الحاج اسماعيل

الحاج إسماعيل المنشاوي مكنش مجرد راجل غني، ده كان دولة ماشي على الأرض. طوله الفارع رغم سنه اللي عدا السبعين، وعينيه اللي زي الصقر ورا النظارة الذهبية، والهيبة اللي بتخلي الدكاترة الكبار قبل الممرضين يقفوا انتباه أول ما يسمعوا صوت خطوات جزمتة الجلد في الممر.
حازم واقف مكانه، عينه بتروح وتيجي بين الحاج إسماعيل والفايل الأصفر اللي اترمى تحت رجليه. ريقه نشف تماماً، وحس إن الهوا اتمسح من الطرقة. شيرين ضحكتها اختفت، وإيدها اللي كانت بتعدل البالطو اتسمرت على كتفها، واللون الأحمر اللي في وشها هرب في ثانية.
“حـ… الحاج إسماعيل؟” حازم نطق الكلمة وصوته طلع شرخ، كأنه عيل صغير اتمسك بيسرق.
الحاج إسماعيل مابصش لحازم ولا لـشيرين ولا حتى افتكر إنهم بني آدمين واقفين. خطوته الواثقة عدت من جنبهم كأنهم هوا، ودخل الأوضة اللي فيها رانيا. أول ما عينه جت على حفيدته، البنت اللي شالت اسمه وعاشت في الظل عشان تثبت لنفسها إنها تقدر تبني حياتها بعيد عن ملايين عيلتها، ملامحه الوش الخشب اتكسرت، وظهرت فيها حنية غريبة وعميقة، حنية مبيطلعهاش غير لـ رانيا.
“رانيا يا بنتي…” الحاج إسماعيل قرب منها، مسك إيدها السقعانة بين إيديه الخشنة الدافية، وباس راسها. “جرى إيه يا قلب جدك؟ إيه اللي عمل فيكِ كده؟”
رانيا أول ما شافت جدها، حسيت إن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح. الدموع اللي حبستها طول الوقت ده عشان متظهرش ضعيفة قدام حازم، لمعت في عينيها بس منزلتش. شاورت براسها ناحية الحضانات اللي ورا الإزاز: “كريم وحازم يا جدي… اتولدوا بدري، وفي ناس فاكرين إنهم ملهمش تمن، وجايين يخلصوا حساباتهم معايا هنا.”
في اللحظة دي، الحاج إسماعيل دار بوشه. النظرة الحنينة اختفت تماماً، وحل مكانها غضب لو اتقلب لـ نار كان حرق المستشفى باللي فيها. بص لحازم اللي كان واقف عند الباب بيحاول يجمع شتات نفسه، ويقدم رجل ويأخر رجل.
حازم حاول يبتسم، ابتسامة مهزوزة ومقرفة: “يا فندم… يا إسماعيل بيه… أنا… أنا حازم جوز رانيا، يعني نسايب، والموضوع كله سوء تفاهم عائلي بسيط…”
“جوز مين يا روح أمك؟” الصوت مكنش عالي، بس كان فيه نبرة تخلي الدم يتجمد في العروق. الحاج إسماعيل رفع إيده، وبإشارة صغيرة من صباعه، اتنين من رجال الأمن اللي واقفين وراه—عمالقة لابسين بدل سودا—اتحركوا ووقفوا ورا حازم وشيرين، قفلوا عليهم الممر تماماً.




