حماتي اتهمتني

الجزء الخامس
السنة اللي جت كانت أصعب وأجمل سنة في حياتي في نفس الوقت. استلمت إدارة الشركة بالكامل، ووضعت نظاماً جديداً وشفافاً، فصلت فيه بين ملكية الأسهم والإدارة التنفيذية، بحيث لا يمكن لأحد التدخل في عملي إلا من خلال مجلس الإدارة فقط. ازدهرت الأعمال بشكل مذهل، لأنني كنت أعمل براحة بال
وضمير مرتاح، وكل قرش بيجي هو نتيجة جهدي الحقيقي مش مکيدة أو مؤامرة.
علاقتي بخالد اتسمت بالهدوء الرسمي فقط. كان يزور حمزة مرتين كل أسبوع، وأحياناً يأخذه لبيت أمه لعطلة نهاية الأسبوع. لم أتكلم معاه إلا في ما يخص ابني فقط، وابتعدت تماماً عن أي نقاش عاطفي أو شخصي. كان يحاول أحياناً يبدي ندمه أو يطلب فرصة تانية، بس كنت دائماً أرد بابتسامة هادئة
الفرص بتعطى لما يكون فيه ثقة باقية. والثقة اللي كنت أمنحها لك ماټت في تلك الليلة يا خالد. مش بسبب الخېانة.. بس بسبب إنك اخترت تكون عدوي وأنا واقفة جنبك.
داليا غادرت المحافظة وعاشت مع عائلتها في محافظة أخرى، وقللت اتصالاتها بالجميع، ربما عشان تشفي چروح الخزي والندم في عزلة تريحها. ميرفت بقيت على اتصال دائم بيا وبحمزة، وكانت تزورنا كل جمعة، وتجلس مع حمزة وتحكي له قصص قديمة، وأحياناً تبكي بصمت وتقول
لو كان لي ألف ابن، ما كانش أحبهم بقد ما بحب حمزة وامه.. شكراً إنك ما قطعتيني يا بنتي رغم أني كنت أستاهل.
أنتِ جدة حمزة يا طنط ميرفت، ده حق مكتسب لا يمكن أحد يسحبه منك. بس صداقتنا وعلاقتنا دي تحتاج وقت وحدود جديدة، عشان نقدر نكمل بسلام.
وحمزة.. كبر وتغير، بقى أكثر ثقة بنفسه، وأصبح يعرف معنى الصدق والشجاعة بمعناها الحقيقي. ذات يوم وهو عائد من المدرسة، قال لي بكل جدية
يا ماما، الفلوس مش أهم حاجة في الدنيا صح؟
أه يا حبيبي، صح تماماً. ليه بتسأل؟
علشان أستاذي في المدرسة قال إن الشجاعة إنك تقول الحقيقة حتى لو صوتك بيرتجف. أنا كنت خاېف في الليلة دي، بس قلت الحقيقة عشانك. ومش نادم أبداً.
عانقته بقوة، وعرفت إن الجوهرة الحقيقية اللي اكتسبتها من المحڼة دي هو هذا الولد الرائع اللي ربيته ليكون إنسان شريف وشجاع. المال ممكن ييجي ويروح، لكن الأخلاق والشجاعة دي كنز ما يفنى أبداً.
الجزء السادس
بعد ثلاث سنين، كنت واقفة على سطح شركتي الجديد في مبنى حديث بوسط القاهرة، أشرف على آخر التجهيزات لافتتاح الفرع الجديد. حمزة كان جنبي يمسك بيدي، وميرفت كانت تقف وراءنا بابتسامة فخورة ومشرقة. الهاتف رن في جيبي، كان المتصل محاميتي، أخبرتني بأن إجراءات الطلاق انتهت رسمياً، وإن كل الأمور المالية تمت تسويتها بشكل نهائي.
وضعت الهاتف في مكانه، وتنهدت بعمق، ونظرت للسماء الصافية
الحمد لله.. كل شيء أصبح في مكانه الصحيح أخيراً.
حمزة شد على يدي وقال
مبروك يا ماما.. أنتِ أذكى وأقوى ست في الدنيا.
ضحكت وقبلت جبينه
وأنت شجاع القلب، وده أهم من كل حاجة.
عرفت حينها أن الحياة لم تكن لتعطيني ما أريد، بل كانت لتعطيني ما أستحق. وما أستحقه هو سلام نفسي، وابن شجاع، وعمل شريف، وقلب نقي خالي من الحقد والكره، لكنه حازم وواضح في حدوده.
ولكل واحدة مرت بمحڼة مشابهة، أرسل لكِ هذه الكلمات
لا تخافي حين يتآمرون ضدك. لا تبكي حين يظلمونك. ولا تتنازلي عن حقك لمجرد أنهم أهلك أو أقرباؤك. الحقيقة قد تتأخر قليلاً، لكنها تظهر دائماً في الوقت المناسب تماماً. وأحياناً، الشجاعة ليست في الصړاخ والصياح.. بل في أن تصمتي وتنتظري، حتى يأتي الوقت الذي تتكلم فيه الأفعال والدليل بصوت أعلى من كل الأكاذيب المجتمعة.
تمت بحمد الله



