الليله الاخيره

يستغنى عن حاجات كتير، لكن عمره ما يستغنى عن إحساس إنه مهم عند حد، وكل حد كان بيسأل مين الست دي، كنا بنحكيله قصتها، مش عشان ندين أولادها، لكن عشان نفتكر إن الناس ساعات بتضيع عمرها في الجري ورا حاجات فاكرة إنها مهمة، وتنسى الشخص اللي كان مستنيها في آخر اليوم، وبعد حوالي سنة من ۏفاتها، جالنا راجل كبير جديد للدار، مفيش حد من عيلته جه معاه، وكان كل يوم يقعد جنب الباب ويقول ابني هييجي، والأصغر كان أول واحد يروح يقعد معاه، ويقوله أكيد هييجي، لكن المرة دي ماكانش بيقولها مجاملة، كان بيقولها لأنه فهم معنى الانتظار، وكان كل يوم يحط قدامه فنجان قهوة، ويقعد يسمع حكايته، ولما الراجل سأله إنت ليه بتعمل كده؟، رد عشان كان عندي أم، وكانت بتستنى زيك، وفي يوم من الأيام، الرجل سأله اسمها إيه؟، فقال له اسم أمه، فقال الرجل كانت ست طيبة؟، ابتسم وقال كانت أعظم ست في حياتي، بس أنا فهمت ده بعد فوات الأوان، وبعد سنتين، المؤسسة كبرت، وبقى فيها جناح كامل باسم الأم، لكن من غير اسم عيلة ولا أسماء أولاد، مجرد كلمة واحدة البيت، لأنهم قالوا إن ده كان الاسم اللي كانت بتتمناه، مكان يحس فيه كل كبير إنه في بيته، مش في مكان اتساب فيه، والابن الكبير بقى يزور المكان كل يوم سبت، والبنت بقت تيجي يوم الأربعاء، والأصغر كان موجود تقريبًا كل يوم، وفي كل مناسبة كانوا يحطوا وردة حمراء جنب المراية الصغيرة، لأنهم عرفوا إن الروج الأحمر بالنسبة لأمهم ماكانش مجرد زينة، كان وعد، وعد إنها مهما اتأخروا هتفضل جاهزة تستقبلهم، وبعد وقت طويل، وفي ذكرى ۏفاتها الثالثة، جابوا أحفادها للمكان، وقعدوا قدام صورتها، وحكوا لهم كل حاجة، مش خبوا عنهم تقصيرهم، ولا حاولوا يطلعوا نفسهم أبطال، لأنهم كانوا شايفين إن أكبر تكريم لأمهم هو إنهم يعترفوا بالحقيقة، والحفيد الصغير سأل هي كانت زعلانة منكم؟، الابن الكبير سكت، وبعدها قال كانت زعلانة، بس كانت بتحبنا، فقال الحفيد طب ليه ما رجعتش البيت؟، رد لأننا إحنا اللي كان لازم نرجع لها، والجملة دي فضلت في المكان كأنها آخر درس تركته الأم لأولادها، وبعدها البنت فتحت كتابها القديم اللي كان في أوضة الأم، ولقوا بين صفحات المزمور السابع والعشرين ورقة أخيرة ماكانش المحامي شافها، كانت مكتوبة في آخر يوم، وفيها سطر واحد بس لو أنتم بتقرأوا الكلام ده، يبقى أنا خلاص مش موجودة، ماتضيعوش باقي عمركم في الندم، استخدموه في إنكم ماتخلّوش حد تاني ېموت وهو مستني، لما قرأوا الجملة، ماحدش قدر يتكلم، وبعدها أخدوا الورقة وحطوها في إطار كبير في مدخل المؤسسة، وكل شخص يدخل المكان كان بيشوفها، وكان فيه ناس كتير تقف تقراها وټعيط، لأن كل واحد كان بيشوف فيها شخصًا تركه يستنى، أمًا أو أبًا أو جدًا أو جدة، أو حتى صديقًا كان محتاج مكالمة وماجتش، وفي آخر يوم ليا في الشغل قبل ما أسيب دار المسنين، دخلت أوضة رقم 8، وقعدت جنب الشباك، وفتحت الدرج الصغير اللي كانت الست بتحط فيه الروج، لقيت جوه قطعة ورق صغيرة جدًا، مش من الأوراق اللي سلمها المحامي، كانت مكتوبة بخطها للي هتلاقي الورقة دي، ماتزعليش عليا، أنا عشت عمر طويل، وأخطأت زي أي إنسان، واتوجعت زي أي أم، لكني في آخر أيامي عرفت إن الحب مش



