طردوها من المطعم

وهذا أغلى من كل مليارات العالم!
أقمنا حفل افتتاح كبير؛ حضر أهل طنطا، حضر الأطباء، حضر المحامي، حضر صاحب المطعم القديم، وحتى حسين كتب رسالة اعتذار وقال إنه يعمل الآن في مشروع تنظيف الشوارع عشان يعوض ما فعله؛ والست الكل وقفت على المنصة مستندة علينا وقالت بصوت واضح
أنا لم أترك ميراثًا من ذهب فقط؛ تركتُ لهم درسًا أن لا تستهنوا بالفقير، ولا تستهنوا بمن يعطي سرًا، ولا تظنوا أن الغني هو من يملك أكثر؛ الغني هو من يملك قلبًا يستطيع أن يحب ويشارك!
بعد الحفل، جلسنا نحن الثلاثة على طاولة الست الكل، وأكلنا شوربة لسان العصفور معًا؛ والشال القديم كان معلقًا على الحائط فوق الطاولة كرمز رمز لامرأة صابرة، رمز لأم انتظرت، رمز لابنة أعطت من قلبها، ورمز لابن اكتشف أن الحب أكبر من العمل والمال!
الجزء السادس الإرث الذي لم يكن في حساب بنكي فقط
بعد سنتين، أصبحت المؤسسة معروفة في كل محافظة الغربية؛ قمنا بفتح فروع صغيرة، وأعطينا مئات الشباب فرصة عمل، وأوينا عشرات الأطفال، وأصبح مطعم الست الكل مكانًا يأتي إليه الناس ليس فقط للأكل، بل لكي يسمعوا قصة قصة جرسونة أعطت من بخشيشها، قصة أم اختبرت قلب ابنتها، قصة ابن اكتشف أن العائلة هي أعظم ثروة!
في ذكرى افتتاح المؤسسة الثانية، وقفتُ أنا وطارق وأمي أمام الحضور، وقلتُ بصوت واضح
كثير من الناس يظنون أن المفاجأة الكبرى هي أنكِ تكتشفين أنكِ وريثة؛ لكن المفاجأة الحقيقية كانت أنني اكتشفتُ أن الحب الذي أعطيته سرًا لم يكن ضياعًا! كنتُ أظن أنني فقط أساعد ستًا غلبانة؛ لكنني كنتُ أملأ قلب أم كانت تنتظرني؛ كنتُ أثبت أن الصدق والكرم ليسا ضعفًا؛ كنتُ أزرع بذرة لم أكن أعرف أنها ستصبح شجرة كبيرة!
تعلمنا أن المال قد يأتي ويذهب؛ المناصب قد تتغير؛ الناس قد يستهنوا بكِ؛ لكن القلب الذي يعطي رغم قلة ما يملك هذا هو الشيء الذي لا يُسرق ولا يُفنى!
تعلمنا أيضًا أن العائلة لا تُكتب فقط في شهادة ميلاد؛ هي تُبنى بالانتظار، بالثقة، بالاختبار، بالعفو، بالوقوف بجانب بعضنا حتى عندما يكون الطريق غير واضح! أمي انتظرت عشرين سنة؛ طارق انتظر ليعرف أن له أختًا؛ وأنا انتظرتُ لكي أفهم لماذا كنتُ دائمًا أشعر أنني أفتقد شيئًا كبيرًا؛ والآن وجدناه وجدنا بعضنا البعض!
وأخيرًا طاولة واحدة في مطعم قديم كانت بداية كل شيء؛ لذلك نحن نحتفظ بها دائمًا؛ نضع عليها كل يوم طبق شوربة؛ ونذكر أن أعظم القصص لا تبدأ في القصور؛ بل تبدأ حين يمد إنسان يده لآخر، من غير حساب، من غير انتظار مكافأة، فقط لأن قلبه قال له هذا أخي، هذا أمي، هذا أهلي!
بعد الكلمة، عانقتُ أمي، ثم عانقتُ طارق؛ ونظرنا إلى الشال القديم المعلق؛ كان يبدو وكأنه يبتسم معنا؛ لأن الست الكل لم تكن فقط ستًا عجوزة تأتي لتأكل شوربة؛ كانت أمًا كانت تجمع أسرتها مرة أخرى؛ وأنا مريم التي كنتُ أحوش قرشًا لمشروع المحروسة أصبحتُ جزءًا من مشروع أكبر بكثير مشروع المحبة الذي لا ينتهي!
وفي تلك الليلة، كتبتُ في دفتري القديم نفس الدفتر الذي كنتُ أحسب فيه بخشيشي هذه الكلمات أعطيتُ من القليل، فأعطاني الله الكثير؛ لم أطلب أن أكون غنية؛ طلبتُ فقط أن أكون طيبة؛ ووجدتُ أن الطيبة هي المفتاح الذي يفتح أبوابًا لم أكن أحلم بوجودها أبدًا!
تمت القصة بحمد الله





