نغم وشريف

أما نغم فكانت قاعدة على مقعد خشب تحت شجرة، بتتابع طفل صغير عنده خمس سنين، شعره أسود ناعم وعيونه البني الواسعة وابتسامته تخطف القلب.

“يزن… متبعدش يا حبيبي!”

لف الطفل وهو بيضحك: “حاضر يا ماما!”

ابتسمت بحب. خمس سنين عدوا وهي عايشة باسم جديد في مدينة جديدة، بعيدة عن شريف وعن الوجع. بس رغم كل ده كانت لسه بتحبه كل يوم وكل ساعة ويمكن أكتر من الأول.

في القاهرة كان شريف المنصوري واقف قدام إزاز مكتبه الضخم. ملامحه بقت أقسى، أهدى من بره بس جواه ميت من يوم ما خسر نغم. قلب الدنيا عليها في كل محافظة ومطار وفندق بس كأن الأرض انشقت وبلعتها.

بعد يومين.

في إسكندرية يزن بيلعب بالكورة وفجأة الكورة طارت بعيد وخرجت برا الحديقة لحد الرصيف. كانت في عربية فاخرة واقفة ونزل منها راجل طويل ببدلة سودة وهيبة تخلي أي حد يبص له مرتين.

الكورة خبطت في رجله، انحنى وخدها: “دي بتاعتك؟”

يزن رفع راسه: “أيوة.”

ابتسم شريف ولأول مرة من سنين ابتسامة حقيقية ظهرت على وشه، بس الابتسامة اختفت بسرعة لأن عينه ثبتت على الطفل. ثانية واتنين وتلاتة… حاسس إنه شايف نفسه وهو صغير، نفس العيون، نفس شكل الملامح ، حتى وقفته.

قلبه اتقبض وسأله بهدوء: “اسمك إيه يا بطل؟”

“يزن.”

“عندك كام سنة؟”

“خمس سنين.”

عين شريف وسعت، خمس سنين نفس المدة بالظبط.. لو كان ابنه جه الدنيا كان هيبقى في نفس عمره.

بلع ريقه: “بابا وماما فين؟”

يزن شاور على الحديقة: “هناك.”

لف شريف راسه… ووقف الزمن.

الست اللي قامت من على المقعد وبتجري ناحية الطفل… كانت نغم.

أول ما شافت شريف الدم اتجمد في عروقها: “لا… مستحيل.”

أما شريف فكان باصص لها كأنه شاف شبح: “نغم…”

شهقة صغيرة خرجت منها ومسكت إيد يزن بسرعة: “يلا يا حبيبي.”

يزن مستغرب: “ماما؟”

شريف فاق واتقدم خطوة: “نغم… استني.”

غمضت عينيها للحظة، كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي بس متخيلتش إنها هتبقى موجعة أوي كده. لفت له وعيونهم اتقابلت بعد خمس سنين كاملة من الاشتياق والوجع.

قال بصوت مبحوح: “انتي كنتي فين ؟…”

دمعة نزلت منها ومسحتها بسرعة. أما شريف فكان باصص بين يزن ونغم، وقلبه بيدق بعنف مرعب لأنه بدأ يلاحظ تفاصيل مينفعش تكون صدفة أبدا.

“عنده خمس سنين؟” سألها بهدوء مخيف.

وشها شحب وعرفت إن السر اللي خبته خمس سنين على وشك ينهار.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *