حفيدتي

“أنت كنت محبوس جوة ليه؟”

وطى راسه في الأرض: “بابا قاللي هتقعد هنا لحد ما تبطل كذب.”

“كذب في إيه؟”

بص لعلبة الدوا.. وبعدها للورقة.. وبعدها لنور.

“قلتله حرام تسيبوها لوحدها وهي تعبانة كده.”

حسيت بنار اتولعت في صدري، اضطررت أخد نفسي بالعافية عشان ما أصرخش.

“وعشان كده حبسك؟”

“قاللي إن أنا ببوظ كل حاجة.”

سرينة الإسعاف بدأت تنور الشارع وتهز زجاج الشبابيك بالأحمر. المسعفين دخلوا بسرعة، فحصوا نور، وسألوني عن الدوا، وبصوا لعلبة الجدول بوشوش مشدودة تخوف.

“حضرتك عارف هي خدت قد إيه من ده؟”

“معرفش..”

يوسف اتكلم من ورايا بصوت واطي: “بابا قال إن الجرعة دي هتخليها نايمة لحد بكرة الضهر.”

الصالة كلها سكتت.

مسعف منهم بصلي بصة كفاية عن أي كلام.

وهم بيشيلوا نور على النقالة، يوسف شد طرف قميصي.

“يا جدو..”

“إيه يا حبيبي؟”

بلع ريقه بصعوبة: “بابا قاللي لو وريت حد أي حاجة.. جدو هيصدقني أنا ومش هيصدقك أنت.”

بصيت للتابلت اللي محشور بين إيديه الصغيرين: “إيه اللي معاك ده يا يوسف؟”

“أنا سجلت.”

“سجلت إيه؟”

عينيه اتملت دموع: “سجلتهم وهم بياخدوا القرار ويسبونا ويمشوا.”

قبل ما ألحق أسأله أكت، نور طلعت صرخة مكتومة من على النقالة. كان لازم نتحرك فوراً على المستشفى.

خدت الورقة، وعلبة الدوا، وفردة كوتشي يوسف. وقفلت باب الشقة ورايا بإحساس عمره ما جالي وأنا بخرج من بيت ابني.

لأول مرة في حياتي، إني أكون أب لسامح مخلانيش عاوز أحميه..

خليتني عاوز أحاسبه على كل لحظة.

يوسف قعد جمبي في العربية، حاطط التابلت المطفي على صدره. وأنا ماشي ورا عربية الإسعاف في شوارع شبرا الفاضية، قال كلمة نزلت عليا زي المية الساقعة:

“بابا كتب قواعد تانية يا جدو.. قواعد عشان محدش في الشارع ولا في الشرطة يصدقنا.”

وفي اللحظة دي بس فهمت.. إن الأسوأ مكنش إننا لقينا نور مرمية على السيراميك ولا يوسف محبوس في الدولاب.

الأسوأ إن الليلة دي.. كانت مجرد البداية..

أول ما وصلنا المستشفى، خدوا نور طارئ على قسم طوارئ الأطفال. ويوسف قعد جمبي في صالة الانتظار، قاعد مشدود ومفرود بطريقة تصعب على الكلب.. ما تجيش أبداً من عيل عنده عشر سنين لسه طالع من حبسة دولاب معرفش قعد فيها كام ساعة.

كان ماسك التابلت بين إيديه مش راضي يسيبه خالص.

شايله على صدره كأنه جواه المفتاح الوحيد اللي هينطق بالحق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *