الشنطه السودا

نفس عمر هرب منه تماماً أول ما قرأ السطر الأخير.. “إلغاء المنحة”. الكلمة كانت بتلف في دماغه زي الدوامة، بتسحب معها كل سهر الليالي، وكل حلم حلمه وهو راكب ميكروباص المطرية ساعة الفجرية، وكل ضحكة وفرحة في عين أمه لما عرفت إن ابنها دخل جامعة زويل بمنحة كاملة عشان عبقريته.
​البيت في المطرية كان هادي، ريحة الشاي بالنعناع اللي أمه بتعمله كانت مالية الصالة الصغيرة. عمر كان قاعد في أوضته، ضامم ركبه لصدوره، واللاب توب القديم بتاعه مفتوح على الإيميل المشؤوم. نادين كانت بتتصل بيه كل خمس دقائق، صوتها في الموبايل كان بيرعش من الخوف والغضب: “عمر، أنت لازم تتكلم! لازم تقولهم إنهم هما اللي بدأوا، الفيديو ده متفبرك، باين جداً إنه مقصوص!”
​عمر رد بصوت شريد ومكتوم: “هقول لمين يا نادين؟ العميد يبقى صاحب أبو شريف، والجامعة كلها قايمة على تبرعاتهم. أنا في نظرهم حتة عيل بيئة أخد مكان مش مكانه، وغلط في أسياده.”
“متقولش كده يا عمر!” نادين زعقت في التليفون: “أنت أذكى واحد في الدفعة، السيستم بتاعك ده كان هيحل أزمة الكهربا في قرى بحالها! متستسلمش.”
​عمر قفل السكة وهو حاسس بغصة في حلقه. بص على الشنطة السودا اللي فيها المشروع، الكسر اللي في جنبها كان زي الجرح في قلبه. فتح الشنطة وبص للجهاز.. وفجأة، عينه لمعت بلمحة ذكاء وداهية. هو مكنش بس طالب هندسة شاطر، عمر كان “هاكر” بالفطرة، بيحب يفهم كل حاجة ماشية إزاي. افتكر الشريط الأسود العريض اللي كان لافه على البوردة الأساسية للجهاز عشان يحمي السلوك. الشريط ده مكنش مجرد لزق.. ده كان اللعبة كلها.
​تاني يوم الصبح، الساعة تمانية ونص.
ساحة الجامعة كانت زحمة، بس النظرات كلها كانت مختلفة. النظرات اللي كانت زمان فيها احترام للشاب العبقري، اتقلبت لنظرات خوف واشمئزاز. الإشاعة انتشرت زي النار في الهشيم: “بتاع المنحة طلع بلطجي وضرب عيال الـ VIP”.
​عمر كان ماشي وسطهم، رافع راسه، لابس نفس القميص السادة، وماسك الشنطة السودا في إيده. نادين كانت مستنياه قدام مكتب العميد، وشها كان أصفر ومخطوف. “عمر، شريف جوه مع أبوه والعميد، وجايبين معاهم تقرير طبي ميزور إن شريف عنده كسر في الضلوع!”
​عمر ابتسم ابتسامة غامضة وقالها: “سيبيهم يكتبوا اللي هما عايزينه يا نادين.. كل ساقي هيسقى بما سقى.”
​الباب اتفتح، والسكرتيرة بلغتهم بالدخول.
المكتب كان فخم جداً، التكييف مركزي بيطلع ساقعة تلج، والسجاد الإيراني يغرق فيه القدم. ورا المكتب كان قاعد الدكتور رأفت، عميد الكلية، وبجنبه منصور بيه كاردينال، أبو شريف، راجل بكرش كبير وبدلة ملوكي وساعة بتلمع بتمن شقة في المطرية. وشريف كان قاعد على كرسي، لافف دراعه بشاش أبيض وعامل نفسه دايخ ومجروح، وجنبه صبيانه شادي وحازم واقفين زي شهود الزور.
​العميد بص لعمر بنظرة احتقار ورمى الملف على المكتب: “اتفضل يا عمر.. أعتقد مش محتاجين نشرح أنت هنا ليه. الفيديو اللي مال السوشيال ميديا وسايت الجامعة بيثبت إنك همجي، واعتديت على زمايلك في حرم جامعي محترم.”
​منصور بيه اتكلم بصوت جهوري وزعيق هز الأوضة: “الواد الصايع ده لازم يتفصل مش بس يتلغي منحته! ده جاي من العشوائيات يبلطج على عيالنا؟ ده ابني شريف منصور، اللي بسببه الجامعة دي بتاخد ملايين تبرعات، ينضرب من حتة جربوع؟”
​عمر وقف بثبات، وبص لشريف اللي كان بيبتسم من ورا أبوه بامتعاض وشماتة. عمر قال بكل هدوء: “يا دكتور رأفت، الفيديو ده مقصوص ومتعدل. شريف هو اللي بدأ، وخنقني، وكان هيكسر الجهاز اللي تعبت فيه.”
​العميد سخر: “أنت هتكذب الكاميرا يا ولد؟ الفيديو واضح! ومنحتمك ملغية ملغية، وده قرار نهائي، وهيتم إبلاغ الشرطة بالتقرير الطبي اللي معاهم.”
​شريف اتكلم بصوت متصنع التعب: “يا بابا، أنا مكنتش عايز أئذيه، أنا بس كنت بقوله يوريني الجهاز، هو اللي هجم عليا بحركات مصارعة بيئة زي اللي بيعملوها في منطقتهم.”
​هنا عمر ضحك.. ضحكة عالية رنت في المكتب الفخم، خلت العميد ومنصور بيه يتجننوا.
“بتضحك على إيه يا صايع أنت؟” منصور بيه زعق.
​عمر قرب من المكتب، وحط الشنطة السودا، وفتحها وطلع الجهاز اللي فيه الكسر. “بضحك على الغباء يا منصور بيه.. بضحك على إن ابنك وصبيانه فاكرين نفسهم أذكياء، وميعرفوش إنهم وقعوا في شر أعمالهم.”
​العميد زعق: “الزم حدودك يا عمر! أنت مطرود!”
​عمر بص للعميد وقاله: “قبل ما تطردني، بص على الشاشة دي.”
عمر طلع تليفونه القديم، وضغط على زرار. وفجأة، شاشة العرض الكبيرة اللي في مكتب العميد، واللي كانت بتعرض لوجو الجامعة، اتقلبت وبقت شاشة سودا، واشتغل عليها فيديو.. بس مش الفيديو المتمنتج.
​المشهد بدأ من أوله.. شريف وهو بيوقف عمر، كلامه المستفز: “تلاقيك مخترعه من زبالة الوكالة”، شادي وحازم وهما بيسخروا من جزمته القديمة ويقولوا: “اضحك يا بتاع المنحة شكلك هتبقى تريند”، واللقطة القاتلة: شريف وهو بيلف ورا عمر ويخنقه من رقبته بكل غل ويهمس: “أنت مش في منطقتكم هنا عشان تفرض كرامتك”. وبعدها حركة الجودو السريعة من عمر الدفاعية والنظيفة اللي مفيهاش أي كسر أو اعتداء غير مبرر.
​الأوضة اتملت بالسكوت المطبق. وش شريف اتقلب وبقى لونه زي الأموات، ومنصور بيه بوقه اتفتح من الصدمة، والعميد بدأ يعرق.
​عمر قال بصوت ثاقب زي الس*كينة: “أنتوا كنتوا فاكرين إن العيال اللي بتصور دي بتصور بمزاجها؟ شريف باشا ميعرفش إن الجهاز بتاعي ده، اللي قال عليه من زبالة الوكالة، فيه سنسور كاميرا حرارية وبانوراما ٣٦٠ درجة مخفي تحت الشريط الأسود ده! أنا حاطه عشان السيستم يقيس زوايا الشمس، بس السنسور ده متوصل بـ “سيرفر” خاص بيا، بيسجل كل حاجة صوت وصورة بجودة 4K من أول ما الشنطة بتتفتح أو تتهز جامد.”
​عمر قرب خطوة من شريف اللي كان بيرعش: “الخبطة اللي أنت خبطتها للشنطة، فعلت الكاميرا وسجلت خناقتك، وحقارتك، وتزويرك. ومش بس كده.. الفيديو ده دلوقتي، وأنا بكلمكم، بيترفع لايف على جروبات الجامعة كلها، وعلى صفحات السوشيال ميديا، وبعتّ نسخة منه لوزارة التعليم العالي ولقنوات الأخبار.”
​منصور بيه وقف ووشه أحمر وعروقه بارزة: “أنت بتسوء سمعة عيلتي وجامعتي؟ أنا هحبسك!”
​عمر بص له بكل ثقة وقاله: “تحبسني بإيه؟ بالفيديو اللي بيثبت إن ابنك هو اللي بدأ بالاعتداء والشروع في الق*تل بالخنق؟ ولا بالتقرير الطبي المزور اللي لو الطب الشرعي شافه ابنك والدكتور اللي كتبه هيدخلوا السجن؟ أنا ماليش ضهر زيك يا منصور بيه، بس ليا عقلي.. والعقل هو اللي بيكسب في الآخر.”
​العميد رأفت حاول يلم الموضوع، صوته اتهز وبقى فيه نبرة رجاء: “عمر.. يا ابني، احنا ممكن نحل الموضوع ودي.. المنحة مش هتتلغي، والجهاز بتاعك هياخد المركز الأول في المسابقة، بس ارجوك اقفل البث وامسح الفيديو.”
​عمر بصلهم بنظرة كلها كبرياء، لم جهازه وحطه في الشنطة وقفل السوستة. بص للعميد وقال: “المنحة بتاعتكم دي أنا مش عايزها.. الجامعة اللي تكرم الحرامي والمزور وتهين العبقري عشان فلوسه، متلزمنيش. أنا جالي عرض من جامعة بره مصر لما شافوا بروفايل المشروع على النت من أسبوع، وكنت متمسك بالبلد دي وعايز أخدمها.. بس دلوقتي؟ البلد دي أحسن لها تنضف من اللي شبهكم.”
​عمر لف ضهره ومشي بخطوات ثابتة وواثقة، فتح الباب وخرج. نادين كانت واقفة بره وعينها مليانة دموع فرحة وفخر وهي شايفة الموبايلات في إيد الطلاب كلهم عارضة الحقيقة، والكل بيبص لعمر بنظرة ذهول واحترام حقيقي. شريف وصحابه طلعوا وراه وعينيهم في الأرض، منبوذين ومكسورين وسط نظرات الاحتقار من زمايلهم.
​عمر بص لنادين وابتسم وقالها: “يلا بينا.. لسه القصة مخلصتش، دي يدوبك البداية.”
خرج عمر من بوابة الجامعة، الشمس كانت حامية، بس لأول مرة يحس بنسمة هواء باردة ونقية بتخبط في وشه. ساب وراه صرح كبير، بس أخد معاه كرامته وعقله.. وهو عارف إن اللي جاي هيكون أكبر بكتير، وإن شريف وأبوه مش هيسكتوا، بس المرة دي.. اللعب هيبقى على المكشوف وفي ملعب عمر.الشنطة السودا في إيده كانت أتقل من الأول، مش بسبب الجهاز، بس بسبب الهم اللي سابه وراه والفصل الجديد اللي هيتفتح في حياته. نادين كانت ماشية جمبه، خطواتها سريعة ومش ملاحقة على كمية الإشعارات والرسائل اللي عمالة تنزل على تليفونها زي المطر.
​”عمر! أنت مش متخيل الفيديو عامل إيه على الفيس بوك وتويتر! الدنيا مقلوبة.. الناس كلها بتتكلم عن مهندس زويل اللي جاب حق الغلابة، والوزارة لسه منزلة بيان عاجل بتقول فيه إنها فتحت تحقيق رسمي مع إدارة الجامعة!”
​عمر مكنش باصص للتليفون، عينه كانت على الرصيف، والابتسامة الهادية لسه على وشه:
​”كل ده حلو يا نادين، بس منصور الكاردينال مش راجل سهل. ده حوت، والحتان مابتسيبش حقها لما يتجرح قدام الناس. هو دلوقتي مش فارق معاه ابنه شريف.. فارق معاه اسمه والأسهم بتاعته اللي هتقع في السوق بسبب الفضيحة دي.”
​نادين وقفت فجأة ومسكت دراعه:
​”يعني إيه؟ تفتكر ممكن يعملوا فيك حاجة؟”
​عمر بص في عينها وقارن الخوف اللي فيها بالثقة اللي جواه:
​”يعني اللعب الحقيقي بدأ. شريف وصحابه كانوا عيال مراهقة بنأدبهم، لكن منصور الكاردينال ده وحش السوق. بس متخافيش.. أنا مأمن نفسي.”
​في نفس اللحظة، جوه مكتب منصور بيه.. التليفونات مكنتش بتبطل رن. الراجل كان بيكسر كل حاجة تيجي قدام إيده. طفى السيجار في المكتب الأبنوس وزعق في شريف اللي كان واقف بيرعش ووشه جايب ألوان:
​”يا فاشل! يا حتة صايع هتدمرلي شغلي واسمي عشان عيل جربوع من المطرية؟! أنا في سوق المقاولات والحديد بقالي تلاتين سنة محدش لPart خيط عليا.. تيجي أنت في ثانية تخلي عيل مش لاقي ياكل يصورك وأنت مخروم وراكع على ركبك؟!”
​شريف اتكلم بصوت متحشرج:
​”يا بابا أنا مكنتش أعرف إن الجهاز فيه كاميرا.. ده كان شكله خردة!”
​”اقفل بقك خالص!” منصور بيه شاورله بصباعه بتهديد: “الموضوع ده مش هيعدي. الواد ده لو افتكر إنه كسب الجولة، فالمعركة لسه مخلصتش. كلملي المحامي.. وكلملي الرجالة. الواد ده جهازه وسيرفره لازم يختفوا من الوجود، والمنحة اللي فرحان بيها بره مصر دي.. أنا هخليه يحلم يسافر بره حدود منطقته!”
​الساعة دقت حداشر بالليل في بيوت المطرية المحشورة جمب بعضها.
عمر كان قاعد مع أمه، الست الطيبة اللي شقيت عليه بعد وفاة أبوه. كانت قاعدة بتبكي وتمسح دموعها بطرف طرحتها وهي شايفة وشه في التلفزيون في نشرة الأخبار:
​”يا ابني أنا خايفة عليك.. يا عمر يا حبيبي احنا ناس غلابة وملناش في مشاكل الحيتان دول. المنحة وضاعت.. فداك يا ابني، بس بلاش يأذوك.”
​عمر وطى على إيد أمه وباسها بحنان:
​”يا أمي، اللي خلقنا مبيضيعناش. وأنا من يوم ما دخلت الكلية دي وأنا عارف إن كرامتي هي رأسمالي. لو كنت طاطيت لشريف النهاردة، كنت هعيش طول عمري مكسور العين. نامي وأنتي مطمنة، ابنك مش غبي.”
​أول ما أمه دخلت تنام، عمر قعد على السرير وفتح اللاب توب بتاعه. عينه كانت مركزة على الشاشة، وفجأة دخل على السيرفر الخاص بالجهاز. لقطات الكاميرا البانوراما كانت لسه بتسجل جوه الشنطة وهي محطوطة في الأوضة.
​لكن فجأة.. لمح حاجة غريبة على شاشة المراقبة الخارجية لبيته.
عمر كان مركب كاميرا صغيرة جداً فوق باب الشقة من برا لحماية أمه. الشاشة ظهر فيها تلات رجالة بجسم ضخم، لابسين لبس أسود، وواقفين على أول السلم بيوشوشوا بعض، وواحد منهم سحب من جنبه “مفك حديد كبير” وبدأ يقرب من باب الشقة بهدوء.
​قلب عمر دق بسرعة، بس مش من الخوف.. من الحماس. المعركة بدأت أسرع مما توقع.
قام من على السرير بسرعة من غير ما يعمل صوت. بص حواليه.. مفيش وقت يكلم الشرطة، السلم ضيق والرجالة على الباب.
افتكر تدريبات جده المنشاوي.. وافتكر إن الذكاء دايماً بيكسب القوة الغشيمة.
​عمر جرى على المطبخ، جاب زجاجة زيت أكل، ودلقها كلها بسرعة وبخفة ورا الباب مباشرة وعلى أول عتبة السلم. وفي إيده التانية، مسك سلك كهربا عريان كان مجهزه لتجارب الهندسة، ووصله بفيشة قريبة، وثبته في المقبض الحديدي بتاع الباب من الداخل!
​ثواني وسكت الصوت برا.. وجت لحظة الصفر.
واحد من الرجالة حط إيده على مقبض الباب عشان يجرب يفتحه بالراحة..
​”تـششششششش!”
الراجل اتكهرب صدمة شديدة لدرجة إنه صرخ صرخة مكتومة ورجع لورا بظهره، خبط في صاحبه اللي وراه، والاتنين اتزحلقوا على الزيت اللي مالي العتبة، ونزلوا يتدحرجوا على السلم الضيق زي شوال البطاطس، وهما بيشتموا ويصرخوا من الوجع والكسور!
​عمر فتح الباب فجأة، ووقف على أول السلم وبص لهم وهما بيكحوا على الأرض وتحت رجليهم الزيت، ورفع تليفونه وصورهم فيديو:
​”مساء الخير يا رجالة منصور بيه.. قولوا له المطرية ليها أصحاب، والمرة الجاية مش هتبقى زيت وكهربا.. المرة الجاية هتبقى حبس بتهمة السطو المسلح.”
​الرجالة قاموا بالعافية، يجروا رجليهم وهما مرعوبين من العيل اللي قلب الترابيزة عليهم في ثواني.
​تاني يوم الصبح..
منصور الكاردينال كان قاعد في شركته، مستني مكالمة من رجالته تأكد له إنهم جابوا الجهاز وكسروا دماغ عمر. لكن المفاجأة كانت لما الباب اتفتح فجأة ودخلت قوة من مباحث الأموال العامة ومعاهم أمر ضبط وإحضار!
​منصور بيه وقف مصدوم: “أنتوا بتعملوا إيه هنا؟! أنتوا عارفين أنا مين؟!”
الظابط بكل حزم قاله: “منصور بيه كاردينال.. أنت مطلوب القبض عليك بتهمة تزوير تقارير طبية، والتحريض على اقتحام منشأة سكنية، والأهم من ده كله.. تقديم رشاوي لإدارة جامعة زويل لتسهيل غسيل أموال وتمرير صفقات مشبوهة.”
​منصور بيه رجع لورا وصوته اتهز: “كلام فارغ! مين اللي قال الكلام ده؟! فين الأدلة؟!”
​الظابط طلع تليفونه ووراه شاشة البث المباشر اللي شغال دلوقتي على كل المنصات.
عمر كان واقف في مؤتمر صحفي كبير، نظمه مع نادين وبمساعدة تيم هندسة وبعض الشرفاء من الدكاترة في الجامعة اللي قرروا يتكلموا بعد ما الحقيقة ظهرت.
عمر مكنش بيتكلم عن خناقته مع شريف.. عمر كان عارض على الشاشة الكبيرة “ملفات داتا” مشفرة سحبها من سيرفرات الجامعة بالليل!
​عمر قال في المايك بكل ثقة: “الشريط الأسود اللي كان على جهازي مكنش بس بيسجل كاميرا.. الجهاز ده وهو مربوط بشبكة واي فاي الجامعة عشان يرفع البيانات، لقط ثغرة أمنية خطيرة في السيستم المالي للجامعة.. ثغرة كان منصور الكاردينال بيستخدمها بقاله سنتين لتهريب فلوس وتزوير حسابات التبرعات بالتعاون مع العميد رأفت.”
​عمر بص للكاميرا وكأنه بيبص في عين منصور وشريف مباشرة:
​”احنا مابنخافش من الحيتان.. لأن الحوت مهما كبر، بيموت لو طلع برا المايه. والنهاردة، المايه اتقطعت عنكم.”
​بعد أسبوعين..
الساحة قدام جامعة زويل كانت رايقة والشمس طالعة صافية.
منصور الكاردينال والعميد رأفت كانوا ورا القضبان مستنيين محاكمتهم، وشريف وصحابه اتفصلوا نهائياً وبقوا منبوذين في كل مكان يروحوه.
​عمر كان واقف لابس بدلة شيك لأول مرة في حياته، جمبه أمه اللي بتزغرد من الفرحة، ونادين اللي بتضحك وعينها لمعة بفخر. قدامهم كانت واقفة عربية دبلوماسية تابعة للسفارة الألمانية، والمستشار الثقافي بنفسه نزل وسلم على عمر واداله باسبورت بفيشة سفر مفتوحة:
​”المهندس عمر.. منحة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة ميونخ مستنياك. العالم كله محتاج لعقلك.”
​عمر بص للشنطة السودا اللي لسه في إيده، وبص لشوارع مصر اللي بيحبها، وقال بصوت مليان أمل:
​”أنا هسافر عشان أتعلم أكتر.. بس هرجع. لأن الشمس اللي جهازي هيشتغل بيها.. مابتطلعش دافية ومنورة غير هنا.. في بلدنا.”عمر لف ضهره وركب العربية الدبلوماسية، ونادين وأمه واقفين بيشاوروا له والدموع في عينيهم، بس دموع فرحة وانتصار. العربية اتحركت في شوارع القاهرة، وعمر ساند راسه على الإزاز وباصص للبلد اللي سهر عشانها، وحاسس إن كابوس منصور الكاردينال وانتقامه انتهى لالأبد.. أو ده اللي كان فاكره!
​العربية وصلت المطار، وعمر خلص إجراءاته ودخل صالة كبار الزوار مستني طيارته لـ “ميونخ”. قعد على كرسي مريح، وحط الشنطة السودا جمبه، وطلع تليفونه عشان يكلم نادين يطمنها إنه دخل.
​وهو بيفتح التليفون، جات له رسالة من رقم مخفي.. مجهول.
عمر استغرب وفتح الرسالة، وكان مكتوب فيها سطر واحد:
“فاكر إن الحوت لما بيموت، البحر بيفضى؟ أنت يدوب صطدت السمكة الصغيرة يا بشمهندس.. اقلب الصفحة.. اللعبة الكبيرة لسه بتبدأ.”
​جسم عمر قشعر.. في نفس اللحظة، شاشة اللاب توب بتاعه اللي جوه الشنطة السودا نورت لوحدها وصدر منها صوت “تيت.. تيت.. تيت” سريع ومرعب.
​عمر فتح الشنطة بسرعة وبص للجهاز.. السنسور الحراري اللي تحت الشريط الأسود كان شغال وبيلقط إشارات “جي بي إس” غريبة بتخترق السيرفر بتاعه من مكان مجهول بره مصر، وعلى الشاشة بدأت تظهر خريطة تفاعلية لشبكة كهرباء مصر كلها، وفي نص الخريطة عداد تنازلي شغال وبيعد بالثواني.. وجنب العداد مكتوب جملة واحدة بالدم: “المشروع بتاعك.. هيبقى السبب في ضلمة مصر كلها.”
​التليفون رن في إيده.. المرة دي كانت نادين، بس صوتها مكنش فرحان، صوتها كان مليان رعب وبكاء هستيري:
​”عمر!! الحقني يا عمر! في رجالة ببدل سودا اقتحموا المعمل وعايزين السورس كود بتاع الجهاز.. وبيقولوا لو مجاش، أمك مش هتشوف الشمس تاني!”
​عمر وقف في وسط صالة المطار، الشنطة في إيده، وعينه على العداد التنازلي اللي باقيله دقائق، وصوت نادين بيرن في ودنه.. طيارته بتنده في المايك لآخر نداء، وهو واقف في النص: يا ترى يركب الطيارة وينقذ مستقبله والعالم اللي مستنيه بره، ولا يرمي كل حاجة ويلف يرجع لقلب الخطر عشان ينقذ أمه والبلد اللي لسه مالحقتش تفرح؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *