حفيدتي

بعدها سكتت خالص. ناديت عليها بصوت عالي لدرجة إن زوري وجعني، لحد ما سمعت أنهة صغيرة منها.

وصلت، ولقيت مدخل العمارة مفيش فيه عربيته.

هنا تأكدت إن كل كلام سامح كان كذب.

طلعت وافتحت بالنسخة الاحتياطية اللي كان مديهالي زمان، أيام ما كنا لسه بنمثل إننا عيلة واحدة وبيت واحد.

نور الصالة كانت قايدة. فيه كوباية مية متلمستش على الترابيزة. وفردة كوتشي بتاعة يوسف مرمية في الممر، مقلوبة، كأن حد خلعها منه بالعافية أو كأن الواد كان بيجري وهو خايف.

“نور!”

لقيتها جنبة السفيرة، مرمية على السيراميك الساقع، وخدها ملزوق في الأرض. بيجامتها الوردية غرقانة عرق، شفايفها متشرحة من الجفاف، وجسمها بيطلع صهد.

“جدو..”

اترميت على الأرض جمبها وطلبت الإسعاف فوراً. وأنا بمليهم العنوان، رفعتها بالراحة بين إيدي.. كانت بتغلّي.

وفي اللحظة دي، لمحت علبة دوا برتقالي على الترابيزة.

دوا جدول متهدئ. مش باسم نور.. ولا ينفع أصلاً للأطفال.

وجمبه كانت فيه ورقة متطبقة. فتحتها بإيد بترعش.

يا بابا:

نور بتهول أوي لما بتتعب. إدناها حاجة تنيمها عشان تريحنا وما تعملش دراما. إحنا راجعين يوم الأحد. أرجوك متكلمش حد ولا تعمل هيصة. وما تصدقهاش لو قالتلك أي حاجة عن دولاب الهدوم.

قريت السطر الأخير ده ثلاث مرات.

وما تصدقهاش لو قالتلك أي حاجة عن دولاب الهدوم.

بصيت ناحية الممر.

دولاب الخشب الكبير اللي في الوش كان مقفول.

نور، وهي نيمانة بين إيديا، مسكت في لياقة قميصي بصوابعها الصغيرة.

“بلاش تروح هناك يا جدو..”

“مين جوة يا نور؟”

غمضت عينها وما ردتش.

وفجأة.. سمعت الصوت.

خبطة خفيفة.

تك.

وبعدها واحدة كمان.

تك.

مشيت بالراحة ناحية الدولاب وأنا شايل نور.

“يوسف؟”

سكون تام.

“يوسف.. أنا جدو توفيق.”

من ورا الخشب المقفول، طلع صوت مخنوق ومكسور: “هي نور صحيت؟”

فتحت الباب بسرعة.

حفيدي أبو عشر سنين كان قاعد على أرضية الدولاب الضيقة، ضامم ركبه لراسه في الضلمة. وشه كان ورميان من كتر البكاء، فردة رجله حافية، وماسك التابلت في إيده كأنه طوق نجاة.

“يوسف..”

مسألنيش عن أبوه. مسألش هو محبوس هنا ليه.

بص بس على أخته.

“هي كويسة يا جدو؟”

فيه حاجة اتكسرت جوايا ومبقاش ينفع تتصلح.

“الإسعاف في الطريق يا حبيبي.”

هز راسه بالراحة، كأنه كان مستني المصيبة دي تحصل من بدري.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *