة في دمك زي بقية الرجالة. السبتية كلها كانت ساكتة، حتى الهوا وقف، ومفيش صوت غير صوت نفسك العالي المخنوق والسكينة اللي وقعت من إيدكِ بتترن على الأرض الأسفلت المغرق دم.
​وقفتي لوحدك في وسط الساحة المهدودة، حواليكِ ج*ثث رجالة أبوكِ اللي ضحوا بعمرهم عشان يرجعوا هيبة عيلة الغول، الكسرة كانت مريرة، بس الكلمة اللي قالها في ودنك “يا قمر” كانت بترن في عقولك زي جرس القيامة، كلمة مش ركيكة، دي كانت طالعة منه بنبرة فيها ثقة تذل، نبرة واحد عارف إنه امتلك روحك وحياتك بمجرد إنه قرر يسيبك عايشة.
​لميتي اللي باقي من كرامتك بالعافية، ورجعتي على بيت أبوكِ، البيت الكبير اللي كان دايماً عمران بالناس والرجالة، ودلوقتي مفيش فيه غير السواد والخوف. قعدتي على الكرسي الخشب الكبير بتاع الديب، الكرسي اللي قعد عليه سنين يحكم ويأمر، وبصيتي لإيدكِ اللي لسه بتترعش من قلة الحيلة. دخل عليكي “عم محروس”، دراع أبوكِ اليمين والراجل الوحيد اللي فضلك من ريحة الحبايب، كان دراعه مربوط بشاش أبيض عليه بقع دم، وعينه مكسورة وهو بيبص للأرض ومش قادر يحط عينه في عينكِ.
​قالك بصوت مبحوح: “الرجالة تاهت يا بنت الديب.. سليم العجوز كسر ضهرنا النهاردة، والناس في السوق بدأت تتكلم إن عيلة الغول خلاص، عمرها انتهى”. قمتي وقفتي بطولك، والغل اللي في عينكِ خلاه يرفع رأسه بذهول، وقلتِ له بنبرة ناشفة زي الحجر: “عيلة الغول متموتش يا محروس، سليم العجوز مسابنيش عايشة عشان يذلني، هو سابني عشان فاكر إني حتة عيلة مش هعرف أقف على رجلي تاني.. ورب العزة لأخليه يندم على اليوم اللي قرر فيه يرحمني”.
​من الليلة دي، كل حاجة اتغيرت في حياتكِ. قفلتي عليكي أبواب البيت الكبير، ومبقتيش تظهري في السوق. السبتية كلها افتكرت إنكِ سلمتي النمر، وإن عيلة البرنس بقوا هما الملوك بلا منازع. بس الحقيقة إنكِ كنتِ بتولعي في النور الواطي. محروس بدأ يجمع لكِ شباب جديدة، ناس ملهاش ضهر وعايزة تشتري لنفسها اسم، وكنتِ بتوقفي معاهم بنفسك، بتدربيهم على الس*لاح الأبيض والنار، وبتتعلمي إزاي تضربي ضربة متخيبش. مبقتيش البنت اللي بتترعش من صوت الرصاص، قلبك مات، أو بمعنى أصح، سليم العجوز ق*تل البنت اللي جواكِ وساب مكانها وحش بيفكر في حاجة واحدة بس: الانتقام.
​مرت سنة كاملة، وسليم العجوز مسيطر على التجارة، كلمته مبتقعش الأرض، بس كان فيه حاجة غريبة بتجننه؛ كل ما عيلة البرنس تدخل في صفقة سلا*ح أو بضاعة كبيرة، كانت بتطلع لهم مشاكل من تحت الأرض. مخازن تتحرق، وبضاعة تتثبت في وسط الطريق من غير ما حد يعرف مين اللي ورا الموضوع. سليم كان قاعد في مكتبه الفخم، السيجار في بقه، وعينه على الخريطة بتاعة المخازن، وقدامه “راضي” دراعه اليمين وشيطان عيلته. راضي قال له بقلق: “يا سليم بيه، الموضوع مبقاش صدام عشوائي، دي شبكة بتتحرك بحساب، ومحدش بيسيب وراه أثر، بس فيه إشاعة هربانة من وسط العيال في السوق.. بيقولوا عيلة الغول رجعت ترفع راسها”.
​سليم ضحك ضحكة رجت المكتب، ضحكة هادية بس مرعبة، وافتكر البنت الصغير اللي سابها من سنة وهي بتترعش ودمها مغرق وشها، وقال بنبرة غامضة: “القطة كبرت وبقى ليها ضوافر؟ ماشي يا راضي.. سيبهم يلعبوا شوية، أنا عايز أشوف عودها نشف ولا لسه طري”.
​وفي ليلة شتا تلتج، والمطر مغرق شوارع القاهرة، كان فيه شحنة تقيلة داخلة لعيلة البرنس من ناحية الملاحات. الشحنة دي كانت هتنقلهم نقلة تانية خالص وتخليهم فوق الحكومة وفوق السوق كله. سليم العجوز مكنش متعود ينزل بنفسه في الشغل الصغير، بس المرة دي حس إن فيه حاجة مش مظبوطة، فقرر ينزل مع رجالته. العربيات النقل الكبيرة وقفت في مكان مهجور ورا الملاحات، والرجالة بدأت تنزل الصناديق في وسط الضلمة والمطر اللي بيجلد الوشوش.
​وفجأة، النور كله انقطع، وكشافات عربيات نص نقل لفت المكان كله في ثانية واحدة، وظهرت رجالتكِ من كل حتة زي الشياطين، محاوطين عيلة البرنس من كل اتجاه. الضرب بدأ في ثانية، صوت الرصاص كان بيغطي على صوت الرعد في السماء. رجالتكِ الجداد كانوا بيتحركوا بأوامركِ، مبيخافوش، داخلين ياكلوا الأرض.
​في وسط المعمعة دي، سليم العجوز كان واقف مكانه، مبيتحركش، مس*دسه في إيده وبيصطاد اللي يقرب منه ببرود قاتل، لحد ما شاف خيال مميز بيقرب منه وسط المطر. خيال بنت لافة شال أسود على رأسها، وفي إيدها فرد خرطوش وسكينة ميري عريضة. كنتِ أنتِ.
​وقفتي قدامه على بعد كام خطوة، المطر بينزل على وشكِ يمسح التراب، وعينكِ ثابتة في عينه مش بترمِش. سليم رفع حواجبه بإعجاب، ورجع مس*دسه في جيبه وقال بصوت جهوري غطى على صوت الضرب: “والله وعملتيها يا بنت الديب.. الشحنة دي غالية عليا أوي، وأنتِ جيتي لحد عندي عشان تاخديها؟”.
​قلتِ له وصوتكِ كله غل وثقة: “أنا مش جاية أخد بضاعة يا سليم.. أنا جاية أخد الروح اللي سيبتها معايا من سنة. السبتية مش هتساعنا إحنا الاتنين، والنهاردة يوم حسابك”. سليم ابتسم الابتسامة المستفزة إياها، وطلع سكينة من جيبه، وقال: “وريني بقى السنو اللي فاتت دي علمتكِ إزاي تمسكي الس*لاح، ولا لسه قلبكِ خفيف؟”.
​هجمتي عليه بكل قوتكِ، والمرة دي الحركة مكنتش عشوائية. السكينة كانت بتتحرك في إيدكِ بحرفية، ضربة ورا ضربة، وسليم كان بيتفادى بأعجوبة، متفاجئ من السرعة والقوة اللي بقيتي فيها. الحديد كان بيخبط في الحديد ويطلع شرار وسط المطر. قدرتي تخدشيه في كتفه، ودمه نزل وامتزج بمية المطر. سليم بص للجرح وضحك، ونظرة عينه اتغيرت من الإعجاب للجدية الشرسة. في ثانية واحدة، وبحركة سريعة من حركات ديب السوق، لف ورا ضهركِ، وثبت إيدكِ اللي فيها السكينة ورا ضهركِ، وضغط عليكي لحد ما النفس اتقطع منكِ وبقيتي لازقة في صدره.
​همس في ودنكِ تاني، ونفسه السخن حرق رقبتكِ في وسط برد الشتا: “شاطرة.. عودك نشف فعلاً، وضربتك بقت توجع.. بس لسه بدري عليكي عشان تقفي قدام البرنس يا قمر”.
​المرة دي مسبكيش وتمشى، المرة دي حسيتي بإن الحكاية مبقتش مجرد ثأر قديم، النظرة اللي في عينه كانت بتقول إن اللعبة يلا بدأت، وإن الهروب منه بقى مستحيل. سليم زقكِ خفيف ورجالته بدأت تلم الليلة بعد ما الضرب وقف، وبص ليكي نظرة أخيرة قبل ما يركب عربيته وقال: “المرة الجاية مش هتبقى في ضلمة يا بنت الديب.. استنيني في السوق، عشان الحكاية شكلها هتطول، وأنا بقيت بحب اللعب معاكي”. العربيات مشيت وسابتكِ واقفة في المطر، وقلبكِ بيدق بسرعة مش عارفة هي من الغضب… ولا من حاجة تانية بدأت تتولد في وسط الدم والنار والمشهد ده قفل والسبتية كلها مستنية الينفجر الأول.العربيات مشيت وسابت وراها شوارع الملاحات غرقانة في الطين والدم، وصوت المطر وهو بيلطش في الأرض كان هو الحاجة الوحيدة اللي مسموعة. وقفتي في مكانكِ مش قادرة تتحركي، السكينة لسه في إيدكِ بس صوابعكِ متخشبة عليها، والنفس الطالع منكِ كان بيعمل غيامة بيضا صغيرة في وسط البرد ده كله.
​جواكِ كان فيه بركان شغال؛ غضب من نفسكِ إنكِ وقعتي في نفس الغلطة وتثبتّي تاني، وقهر لأنكِ حسيتي للحظة إن كل التدريب والوجع بتاع السنة اللي فاتت اتهد في ثانية قدام جبروته، وحاجة تانية غريبة… إحساس بالخطر مش قادرة تفسريه، نظراته ونبرة صوته وهو بيقولكِ “يا قمر” تاني كانت بتعزل العالم كله عنكِ وتفكركِ إنكِ في الأول والآخر بنت، وهو راجل مفيش حد في السوق كله قدر يكسر عينه.
​”يا بنت الديب! إنتِ كويسة؟”
صوت عم محروس وهو بيجري عليكي وشايل س*لاحه جابكِ من أفكاركِ. بصيتي له وعينكِ فيها شرار، مسمحتش لأي دمعة تنزل. وطيّتي على الأرض، مسحتي السكينة في هدوم واحد من رجالة سليم اللي وقعوا في المعركة، ورجعتيها في جرابها وقلتِ بصوت قاطع زي السيف: “الرجالة اللي ماتت تتلم وتتدفن في مدافن العيلة بكرامتها، والعيال المصابة تروح للمستشفى اللي بنتعامل معاها في السبتية.. ومحدش يفتح بقه بكلمة عن اللي حصل النهاردة في السوق”.
​محروس بص لكِ بقلق وقال: “بس يا بنتي.. سليم العجوز مش هيسكت، إحنا علمنا على رجالته وخدشنا كبريائه، والضربة الجاية منه هتبقى في المليان”.
لفتي له وقلتِ وأنتِ بتركبي العربية الجيب بتاعتكِ: “وهو ده اللي أنا عايزاه يا محروس.. أنا مش عايزاه يسكت، أنا عايزاه يصحى وينام بيفكر في بنت الديب، لحد ما يغلط.. والغلطة مع عيلة الغول هتبقى برقبته”.
​أيام الشتا مرت وراها تقيلة وسخيفة، والسبتية كانت زي الحلة اللي بتغلي ومكتومة. الكل في السوق شم خبر إن فيه خناقة كبيرة حصلت في الملاحات، وإن بضاعة عيلة البرنس اتهزت، والناس بدأت تهمس في السر إن بنت الغول مش سهلة، وإنها بتخطط لورث أبوها بذكاء. سليم العجوز من ناحيته، مخدش أي رد فعل عنيف علني، وده اللي كان هيجننكِ. السكوت بتاعه كان أخطر من الرصاص.
​وفي يوم جمعة، بعد الصلاة، والدنيا كانت هادية في السوق المحلات مقفلة، وصلتكِ رسالة مع عيل صغير من عيال الحتة. العيل جرى أول ما سلمكِ الورقة وكأنه خايف من الورقة نفسها. فتحتيها ولقيتي مكتوب فيها بخط يد تقيل وواثق:
“المعاد الليلة يا بنت الديب.. لو قلبكِ جمد وبقيتي قد كلامكِ، استنيني في المقهى المهجور اللي على كورنيش النيل في روض الفرج.. لوحدكِ. عشان نكتب شروط اللعبة الجديدة.. يا إما تقفلي بيتكِ وتنسي تارات أبوكِ.”
​محروس لما عرف بالرسالة اتجنن، وقف قدامكِ وهو بيخبط بإيده على المكتب: “ده فخ يا بنتي! سليم العجوز عايز يستفرد بيكِ برا السبتية عشان يخلص الحكاية من غير ما حد من رجالتنا يحس! مش هتروحي، ولو روحتِ يبقى رجالة العيلة كلها معاكِ بالآلي”.
وقفتِ قدام المراية، كنتِ بتلبسي بالطو أسود طويل، وحطيتي الطبنجة الـ 9 ملم في جيبكِ السري، وقلتِ له ببرود: “لو روحت برجالة، هيبان إني خايفة، وسليم العجوز مبيحترمش الخايف. أنا هروح له لوحدي وش لوش، والي كاتبه ربنا هيكون يا محروس. خليكِ إنتِ هنا وعينكِ على المخازن، لو محصلش نصيب ورجعت قبل الفجر… إنتِ عارف هتعمل إيه”.
​الساعة دقت حداشر بالليل لما وصلتي الكورنيش. المطر الخفيف كان بيغسل الإسفلت، وأنوار أعمدة النور كانت بتعكس على مية النيل. المقهى المهجور كان ضلمة، مفيش فيه غير تربيزة واحدة في الركن، منورة بلمبة جاز قديمة، وقاعد وراها سليم العجوز، بشاله الرمادي وعبايته، وبيشرب شاي في خمسينة بروقان مرعب.
​دخلتي بخطوات ثابتة، صوت كعب جزمتكِ كان بيرن في المكان الساكت. سليم مرفعش رأسه، صب كباية شاي تانية من البراد القديم وحطها على الناحية التانية من التربيزة وقال: “أهلاً يا بنت الديب.. كنت عارف إنكِ هتيجي، أبوكِ الله يرحمه مكنش بيجلي في مواعيده برضه”.
​قعدتي على الكرسي الخشب قدامه، وبصيتي في عينه مباشرة وقلتِ: “متجيبش اسم أبويا على لسانك.. إنتِ ق*تلتيه غدر”.
سليم رفع عينه، وكانت حادة ونشفة زي الحجر، ضحك ضحكة مكتومة وقال: “أبوكِ مات في ساحة رجالة، يا بنت الناس. الس*لاح كان في إيده والس*لاح في إيدي، والسرعة والبقاء للأقوى. دي أحكام السوق اللي إنتِ رميتي نفسكِ فيه. بس أنا مش جايبكِ هنا عشان أحكيلكِ تاريخ.. أنا جايبكِ عشان أحط نقط على الحروف”.
​قرب بجسمه شوية على التربيزة، ونور لمبة الجاز عكس الشقاق اللي في وشه من ضربة السكينة بتاعة الملاحات، وقال بنبرة واطية بس مليانة تهديد: “إنتِ بوظتيلي شحنة بتمن ملايين جنيه، وخلّيتي عيال السوق تتجرأ على رجالة البرنس.. أنا لحد دلوقتي سايبكِ بمزاجي، عشان عاجبني فيكِ الغل اللي كان في عين أبوكِ، وعشان خسارة عود زي ده يتكسر بدري. بس اللعب معايا ليه تمن”.
​حطيتي إيدكِ في جيبكِ، صوابعكِ لمست زناد الطبنجة، وقلتِ له بابتسامه تحدي: “والتمن ده إيه بقى يا برنس؟ عايزني أسيب الحتة وأمشي؟ يبقى ميعرفتش مين هي عيلة الغول”.
​سليم عينه لمعت بنظرة غريبة، نظرة تخلط بين الإعجاب الشديد والرغبة في السيطرة، ومد إيده الطويلة ولمس طرف الشال اللي على كتفكِ، وقال بصوت خشن ودافي في نفس الوقت: “لا.. أنا مش عايزكِ تمشي. أنا عايزكِ تفضلي في الوش.. بس الشغل اللي جاي هيبقى شراكة، النص بالنص، ورجالتكِ يبقوا تحت طوعي.. وإلا، قسماً بالله يا قمر، ههد السبتية فوق دماغكِ ودماغ اللي باقي من عيلتكِ، ومش هسمي عليكي المرة الجاية”.
​النفس هرب منكِ للحظة لمجرد إنه قرب منكِ بالشكل ده. المسافة بينكم مكنتش تعدي سنتيمترات، وكنتِ شايفة في عينه إصرار وتحدي رهيب. سليم العجوز مكنش عايز يق*تلكِ، هو كان عايز يكسر كبريائكِ ويخليكِ ملكه وتحت سيطرته، وده كان بنسبالكِ أوحش من الموت ميت مرة.
​وقفتِ فجأة، الكرسي اتهز وراكِ، وقلتِ له وأنتِ بتسحبي الشال من تحت إيده بقوة: “شراكة مع اللي قت*ل أبويا؟ يبقى في أحلامك يا سليم! الحرب اللي بيننا مفيش فيها نص بالنص.. يا إنتِ يا أنا في السبتية، والوعد اللي بيننا هيموت مع واحد فينا”.
​سليم متململش من مكانه، فضل قاعد وبص ليكي وهي قايمة، وأخد نفس طويل من كباية الشاي وابتسم ابتسامته الواثقة وقال: “ماشي يا بنت الديب.. إنتِ اللي اخترتي طريقتكِ. بس حارصي على نفسكِ أوي الفترة الجاية، عشان السوق مبيـرحمش… وأنا مبقتش قادر أضمن نفسي قدام العناد ده كله”.
​لفيتي ضهركِ ومشيتي وأنتِ بتغلي، بس أول ما خرجتي في الهوا والبرد، حسيتي إن ضربات قلبكِ مش مظبوطة. الحكاية اتعقدت وبقت أكبر من مجرد ثأر ودم… بقت خناقة على كبرياء، ولعبة قط وفار مفيش حد عارف مين فيهم القط ومين الفار. وفي نفس اللحظة اللي ركبتي فيها عربيتكِ، سمعتي صوت ضرب نار انفجر من ناحية مخازن السبتية… اللعبة بدأت بجد، وسليم العجوز أعلن الحرب بطريقته!صوت الرصاص اللي انطلق من ناحية السبتية كان زي زلزال هز ضلوعكِ. دورتي الموتور ورجلكِ داسيت على البنزين لآخر سرعة، والعربية الجيب كانت بتنهش الأسفلت والمطر بيعمي عينكِ، وكل اللي في بالكِ حاجة واحدة: “عملها العجوز.. غفلني وضرب في ضهري وأنا واقفة بكلمه!”.
​وصلتي الحتة والمنظر كان يشيب. النار والعة في مخزن ال*سل*اح الرئيسي لعيلة الغول، الدخان الأسود مغطي السما، والرجالة بتجري في كل حتة، وصوت صريخ وصوت ضرب نار متبادل من بعيد. نزلتِ من العربية والطبنجة في إيدكِ، وعينكِ بتدور على محروس. لقيتيه واقع ورا عربية نص نقل، شادد أجزاء س*لاحه وبيضرب وهو بينزف من كتفه التاني.
​جريتي عليه ووطيتِ في الأرض: “محروس! إيه اللي حصل؟”
محروس وهو بيكح من الدخان قالكِ بصوت مقطوع: “غفلونا يا بنتي.. رجالة البرنس دخلوا من الشوارع الجانبية وولعوا في المخزن، راضي دراع سليم كان هنا بنفسه، وكان قاصد يهد الحتة كلها!”.
​الغل عماكِ. مبقتيش شايفة قدامكِ. وقفتِ بطولكِ وسط ضرب النار، وبقيتي بتضربي بقلب ميت، رجالتكِ لما شافوكِ واقفة وسط الرصاص ومبتجريش، جمدوا، وضرب النار زاد من ناحيتكم لحد ما رجالة البرنس بدأوا ينسحبوا ويهربوا في شوارع الضلمة بعد ما نفذوا المهمة وولعوا في قلب عيلة الغول.
​المعركة خلصت على الفجر، والسبتية صبحت على رماد. المخزن الرئيسي اتهد، وخسرتي أكتر من نص س*لاحكِ ورجالتكِ، والكسرة المرة دي كانت في العلن قدام السوق كله. الكل عرف إن سليم العجوز علم على بنت الديب وعرّا ضهرها.
​قعدتي على رصيف المخزن المحروق، وشكِ كله هباب، وهدومكِ متبهدلة بالدم والتراب. محروس جه قعد جنبكِ وهو رابط جرحه، وقال بنبرة مفيش فيها أمل: “كدة خلاص يا بنتي.. سليم كسر الس*لاح اللي كنا بنحارب بيه، والسوق كله هيقلب علينا الصبح وهيبيعونا لعيلة البرنس عشان يضمنوا أكل عيشهم”.
​بصيتي للرماد اللي تحت رجلكِ، وفجأة ضحكتِ.. ضحكة هادية، صدمت محروس وخليته يبص لكِ بذهول. قمتِ وقفتِ، ونفضتِ التراب من على بالطوكِ الأسود، وعينكِ بقت زي النجم اللامع وسط الضلمة، وقلتِ: “هو فاكر إنه كسرني يا محروس؟ سليم العجوز حرق المخزن عشان يخليني أركع وأروح له أطلب الشراكة اللي قال عليها على الكورنيش.. هو لسه مش فاهم أنا مين. كلم عيلة “الزناتي” وعيلة “الجبالي” في شبرا.. الملوك اللي سليم واكل حقهم من سنين. قولهم بنت الديب بتقولكم السبتية فضيت، وتعالوا ناخد حقنا سوا”.
​محروس عينه وسعت وفهم اللعبة: “إنتِ هتقلبّي السوق كله عليه؟”
قلتِ له بابتسامة ثقة: “هولع في الأرض اللي هو واقف عليها، ومفيش شراكة.. فيه ملك واحد للسبتية”.
​خلال أسبوع واحد، ومن ورا الستار، طبختي أكبر تحالف شهدته المنطقة من ثلاثين سنة. جمعتي كل اللي ليهم تارات عند سليم العجوز، والكل وافق لما شافوا في عينكِ نفس جبروت أبوكِ “ديب الليل” بس على أذكأ وأشرس.
​وفي ليلة “مولد السيدة”، والمنطقة كلها زحمة والأنوار في كل حتة وصوت المداحين عالي، كانت عيلة البرنس كلها متجمعة في الساحة الكبيرة بيحتفلوا ومطمنين إن بنت الغول انتهت. سليم العجوز كان قاعد على منصة عالية، لابس عبايته البيضا ومبتسم وهو شايف هيبته مفيش حد قادر يمسها.
​وفجأة، الأصوات سكتت، والأنوار انقطعت عن الساحة كلها مرة واحدة. صوت خبط منتظم ورعدي بدأ يظهر من الشوارع المحيطة.. خبط رجالة بيمشوا مع بعض. وفجأة، ولعت مشاعل نار في كل حتة، وظهرتِ في الوش، ولابسة توب أسود صعيدي من بتاع أبوكِ، ووراكِ مش رجالة الغول بس.. وراكِ جيش من رجالة شبرا، والسبتية، وبولاق.. السوق كله كان واقف وراكِ بشومهم وس*لاحهم.
​سليم العجوز وقف من على كرسيه، لأول مرة الابتسامة تختفي من على وشه، وعينه تتسع بذهول حقيقي. راضي دراعه اليمين قدم وخاف وقال بصوت مرعوب: “يا برنس.. دي قلبت البلد كلها علينا!”.
​مشيتي في وسط الساحة، والكل بيفتح لكِ طريق لحد ما وقفتِ قدام المنصة مباشرة. رفعتِ راسكِ وبصيتي في عينه، وطلعتِ السكينة الميري اللي خدشتيه بيها قبل كدة، ورميتها تحت رجله. الصوت كان رنان في وسط السكوت المرعب.
​قلتِ بصوت جهوري سمعه كل اللي واقفين، ونبرة هزت الحيتان: “الشتا خلص يا برنس.. وعضام بنت الديب نشفت وبقت تكسر الحجر. أنا مبعملش شراكة مع اللي ق*تل أبويا، وأنا اللي جاية النهاردة أحط شروط اللعبة الجديدة.. يا تلم رجالتك وتخرج من السبتية بجلابيتك، يا إما الساحة دي مش هيخرج منها حد فيكم عايش!”.
​سليم بص للجيش اللي وراكِ، وبص للسكينة اللي تحت رجله، وبعدين بص لوشكِ اللي مبقاش فيه أي أثر للبنت الضعيفة اللي رحمها زمان. في اللحظة دي، سليم العجوز ضحك.. بس المرة دي مكنتش ضحكة سخرية ولا تحدي، دي كانت ضحكة راجل مبهور، راجل عرف إنه صنع بإيده الوحش اللي هيقضي عليه.
​نزل من على المنصة بخطوات بطيئة، وقف قدامكِ وش لوش، والمسافة انعدمت تاني، وطى لدرجة إن شاله لمس كتفكِ، وهمس بصوت دافي ومرعب، ونبرة هتحفر في قلبكِ للأبد: “والله وطلعتِ برنسيسة بجد يا قمر.. الحكاية مش هتنتهي النهاردة، دي يلا بدأت.. وأنا مستني أشوف مين فينا اللي هيدفن التاني بيده”.
​سليم وطى، أخد السكينة من على الأرض، وحطها في إيدكِ وقفل صوابعكِ عليها بقوة، وعينه ثابتة في عينكِ بنظرة ولعت نار مش هتنطفي.. لف ضهره ورجالته بدأت تتحفز وراكِ وأنتِ رفعتِ س*لاحكِ لفوق، والكل صباعهم على الزناد مستنيين الإشارة اللي هتقلب القاهرة بحالها بحر دم.. ونهاية البرنس هتبدأ من هنا!رفعتي إيدكِ في آخر لحظة.
الإشارة اللي الكل كان مستنيها… ماجتش.
السكوت نزل على الساحة تقيل، لدرجة إن صوت المداح البعيد رجع يتسمع من آخر الشارع.
سليم العجوز وقف مكانه، ولف ببطء يبصلكِ، وعينه فيها سؤال.
قلتي بصوت ثابت:
“اللي يكسب بعقله… عمره ما يحتاج يخسر رجالته.”
رجالتكِ بصوا لبعض باستغراب، ومحروس قرب وهمس:
“هتسيبيه يمشي؟”
رديتي من غير ما تبصي له:
“لا… هخليه يمشي وهو فاكر إنه نجا.”
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة، ورفع إيده لرجالته.
“انسحبوا.”
بدأت العربيات تتحرك، ورجالة البرنس خرجوا من الساحة وسط نظرات الناس.
لكن قبل ما آخر عربية تلف آخر الشارع…
رن تليفون راضي، دراع سليم اليمين.
رد… ووشه اتغير في ثانية.
بص لسليم وقال بصوت متوتر:
“يا برنس… المخزن اللي في الوراق… اتقفل.”
سليم عقد حواجبه.
“يعني إيه اتقفل؟”
“الناس اللي ماسكينه اختفوا… وكل الدفاتر والفلوس… مش موجودة.”
في نفس اللحظة…
رن تليفون تاني.
“المخزن اللي في الساحل… فاضي.”
وبعده بثواني…
“الورشة القديمة… اتخدت.”
ورابع اتصال…
“كل خطوط النقل وقفت.”
الابتسامة اختفت من وش سليم لأول مرة.
رفع عينه ناحيتكِ.
وأنتِ واقفة مكانكِ، ولا اتحركتي خطوة.
قلتي بهدوء:
“وأنت مشغول تحرق مخزن واحد… أنا كنت بعدّ الأيام اللي هحرق فيها إمبراطوريتك من غير ما أولع عود كبريت.”
راضي شهق:
“إنتِ… كنتِ مخططة لكل ده؟!”
ابتسمتي.
“المعركة اللي الناس شافتها كانت تمويه… أما الحرب الحقيقية، فابتدت من أسبوع.”
محروس بقى يبصلكِ بانبهار.
هو نفسه ماكانش يعرف إنكِ بعتِّ رجالتكِ قبل الليلة دي بثلاث أيام يغيروا ولاءات كبار التجار، ويأمنوا المخازن، ويشتروا ديون ناس كانوا شغالين مع البرنس.
كل خطوة كانت محسوبة.
وسليم…
كان بيتفرج على عرشه وهو بيتفكك قطعة قطعة من غير طلقة واحدة.
سكت شوية…
وبعدين ضحك الضحكة المعروفة بتاعته.
“أبوك كان بيكسب بالخوف… إنتِ بتكسبي بالعقل.”
رديتي من غير تردد:
“وعشان كده… أنا أخطر.”
لف سليم وهو بيتمتم:
“لسه بينا جولة أخيرة يا بنت الديب.”
وركب عربيته واختفى وسط الزحمة.
لكن بعد ما آخر عربية غابت…
طلع شاب في أواخر العشرينات من بين الناس، لابس بدلة سودة، وماسك ظرف بني قديم.
وقف قدامكِ وقال:
“الحاجة دي كان أبوك موصيني إنها متتفتحش إلا اليوم اللي تقفي فيه قدام سليم العجوز من غير ما تخافي.”
إديكي الظرف… ومشى قبل حتى ما تسأليه اسمه.
فتحتيه ببطء…
كان فيه مفتاح نحاس قديم، وصورة باهتة لأبوك واقف جنب رجل غريب، وخلف الصورة مكتوب بخط إيده:
“لو وصلتي لليوم ده… اعرفي إن الحقيقة اللي عرفتيها طول عمرك كانت ناقصة. سليم العجوز… مش هو اللي بدأ الحكاية.”
ساعتها بس…
حسيتي إن الحرب اللي خضتيها لحد دلوقتي…
ما كانتش إلا أول فصل في سر عمره أكتر من ثلاثين سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *