طردوها من المطعم

طردوها من المطعم عشان مش معاها فلوس كفاية.. وفضلت كل يوم أحد أدفع من بقشيشي تمن أكلها لمدة سنتين.. ويوم ما غابت، ظهر رجل أعمال غني وماسك في إيده شالها القديم وقال بدموع أنا ابنها.. وقعدنا ناكل الشوربة، ولما فتح الجواب اللي سابته أمه، اكتشفنا سر مرعب غير حياتنا للأبد!
خرجي العجوزة دي من الترابيزة اللي على القزاز! الزبون اللي بيدفع بجد بفلوسه يسوى أكتر من كل قروشها!
صوت الحاج عطوة الواطي والمرتفع في نفس الوقت خلى مطعم زهرة الأقصر كله يسكت فجأة.
أمينة، غطاشة ومسؤولة صالة شطورة عندها 33 سنة، وقفت مكانها وماسكة الصينية في إيدها. قدامها كانت قاعدة حاجة زينب، ست عجوزة عندها 81 سنة، ولسه قاعدة ع الطاولة تطلب طبق شوربة دافئ.
الترابيزة دي محجوزة للست حاجة زينب ياعم عطوة، ومش هتتحرك، قالت أمينة بكل ثبات.
أنا هنا اللي بامر! والباشا جاي مع مراته وهيصرف في الوجبة قد اللي الست دي بتدفعه في السنة كلها!
حاجة زينب بدأت تقوم وهي مکسورة الخاطر
معليش يا بنيتي.. هقعد في المطبخ ورا.
بس أمينة حطت إيدها بحنان على كتفها
إنتي مش هتقومي من هنا أبداً.
القرار ده كان هيخسرها
شغلها في ثانية.
مطعم زهرة الأقصر ده كان شغال في قلب وسط البلد بالقاهرة من سنين طويلة. ترابيزات خشب قديمة، أطباق صيني مرسومة، وصور قديمة للنجوم معلقة على الحيطان.
أمينة كانت شغالّة هناك من 6 سنين، مستحملة زعيق الحاج عطوة عشان تحوش قرشين تفتح بيهم مأكولات شعبية خاصة بيها، مكان مبيطردش الغلبان.
فلوسها كانت محوشاها في برطمان إزاز جوه الدلاب، وكاتبة عليه بقلم جاف مشروعي الحلم.
بس فيه سر محدش في الشغل كله كان يعرفه.
طوال سنتين، وكل يوم أحد، وبالضبط الساعة واحدة الضهر، كانتاجة زينب تدخل المطعم لابسة معطفها الصوف القديم، وتطلب نفس الطلب
شوربة لسان عصفور يا ابنتي.. وشوية رز.
وتطلع قروش معدنية من محفظتها القديمة وتعدهم بحرص.
أمينة لاحظت من أول يوم إن الست ملهاش. ومن ساعتها، وبكل أحد، كانت بتدفع تمن وجبة فراخ وسلطة من بقشيشها الخاص وتقول لها
النهارده الأكل على حساب المطعم يا أمي.
الست العجوزة كانت تبتسم
صاحب المطعم ده راجل طيب أوي.
ومن تحت الترابيزة، كانوا بيضحكوا سوا في سرهم.
وهما بياكلوا، كانت حاجة زينب دايما تحكي عن ابنها طارق، رجل أعمال عايش في الإسكندرية
ودايماً مشغول بشغله
بس بيقولي قريب هيجي يزورني.
أمينة كانت عارفة إن الوعد ده طويل وعمره ما هيتحقق.
ولاحظت حاجة غريبة مع إن الترابيزة دي كانت أحلى منظر في المطعم، زينب مكنش بتبص للشارع أبداً، كانت عينيها متعلقة بصورة قديمة على الحيطة لثلاث بنات شغالين في المطعم سنة 1967.
بعد المشقة مع الحاج عطوة، زينب سابت ورقة تحت طبقها
شكراً لأنك دافعتِ عني.. بقالي سنين محدش وقف عشاني.
بعدها بأيام، صحة العجوزة بدأت تضعف.
في يوم وهي بتصب لها الشوربة، مسكت إيدها وقالت بصوت خاڤت
اسمعيني يا ابنتي.. لو جيه يوم أحد ومجتش، استنيني للساعة واحدة ونص.. اوعديني.
ليه بتقولي كده يا حاجة؟
اعديني بس.
الأحد اللي بعده، جهزت الترابيزة في ميعادها.
الساعة واحدة.
واحدة وعشر دقائق.
واحدة وعشرين دقيقة.
حاجة زينب مجتش.
وفجأة.. دخل المطعم راجل طويل، لابس بدلة فخمة ومظبوطة.
وفي إيده.. الشال البيج القديم بتاع زينب، ومعاه ظرف مقفول.
أنتِ أمينة؟
آه.. خير يا فندم؟
الراجل أخد نفس عميق ودموعه خانته
أنا طارق.. ابن زينب.. أمي اتعرضت لجلطة امبارح.. وهي دلوقتي في العناية المركزة.
أمينة حست إن رجلها
مبقتش شايلاها.
بس الصدمة الأكبر لما طلع الظرف




