الكاس

وقفتِ في مكانك مبرقة، الدم هرب من عروقك لدرجة إنك حسيتِ بأطرافك بتلتج من الساقعة رغم إننا في عز الصيف. نظرات سيف كانت عاملة زي المشرط اللي بيشرح ملامحك، عينيه كانت بتتحرك بين عينيكِ، حواجبك، وتفاصيل وشك، وكأنه بيطابق صورة مرسومة في خياله على الحقيقة اللي واقفة قدامه. النبرة اللي سأل بيها مكنتش مجرد سؤال عابر، كان فيها شك حقيقي، شك يخليكي تموتي في جلدك من الرعب.
​بلعتِ ريقك بصعوبة، وحاولتِ ترسمي على وشك أهدى ابتسامة ممثلة فاشلة ممكن تعملها في حياتها. فركتِ إيديكِ في بعض عشان تداري رعشتهم، وقولتِ بصوت متحشرج حاولتِ على قد ما تقدري تخليه طبيعي: “أه.. أهلاً يا أستاذ سيف. لا خالص، هيكون اتقابلنا فين يعني؟ يمكن بس الشبه خانك، أصل أنا ماليش في الخروج الكتير، ومعظم وقتي بين المذاكرة والبيت.”
​سيف مقتنعش، فضل واقف مكانه، حاطط إيديه في جيوب بنطلونه، وعينيه لسه منزلتش من عليكِ. قرب خطوة كمان، والمسافة اللي بينكم صغرت لدرجة إنك بقيتِ سامعة نفسة الهادي. ضيق عينيه ومال براسه أكتر وقال بصوت واطي ويدوب مسموع: “مش عارف.. الشبه مش في الملامح بس، الشبه في نظرة العين، في الطريقة اللي بتعدلي بيها شعرك لما تتوتري.. في الصوت؟ لا، الصوت مختلف شوية، بس النبرة.. النبرة دي أنا سمعتها قبل كده، ومتاكد إني مش بهلوس.”
​قلبك كان بيدق بسرعة جنونية، لدرجة إنك كنتِ خايفة يسمع دقاته اللي بقيتِ حاسة بيها في ودنك. الذاكرة رجعت بيكِ لورا، للرسائل الصوتية اللي كنتِ بتبعتيهالو وتغيري نبرة صوتك فيها ببرامج تعديل الصوت، وللصور اللي كنتِ بتلعبي في أبعادها وفلاترها عشان تباني واحدة تانية خالص. أنتِ كنتِ حاسبة كل حاجة، إلا اللحظة دي.. لحظة المواجهة الحقيقية اللي مفيش وراها شاشة تستخبي وراها.
​عشان تنهي الحوار ده قبل ما يتطور ومصيبتك تبان، رجعتِ خطوة لورا وقولتِ بسرعة وبنبرة فيها شوية حدة مصطنعة: “عن إذنك يا أستاذ سيف، ماما أكيد بتدور عليا جوا، وأنا مش حابة أقف هنا لوحدي.” وسيبتيه ومشيتِ من غير ما تستني رده، كنتِ بتجري بخطوات سريعة وواسعة وكأنك بتهربي من حبل المشنقة.
​دخلتِ الفيلّا وتوجهتِ فوراً على الحمام، قفلتِ الباب وراكِ بالمفتاح وسندتِ ضهرك عليه. أخدتِ نفس طويل وكتوم، وبصيتِ لوشك في المراية؛ كنتِ صفرا زي الليمونة، وعينيكِ واسعة من الخوف. فتحتِ الحنفية وغسلتِ وشك بمية ساقعة عشان تفوقي. قعدتِ تلومي نفسك بغل: “أنا إيه اللي هببته ده؟ إزاي وافقت آجي اصلاً؟ لو لمح فيا أي حاجة زيادة، أو لو شك بنسبة واحد في المية، هيخرب بيت أختي قبل ما يتبني، وهبقى أنا السبب في دمار حياتها.”
​بعد عشر دقائق، حاولتي تجمعي شتات نفسك، وخرجتِ الصالة. لقيتِ أختك الكبيرة قاعدة جنبه خطيبها، وشها منور وفرحانة، وحماتها المستقلبية عمالة تضحك معاها وتوزع ابتسامات. أما سيف، فكان رجع قعد مكانه على الكرسي الفردي في ركن الصالون، ماسك موبايله، بس أول ما الباب بتاع الممر اتفتح وظهرتِ أنتِ، رفع عينه بسرعة وبص عليكِ. النظرة المرة دي كانت أعمق، وكأنه بيراقب كل حركة بتعمليها، الطريقة اللي بتقعدي بيها، لفتة راسك، وحتى توترك وهو بيزيد كل ما عينك تيجي في عينه.
​الوقت عدا وكأنه سنة، لحد ما بابا قام وقال: “يلا يا جماعة، نستأذن إحنا بقى عشان منأخركمش، والمرة الجاية تنورونا في بيتنا الصغير.”
الجملة دي كانت بالنسبة لكِ زي طوق النجاة اللي اترمالك وأنتِ بتغرق في بحر ملوش آخر. وقفتِ بسرعة البرق، ولبستِ شنطتك، وكنتِ أول واحدة واقفة جنب الباب مستنية اللحظة اللي هتمشي فيها. وأنتوا بتسلموا وتودعوا بعض، سيف وقف قصاد بابا وسلم عليه بحفاوة، وبعدين بص لكِ ومد إيده وقال بنبرة هادية بس مليانة خبث وذكاء: “فرصة سعيدة جداً يا آنسة سما.. وإن شاء الله نتقابل قريب في الفرح، وأتمنى ساعتها نكون اتعرفنا أكتر.. عشان لسه حاسس إننا تقابلنا قبل كده.”
​سلمتِ عليه بطرف صوابعك، يدوب لمسة سريعة، وسحبتِ إيدك كأنك لمستِ نار، وقولتِ بابتسامة باهتة: “فرصة سعيدة.”
خرجتوا من الفيلّا وركبتوا التاكسي، وطول الطريق وأنتِ باصة من الشباك على شوارع القاهرة والأنوار، ومش سامعة أي حاجة من رغي أختك وماما عن الشياكة والفلوس والفستان اللي هيتعمل. عقلك كان شغال زي الماكينة: “هو بيشك ولا متأكد؟ طب لو متأكد مستني إيه؟ ليه مفضحنيش قدام الكل؟ هل بيلعب بيا زي ما لعبت بيه؟”
​لما رجعتوا البيت، دخلتِ أوضتك وقفلتِ الباب. رميتِ الشنطة على السرير ومسكتِ موبايلك القديم اللي كنتِ مخصصة عليه الرقم والـحساب الوهمي اللي كلمتيه منه. فتحتِ الأبلكيشن، وبصيتِ على الشات اللي بينكم. آخر رسائل كانت صعبة وجارحة، كلماتك اللي قولتيله فيها إنه مغفل وضُحكة، وإنك عمرك ما حبتيه، وفوق كل ده الـ 5000 جنيه اللي كنتِ طالباهم منه بحجة إنك في زنقة ومحتاجاهم لعملية لماما، وهو بعتهم في ثانية من غير ما يفكر من كتر ما كان بيثق فيكِ ويحبك.
​نمتِ على السرير وأنتِ باصة للسقف، وتأنيب الضمير والـخوف عمالين ينهشوا فيكِ. أنتِ صحيح كنتِ بتنتقمي لأختك، بس الطريقة كانت قذرة، ودلوقتي اللعبة اتقلبت، والصياد بقا هو الفريسة.
​مرت الأيام، وبدأت الترتيبات الحقيقية للفرح. أختك كانت بتنزل كل يوم تشتري لبس وجهاز، وساعات كتير كان خطيبها بيجي ياخدها، وساعات سيف كان بيجي معاهم بالعربية عشان يوصلهم المولات الكبيرة. في كل مرة سيف كان بيجي فيها تحت البيت، كنتِ بتستخبي ورا الستارة، تراقبي عربيتو السودا الفخمة، ويدوب تلمحي ضله من بعيد وجسمك يتنفض.
​وفي يوم، وأنتِ قاعدة في الصالة بتذاكري، تليفون أختك رن وهي كانت في المطبخ بتساعد ماما. ندهت عليكِ: “سما.. ردي على الموبايل وشوفي مين، لو خطيبي قوليلو ثواني وهكلمه.”
قمتِ مسكتِ الموبايل، وبصيتِ على الشاشة، مكنش خطيبها.. كان “سيف”. قلبك سقط في رجليكِ. فضلتِ واقفة ثواني والموبايل بيغني في إيدك، ومش عارفة تعملي إيه. وفي الآخر، وكنوع من الاندفاع أو الفضول القاتل، فتحتِ الخط وقولتِ بصوت واطي: “ألو؟”
​مفيش رد لثواني.. يدوب صوت نفس هادي وعميق من الناحية التانية. بعدين جه صوته الرجولي، الثابت والـراسي، وقال: “ألو.. سما؟”
نطق اسمك بطريقة خلت شعر جسمك يقف، الطريقة اللي قال بيها “سما” كانت مختلفة عن الطريقة اللي قالها بيها في الفيلّا. كانت فيها نغمة مألوفة.. نغمة الشخص اللي كان بيكلمك بالساعات على الموبايل بالليل.
​قبضتِ على الموبايل بـإيدك التانية وقولتِ بتلعثم: “آه.. أيوة يا أستاذ سيف، أختي في المطبخ ثواني هندهالـك..”
وقبل ما تقفلي أو تبعدي الموبايل عن ودنك، سمعتيه بيقول بسرعة وبصوت حاد وزي الفحيح: “أنا مش عايز أختك.. أنا عايزك أنتِ. افتحي الـواتساب بتاع رقمك القديم يا سما.. عشان في حساب قديم قوي بيننا لازم يتصفى، ومظنش إنك تحبي أختك تعرف الحقيقة قبل فرحها بأسبوع.. صح؟”
​المكالمة اتفصلت، والدنيا اسودت في عينيكِ. الشك قطع الشك باليقين.. سيف عرف كل حاجة، والـلعبة الحقيقية لسه هتبدأ حالا!الموبايل وقع من إيدك على السجادة كأنه حتة جمر قايدة. ودنك كانت بتصفر، والبيت كله حواليكِ اتقلب لـ صمت رهيب مفيش فيه غير صوت دقات قلبك اللي بتهبد في صدرك زي الطبلة.
​”سما! مين اللي كان بيتكلم يا بنتي؟”
صوت أختك وهي خارجة من المطبخ ومسحة إيديها في الفوطة رجعك للواقع بخضة. وطيتِ بسرعة البرق، خطفتِ الموبايل من الأرض وإيدك بتترعش، وقولتِ وأنتِ مديالها ضهرك عشان متشوفش وشك اللي بقا أبيض كفن: “ده.. ده كان سيف يا أبله. بيقولك الخط قطع أو الشبكة وحشة، ورن تاني ومجمعش.. كلميه أنتِ بقى.”
​حدفتِ الموبايل في إيدها وجريتِ على أوضتك قبل ما تلقط نبرة صوتك الميتة. قفلتِ الباب وراكِ بالمفتاح، وسندتِ راسك عليه وأنتِ بتنهجي كأنك كنتِ بتجري ماراثون. “عرف.. عرف إزاي؟” السؤال ده كان بيلف في دماغك كأنه إعصار. الصور كانت متعدلة بفلاتر صعبة، الاسم كان وهمي، الخط كان برقم تانـي خالص ملوش علاقة ببياناتك! إزاي قدر يربط الخيوط ببعضها؟
​افتكرتِ النظرة الحامية اللي بصلك بيها في الفيلّا.. افتكرتِ لما ركز في تفاصيل وشك، وفي الطريقة اللي بتعدلي بيها شعرك لما بتتوتري. سيف مكنش غبي، الغباء الحقيقي كان ظنك إنك بتلعبي بشاب ناضج ومتعلم وعنده نفوذ وفلوس تقدر تجيب قرار أي حد في ثواني!
​مشيتِ بخطوات مهزوزة لغاية الدولاب، فتحتِ أعمق حتة فيه، وطلعتِ الموبايل القديم اللي كنتِ قفلاه ورمياه بقالك أسابيع. حطيتِ الشاحن فيه، واستنيتِ الكام دقيقة بتوع القومة وكأنهم دهور. أول ما الشاشة نورت، والشبكة لقطت، الموبايل بدأ يزن ورا بعضه.. إشعارات ورسايل ورا بعضها زي المطر، كلها من رقم واحد.. رقم “سيف”.
​فتحتِ الـواتساب وإيدك بتتحرك بالعافية. دخلتِ على الشات اللي بينكم، لقيتِ رسالة مبعوتة من نص ساعة بس.. رسالة فيها صورة!
فتحتِ الصورة، ولقيتِ قلبك هيقف من الرعب؛ دي كانت صورة شاشة (اسكرين شوت) لتحويل بنكي باسمك الثلاثي ورقم بطاقتك اللي كنتِ بعتيهالو زمان لما قولتيلو إنك محتاجة الـ 5000 جنيه لعملية ماما! وبما إنك مكنش عندك حساب بنكي، كان التحويل بالبطاقة الشخصية في المحفظة الإلكترونية.. والاسم الحقيقي ظهر عنده!
وتحت الصورة، كان كاتب جملة واحدة وبسيطة بس تموت من الخوف:
​”الاسم: سما.. نفس اسم أخت خطيب أخويا الصغير. لما جيت الفيلّا، الملامح مكنتش واضحة في الصور أه، بس حركة إيدك، ضحكتك اللي لمحتها في المطبخ، وحتى طريقتك في الكلام، كل حاجة نورت في دماغي. أهنيكِ على اللعبة، بس للأسف.. جيتي تلعبي مع الشخص الغلط.”
​دموعك نزلت من كتر قلة الحيلة والـخوف. كتبتِ وإيدك بتترعش: “أنا آسفة.. أنا عملت كده عشان كنت حاسة بالغل من اللي عملته في أختي. أرجوك بلاش تقول حاجة، أختي ملهاش ذنب، هي بتحب أخوك والـفرح كمان أسبوع!”
​مفيش دقيقة، ولقيتِ العلامتين بقوا أزرق.. بيقرأ. وبعدها ظهرت جملة: “جاري الكتابة…”
النص دقيقة دي حسيتِ فيها إن روحك بتتسحب. راح بعت رسالة صوتية، فتحتيها وحطيتي الموبايل على ودنك وأنتِ كاتمة نفسك. جه صوته الهادي، البارد، اللي مفيش فيه أي عصبية، وده اللي كان مرعب أكتر:
“أختك ملهاش ذنب؟ وأنا كان ذنبي إيه يتلعب بيا بالشكل ده؟ كان ذنبي إيه يتسحب مني مشاعر، وفلوس، وتدوسي على كرامتي وتقولي عليا مغفل وتعمليلي بلوك؟ على العموم.. أنا مش هخرب الفرح، بس بشرط واحد. تنزليلي حالا، أنا واقف بالعربية تحت بيتكم.”
​جسمك اتجمد. نزلتِ جري على الشباك، واربتِ الستارة وبصيتِ لتحت. العربية السودا الفخمة بتاعته كانت واقفة على ناصية الشارع، وأنوارها مطفية، كأنها وحش مستني فريسته في الضلمة.
​لفيتِ في الأوضة زي المجنونة. تنزلي؟ طب لو نزلتِ هيعمل فيكِ إيه؟ طب لو منزلتش، هيرفع سماعة التليفون على أخوه أو على أختك، والـحكاية كلها هتتفرش في دقيقة، والفرح هيبوظ، وعيلتك كلها هتنكسر قدام الناس. مكنش قدامك أي اختيار.. أنتِ محبوسة في الزاوية اللي صنعتيها بنفسك.
​غيرتِ هدمومك بسرعة، لبستِ عباية سودا وطرحة ونزلتِ من غير ما حد يحس بيكِ. سلم السلم كان كأنه طريق للمقصلة. فتحتِ باب العمارة، وخرجتِ للهوا الساقع بتاع الليل. مشيتِ بخطوات بطيئة جداً لحد ما وصلتِ للعربية.
أول ما قربتِ، الباب اللي جنب السواق اتفتح أوتوماتيك. بلعتِ ريقك، وركبتِ وقفتلِ الباب وراكِ.
​الـعربية كانت ريحتها برفيوم غالي وقوي، والتكييف شغال بهدوء. سيف كان قاعد ورا الدريكسيون، لابس قميص أسود مأنتك، وساند راسه لورا وباصص قدامه. ملمحش بكلمة ولا التفت لكِ لأول دقيقتين، والصمت ده كان بيعذبك بالبطيء.
​أخيراً، دار وشه وبص لكِ. النظرة المرة دي مكنش فيها شك، كان فيها نظرة انتصار وصياد ماسك فريسته. مالمسكيش ولا قرب منك، بس قال بنبرة واطية ورخيمة: “منورة يا كابتن.. مش كنتِ بتقولي إني مغفل وبتاع مظاهر؟ أهو المغفل واقف تحت بيتك بكلمة منك، بس المرة دي.. اللعب بشروطي أنا.”
​نزلتِ راسك في الأرض ودموعك جرت على خدك: “أرجوك يا أستاذ سيف.. خد الفلوس اللي أنت عايزها، هصرفلك الـ 5000 جنيه والله وأرجعهملك، بس بلاش تأذي أختي. أنا مستعدة أعمل أي حاجة.”
​سيف ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة كلها سخرية وجع كبرياء، ومال عليكِ شوية وقال: “فلوس؟ أنتِ فاكرة إن الـ 5000 جنيه دول هما اللي فارقين معايا؟ أنا ممكن أشتري الشارع اللي أنتِ ساكنة فيه ده كله بفلوس فكة في جيبي. أنا اللي وجعني إن عيلة صغيرة زيك، تضحك عليا وتستغفلني، وتخليني أفتح قلبي وأحكي أسرار ميعرفهاش أقرب الناس ليا.. لواحدة وهمية!”
​سكت شوية، ورجع ضهره لورا وقفل سنترال العربية وقال: “أنتِ قولتِ إنك مستعدة تعملي أي حاجة عشان أختك وفرحها.. تمام. الفرح هيتم، وأنا مش هقول كلمة واحدة لأخويا ولا لأختك، بس من هنا لحد يوم الفرح، وبعد الفرح كمان.. أنتِ هتبقي تحت أمري. الخمسة آلاف جنيه دول، هتدفعيهم تمن غالي قوي.. من كرامتك وراحتك يا سما. وأول طلب ليا.. ”
​سيف سكت، وبص في عينيكِ بنظرة خلت قلبك يقع في رجليكِ وهو بيكمل جملته اللي غيرت كل اللعبة!وأول طلب ليا.. إنك من بكرة الصبح، هتشتغلي مساعدة شخصية عندي في مكتب الشركة. شفتي سهلة إزاي؟ أختك هتتجوز أخويا، وأنتِ هتشتغلي عند الراجل اللي دافعة في حقه تمن كرامته.”
​بصيتِ له بذهول والصدمة لجمة لسانك، وقولتِ بنبرة مخنوقة: “أنت مجنون؟ أنا عندي 15 سنة ولسه بدرس في أولى ثانوي! أشتغل فين؟ وماما وأختي هقولهم إيه؟!”
​سيف ابتسم ابتسامة برود تقهر، وطلع من جيبه سيجارة ولعها وقال وهو بيطلع الدخان من الشباك: “دي مشكلتك أنتِ مش مشكلتي، اتصرفي.. قولي تدريب صيفي، قولي كورسات، اطبخي أي كذبة من اللي أنتِ شاطرة فيهم. قدامك لحد بكرة الساعة تسعة الصبح، لو مجيتيش العنوان اللي هبعتهولك على الواتساب.. اعتبري الفرح اتلغى، والـ (اسكرينات) وصوتك اللي لسه مسجله عندي هيكونوا عند أختك وأخويا.”
​فتحتِ باب العربية ونزلتِ وأنتِ مش شايفة قدامك من الدموع. جريتِ على جوه البيت وقبل ما حد يحس بيكِ دخلتِ أوضتك وترمتِ على السرير. طول الليل مكنش وراكِ حاجة غير العياط والتفكير.. أنتِ حفرتِ حفرة لأختك ولنفسك ووقعتِ فيها، ومبقاش عندك مهرب.
​تاني يوم الصبح، نزلتِ من البيت بحجة إنك رايحة كورس كمبيوتر مع صحابك، وروحتِ على العنوان اللي بعتهولك. كان برج إداري عملاق وفخم في وسط البلد. دخلتِ الشركة وركبتِ الأسانسير وأنتِ حاسة إنك رايحة لـ حتفِك. أول ما دخلتِ مكتبه، لقيتيه قاعد ورا مكتب خشب ضخم، لابس بدلة شيك جداً، وبص لكِ بنظرة انتصار من غير ما ينطق.
​من اليوم ده، بدأت رحلة العذاب الحقيقية. سيف مكنش بيمد إيده عليكِ ولا بيشتمك، بس كان بيذلك بالشغل والمظاهر. كان بيخليكِ تقفي بالساعات تنظمي ملفات، وتعملي له قهوة، ويمسح بكرامتك الأرض لو الكوباية ناقصة سكر، وكان دايماً يلمح لكِ بكلام يوجع ويفكرك باللي عملتيه فيه. وأنتِ كنتِ بتستحملي وبلعة الإهانة وسكتة عشان خاطر فرح أختك اللي قرب.
​مرت الأيام والأسابيع، والضغط كان بيزيد عليكِ لدرجة إن ملامحك بقيت دبلانة وتحت عينيكِ أسود من قلة النوم والخوف. وفي يوم، قبل الفرح بيومين بس، سيف طلبك في مكتبه بالليل والشركة كلها كانت فاضية ومفيش غيركم.
​دخلتِ ووقفتِ قدام مكتبه، وقولتِ بضعف ونبرة مكسورة: “أستاذ سيف.. الفرح بعد بكرة، أنا نفذت كل اللي طلبته، واستحملت كل الإهانات والشغل، ورجعتلك الفلوس كمان بعد ما حوشتها من مصروفي ومرتبي اللي بتديهوني.. أرجوك، كفاية لحد كده وسيبني في حالي.”
​سيف قام من ورا مكتبه، وقرب منك بالراحة لحد ما بقى واقف قصادك بالملي. بص في عينيكِ الدبلانة، ولأول مرة نظرة البرود والتحدي اللي في عينيه تختفي، ويحل محلها نظرة غامضة فيها عتاب ووجع قديم. سكت شوية، وبعدين طلع الموبايل بتاعه من جيبه، وفتح الشات الوهمي القديم اللي بينكم.
​بص للموبايل وقال بصوت واطي ومبحوح: “عارفة إيه أكتر حاجة بتوجعني يا سما؟ إني لما اتكلمت معاكِ على النت، أنا مكنتش بتكلم مع ملامح ولا مع فلاتر.. أنا كنت بتكلم مع روح. أنا حبيت طريقتك، حبيت ذكائك، وحكيتلك عن ضغوط شغلي وعن حياتي اللي مفيش حد بيسمعني فيها.. أنا بجد فتحتلك قلبي اللي عمري ما فتحته لمخلوق. ولما جيتي في الآخر وقولتِ إنك كنتِ بتلعبي بيا عشان تنتقمي لأختك.. أنتِ مكسرتيش كبريائي بس، أنتِ كسرتي قلبي.”
​دموعك نزلت غصب عنك، وحسيتِ بنغزة قوية في قلبك. لأول مرة تكتشفي إن اللعبة اللي عملتيها مكنتش مجرد انتقام، دي كانت جريمة في حق مشاعر إنسان بجد.
​سيف قرب خطوة كمان، ومسح دمعة نازلة على خدك بطرف صوابعه بحنية صدمتك، وقال بنبرة هادية بس مرعبة: “أنا كنت ناوي أذلك وأدفعك التمن غالي.. بس اكتشفت إن الوجع الحقيقي مش في الانتقام. الوجع الحقيقي إني كل ما ببص في وشك وبشوف خوفك مني، بكره نفسي وبكرهك أكتر.. الخمسة آلاف جنيه بتوعك أهو، والشات كله أنا مسحته حالا قدامك.”
​ضغط على زرار في موبايله ومسح كل حاجة نهائي، وبص لكِ وقال: “الفرح هيتم، وأنا مش هقول كلمة واحدة لحد.. وأنتِ من بكرة مش عايز أشوف وشك في الشركة تاني، اللعبة خلصت يا سما.. وروحي، أنتِ حرة.”
​سيبتيه وخرجتِ من الشركة وأنتِ بتجري في شوارع القاهرة بالليل، دموعك مغرقة وشك.. بس المرة دي مكنش عياط خوف من الفضيحة، كان عياط من نوع تاني خالص. حسيتِ بنغزة في قلبك غريبة مش فاهماها. هل هو تأنيب ضمير؟ ولا صدمة من حنيته المفاجأة؟ ولا.. ولا حاجة تانية أنتِ مش عايزة تعترفي بيها لنفسك؟
​جه يوم الفرح.. القاعة كانت أسطورية، والأنوار والـمزيكا قالبة المكان. أختك كانت زي القمر في فستانها الأبيض، وخطيبها طاير بيها من الفرحة. وأنتِ واقفة في ركن بعيد، لابسة فستانك وباصة عليهم بابتسامة باهتة، والـحمل اللي كان على كتافك انزاح، بس قلبك مكنش مرتاح.
​وفجأة، لمحتيه.. سيف كان واقف وسط معازيم عيلته، لابس بدلة سودا كاملة وشكله يخطف العين. عينك جت في عينه من بعيد.. النظرة المرة دي مكنش فيها غل، ولا رغبة في الانتقام، كانت نظرة طويلة، غامضة، ومليانة كلام ملوش آخر.. ونفس النغمة المألوفة اللي حبتيها زمان رجعت تندهلك من بعيد.
​سيف دور وشه ومشي وخرج من القاعة بالراحة.. وأنتِ فضلتِ واقفة في مكانك، قلبك بيدق وعقلك بيسألك: هل فعلاً الحكاية خلصت لحد هنا؟ ولا دي كانت مجرد بداية للقصة الحقيقية؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *