العنايه المركزه

الممرضتان قربوا خطوة ناحية الكرسي وشكلهم كان يقلق.. الدكتور اللي واقف عند الباب حط إيده في جيبه وسرح شوية وهو بيراقب الموقف.. كان فيه حالة من التوتر مكتومة في الأوضة، كل الأجهزة شغال صوت صفييرها المنتظم، وعياط الواد صغير بس يرن في الودان، نبرة حزينة تقطع القلب بتاع طفل مش فاهم هو ليه لوحده في الدنيا دي.روايات_مشيره_محمد
بس المعلم فتحي متقلقش ولا اتحرك حركة واحدة غلط.. صوابعه الكبيرة والمشرحة دي اللي كنت خايفة منها، لفت بالراحة أوي حوالين ضهر الولد الصغير، وبدأ يهزه بحركة بطيئة أوي، حركة منتظمة زي دقات القاطرة، وصوته الرخيم كان بيطلع من بين دقنه البيضا التقيلة زي حفيف الشجر:
ـ اهدى يا بطل.. اهدى يا سبع.. عمك فتحي جنبك أهو.. محدش هيسيبك تاني.. اهدى يا حبيبي.
وفي خلال دقيقتين بس، حصلت المعجزة اللي دكاترة القسم كلهم معرفوش يعملوها طول الصبحية.. العياط العالي بدأ يهدى، يتحول لشهقات صغيرة متقطعة، وبعدين السكوت التام ساد الأوضة.. الولد الصغير اللي مكنش بيطمن لأي حد، يحط دماغه الصغيرة اللي قد قبضة الإيد على صدر المعلم فتحي، وغمض عينيه ونام، مع كل نفس يدخله فتحي ويخرجه، كان جسم الولد بيترفع وينزل مع صدره العريض..
أنا واقفة مكانتي مش قادرة أتحرك.. زمايلي الممرضات باصين لبعض ومذهولين.. المعلم فتحي رفع عينيه ليا بالراحة أوي، وكأنه خايف حتى رمشة عينه تحرك الواد، وابتسم ابتسامة خفيفة أوي وسط دقنه وقال بصوت واطي جداً:
ـ أرتاح أهو.. كان خايف بس يا أبلة.. الأطفال دول بيحسوا بقلب اللي شالهم قبل ما يحسوا بإيده.
عدت الساعة الأولى.. وبعدها الثانية.. والتالتة.. المعلم فتحي قاعد في نفس الكرسي الهزاز، مغيرش وضعيتة، ملمسش حاجة، وملمسش تلفونه، ولا حتى طلب يشرب بق مية.. كل اللي بيعمله إنه بيهز الكرسي بالراحة، وعينيه مش مفارقة وش الولد الصغير..
الساعة أربعه العصر، نوبتجيتي كانت خلصت.. جه وقت إني ألم حاجتي وأروح، بس رجلي مكنتش شايلاني أمشي وأسيب الأوضة.. قربت منه بالراحة وقلت له بصوت واطي:
ـ معلم فتحي.. حضرتك قاعد بقالك أربع ساعات على نفس القعدة.. هات الولد أحطه في الحضانة شوية عشان تريح ضهرك وتفرد رجلك..
رد عليا وهو بيزيد في هزة الكرسي وبصاص للولد:
ـ لا يا أبلة.. تسلمي.. لو حطيته في الحضانة هيحس بالبرودة وهيصحي يعيط.. أنا ضهري يستحمل، إنما هو جسمه الصغير ده ماليش قلب أسيبه للحديد والأجهزة.. سيبيني معاه شوية كمان..





