الليله الاخيره

إن الناس تفضل معاك طول الوقت، الحب إنك تسيب لهم باب مفتوح حتى بعد ما يمشوا، عشان لو رجعوا يلاقوك لسه سامحهم، وقعدت وقتها أبكي، لأنني فهمت إن الست دي رغم كل اللي حصل ما ماتتش وهي پتكره أولادها، ماټت وهي بتحاول تنقذهم من نفس القسۏة اللي عاشت بيها، وماكانتش عايزة ټنتقم منهم، كانت عايزة تسيب لهم فرصة يبقوا أحسن، ويمكن ده كان أعظم شيء عملته في حياتها، وبعد ما خرجت من الأوضة، لقيت الأصغر واقف عند الباب، سألني كانت بتكتب كتير هنا؟، قلتله أيوه، قال كانت بتستنى حد؟، قلت أيوه، قال مين؟، قلت إنتوا، سكت، وبعدين ابتسم ابتسامة حزينة وقال إحنا وصلنا متأخر، قلتله أيوه، بس وصلتوا، قال هي كانت هتفرح لو شافت اللي بنعمله؟، قلتله أعتقد إنها كانت هتقولكم ماتعملوش ده عشان ترضوها، اعملوه عشان ماتكرروش نفس اللي حصل، هز راسه وقال كانت دايمًا بتقول كده، وبعدها دخل الأوضة وقفل الباب، وأنا مشيت، لكن قبل ما أخرج من الممر سمعت صوته بيقول ماما، أنا جيت، وساعتها وقفت لحظة، لأن الجملة اللي كان المفروض تتقال وهي عايشة اتقالت بعد ما ماټت، لكن يمكن لأول مرة ماكانش فيها خوف ولا تبرير ولا طلب، كان فيها اعتراف، اعتراف إن الأم كانت موجودة وإنهم هم اللي كانوا غايبين، وإن كل المال والبيوت والحسابات والعقود ماكانتش تساوي لحظة واحدة كانت مستنية فيها صوت خطواتهم عند الباب، ومن يومها وأنا كل ما أشوف ست كبيرة في الدار بتحط روج أو ترتب شعرها قبل ميعاد الزيارة، ما بسألهاش إذا كانت حد هييجي، بس بقعد جنبها وأقول لها أنا موجودة، لأنني اتعلمت من الست دي إن أحيانًا أكبر هدية ممكن تقدمها لإنسان مش فلوس ولا علاج ولا حتى كلام حلو، أكبر هدية هي إنك تخليه يحس إنه لسه مهم، وإن فيه حد مستعد يقعد جنبه، حتى لو كل الناس التانية اختارت تمشي، وأنا لحد النهارده فاكرة الساعة 1146، وفاكرة إيدها وهي بتشير للنور، وفاكرة آخر ابتسامة على وشها، وفاكرة المظاريف الصفراء وهي متحطوطة على الترابيزة، لكن أكتر حاجة فاكرها جملتها الأخيرة قبل ما تقفل عينيها ولادي يمكن يتأخروا كالعادة، بس المرة دي مينفعش يفوتهم الحق، وفعلاً، هم وصلوا متأخر، لكن الحقيقة وصلت قبلهم، والحقيقة كانت إن الأم اللي ظنوها ضعيفة، كانت أقوى واحدة فيهم، والأم اللي افتكروها نسيت، كانت فاكرة كل حاجة، والأم اللي ظنوا إنها ھتموت من غير ما تسيب حاجة، سابت لهم بيتًا ومشروعًا ومالًا، والأهم سابت لهم درسًا عمرهم ماكانوا هينسوه، إن الإنسان ممكن يعيش من غير فلوس كتير، ومن غير بيت كبير، ومن غير منصب أو شهرة، لكنه صعب جدًا يعيش من غير حد يحسسه إنه مش منسي، وعشان كده، لو في يوم لقيت حد كبير في السن بيقول لك ولادي جايين، ماتضحكش، وماتقولش أكيد مش هييجوا، وماتحكمش عليه إنه متعلق بوهم، يمكن هو مش مستني ولاده بس، يمكن مستني آخر دليل إن كل السنين اللي عاشها كانت ليها معنى، ويمكن زيارة واحدة منك تكون بالنسبة له أهم من كل حاجة، لأنك مش عارف مين في الدنيا دي بيقعد كل يوم يحط روج قدام المراية، ويلبس أحسن هدومه، ويقعد جنب الشباك، ويقول لنفسه يمكن النهارده، ويمكن النهارده ده يكون آخر يوم، وعشان كده ماتأجلش الزيارة اللي تقدر تعملها النهارده، وماتأجلش المكالمة اللي
في إيدك، وماتقولش بعدين، لأن بعض الناس بيقضوا سنين مستنيين كلمة، ولما الكلمة توصل بيكون الوقت خلص، وبعض الأبواب بتفضل مفتوحة لحد آخر لحظة، لكن مش كل الأمهات عندها القدرة تسيب 3 مظاريف صفراء وراها عشان تعلم أولادها الدرس، وبعضهم بېموت في صمت من غير ما حد يعرف قد إيه كان مستني، وعشان كده كانت حكاية الست دي مختلفة، لأنها ما سابتش لأولادها مجرد ميراث، سابت لهم مرآة، كل ما يبصوا فيها يشوفوا نفسهم زي ما كانوا، وتبقى جواهم صورة أمهم وهي قاعدة جنب الشباك، حاطة الروج الأحمر، مستنية، مش عشان تاخد منهم حاجة، لكن عشان تحس إنها لسه أمهم، ولسه في حد فاكرها، ولسه في بيت ممكن يرجعوا له، ولسه في حضڼ مفتوح، وحتى بعد مۏتها، كان الباب مفتوح، لكن المرة دي، اللي كان لازم يدخل منه مش هي، كانوا هم، ويدخلوا وهم شايلين كل اللي هربوا منه سنين، ويدخلوا يعرفوا إن أغلى شيء ضيعوه ماكانش البيت ولا الفلوس ولا الحسابات، كان الوقت، والوقت لما يضيع ما بيرجعش، لكن لو لسه عندك حد مستنيك، لسه عندك فرصة، قوم وروح له، قبل ما يبقى آخر شيء يوصلك منه مجرد ظرف أصفر مكتوب عليه اسمك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *