صوت صابر

صوت صابر كان جاي متهدج ومرعب من التليفون، بيقول لي بصوت مكسور: “إياكِ تمضي يا زينب.. دي مش فلوس أميرة، دي طُعم!”، التليفون وقع من إيدي على بلاط الشقة المنسي في إمبابة كأنه قطعة حديد سخنة، ووبصيت لأميرة اللي وشها اتقلب للون الأفرنجي وعניها اتملت دموع الخوف وهي متبتة في الصك الأصفر وكأنها بتحميه بروحه. قلت لها بصوت بيخبط في بعضه: “يعني إيه يا أميرة؟ صابر بيقول إيه؟ إنتِ جبتي فلوس بيت الهرم منين وأنتِ يدوب طالبة في الكلية وبتشتري قهوة في التجمع؟”، أميرة قعدت على كرتونة العفش، ضمت رجليها لصدرها زي ما كانت بتعمل أول ما دخلت بيتنا وهي هاربة من بطش أبوها، وقالت بصوت متبل بالوجع: “والله ما كذبت عليكِ يا أمي.. دي فلوس تعبي وشغلي، بس… بس في حد تاني ساعدني أكمل المبلغ عشان أرد لك جزء من جميلك يوم ما كنتِ الوحيدة اللي فتحتلي بابك والناس كلها قفلتها في وشي”، وقبل ما أنطق بحرف، الباب خبط بقوة تخلي حيطان الشقة تهت، مش خبطة عادية، دي خبطة راجل جاي من الموت وعايز يكسر الباب، فتحت ولقيت صابر قدامي؛ شعره كشه وشكله اتبدل كأن سنين عمره اتضاعفت في التلات شهور اللي غابهم، دخل زي العاصفة، رمى جاكيته القديم على الترابيزة، وبص لأميرة نظرة تخلي الدم يوقف في العروق، وقرب منها وقال بصوت بينزل قطران: “كنتِ فاكرة إني مش هعرف اللعبة؟ كنتِ فاكرة إنك لما تختفي يومين وتقولي لي رايحة شغل الكافيه، إني مش هراقب خطوتك؟ الفلوس اللي دفعتيها في الشهر العقاري دي مش بتاعتك يا أميرة.. دي فلوس الراجل اللي طردك وأهانك زمان، أبوكِ الحاج العزاوي، اللي بعت رجالة يدوروا عليكِ أول ما سمع إنك خلفتي ولد، وعايز يشتري بيتنا ويهد بينا القديم والجديد عشان ينتقم منك ومننا!”، حسيت إن الأكسجين اتقطع من الأوضة، بصيت لأميرة اللي كانت بتترعش زي القشاش في الريح، وقالت وهي بتعيط بحرقة: “أنا مخدتش منه مليم بالحرام.. لما عرف إني خلف ابني، مات بعدها بشهر وكتب لي نص ورثه في السر عشان ضميره استريح، وأنا استندت على الوصية دي عشان أرجعلك بيتك اللي بعتيه عشان علاج نور بنتك.. كنت عايزة أرد لك روحك اللي ماتت يوم ما بعتي حيطان عمرك!”، صابر ضحك ضحكة وجع وقال: “بس الوصية دي وراها بلاوي يا أميرة.. عمامك مش هيسيبوكِ تهني بجنيه، وهما دلوقتي واقفين تحت الشارع، ومعاهم بوليس وبطايق مزورة بيقولوا إنك سرقتِ أوراق البنك، والبت مش هتطلع من هنا إلا على القسم، والبيت اللي بتحلمي ترجعيه هيدخل في قضايا محاكم تفضل لعشرين سنة قدام، وإحنا قاعدين في شقة إمبابة دي مش هيلحقنا غير الحبس والخزي”، بصيت لعيال نايمين جوه على مرتبة أرضية، وبصيت لنور اللي لسه باين على وشها آثار الكيماوي، وحسيت إن الدائرة بتضيق علينا أكتر وأكتر، وفجأة سمعنا صوت عربيات شرطة وقفت تحت البلكونة، وصوت خبط شديد على باب العمارة من تحت، وصابر مسك إيدي وقال بسرعة وبرعب مالوش مثيل: “لو نزلنا الورق ده للنيابة دلوقتي، أميرة هتتحبس بتهمة تزوير أوراق وصية أبوها، ولو ما نزلناش، عمامها هياخدوا الولد والبيت وهيرمونا في الشارع بلا رجعة.. اختاري يا زينب، نمضي ونبيع روحنا للعدالة الظالمة، ولا نهرب دلوقتي حالاً قبل ما الكلبشات تقفل على رقبة البت اللي ربيتيها بدم قلبك؟”، الباب خبط بعنف على شقتنا، وصوت البواب بينادي من بره: “يا مدام زينب.. الحكومة على السلم وعايزين أميرة حالاً!”، بصيت لأميرة اللي مسكت في طرف عبايتي وقالت بصوت ميت: “سامحيني يا أمي.. أنا كنت كل اللي في بالي أشوفك ضاحكة زي زمان”، حسيت إن الدنيا بتمور بيا، مسكت صك البيت الأصفر، وبصيت للباب اللي بيتهز من كتر الخبط، وقلت بصوت حاسم: “ولا حد فينا هيتحبس.. بس اسمعوا مني اللي هعمله دلوقتي هو الجنون بعينه!”، وقبل ما الباب يتكسر، جريت على الشباك وفتحتُه على مصراعيه وسمعت صوت صابر بيصرخ في وداني: “إنتِ اتجننتِ.. هتعملي إيه بالورق ده؟!”، والبوليس كسر باب الشقة ودخل..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *