العنايه المركزه

سبته ومشت وأنا قلبي مقلوب.. رجعت بيتي بس بالي فضلت في المستشفى.. الصورة مش راضية تفارق خيالي.. الراجل الضخم اللي يرجع بلد، وشكله يرعب أي حد يسير جنبه في الشارع، قاعد أربع ساعات خايف يتحرك عشان حتة لحمة حمرا وزنه ميتعداش كيلو ونص متصحاش!
تاني يوم الصبح، جيت نوبتجيتي الساعة سبعة الصبح بالضبط.. أول ما دخلت القسم، سالت الممرضة اللي كانت ماسكة الشفت الليلي:
ـ ابن صابرين عامل إيه؟ المعلم فتحي مشي الساعة كام؟
الممرضة بصتلي وعينيها جيبين للرضا والتعب والاندهاش وقالتلي:
ـ مشي؟ ده ممشيش أصلاً! قاعد في نفس الأوضة على نفس الكرسي بقاله 12 ساعة كاملة!
أنا اتسمرت مكانتي.. 12 ساعة؟! راجل بالطول والعرض ده قاعد على كرسي هزاز خشب ناشف من غير ما يتحرك ولا ينام 12 ساعة؟!
جريت على الأوضة رقم تسعة.. فتحت الباب بالراحة.. كان النور الهادي بتاع الفجر داخل من الشباك، والمعلم فتحي قاعد زي ما هو.. عينيه كانت حمرة من التعب، ووشه يبان عليه الإرهاق الشديد، بس إيديه كانت لسه حاطة الولد على صدره بكل حنية الدنيا..
أول ما شافني، ابتسم وقال نبرة تعبانة بس راضية:
ـ صباح الخير يا أبلة.. البطل نام طول الليل وصحي مرتين بس عشان الرضعة ورجع نام تاني في حضني..
قربت منه وأنا مش مصدقة نفسي.. قلتله بصوت مشدود:
ـ معلم فتحي.. أنت متجنن؟ 12 ساعة قاعد كدة؟! جسمك هيتخشب! هات الولد فوراً أنت لازم تقوم تقف وتمشي رجلك!
أخدت منه الولد بالراحة.. اول ما شلته، المعلم فتحي حاول يقوم، بس رجله خذلته وقعد تاني على الكرسي وهو بيئن من الوجع.. دراعاته كانت مشدودة ومتخشبة من القعدة طويلة الأمد.. رفع أكمام جلابية التعقيم الزرقا عشان يفرك دراعه ويحرك الدورة الدموية..
وهنا.. الشبه بيني وبين اللحظة دي مش هنساه طول حياتي..
لما رفع كم الجلابية الزرقا لفوق، التاتو اللي كان مغطي دراعه الشمال كله ظهر تحت إضاءة الأوضة.. مكنش تاتو من بتوع الشقاوة ولا الجمجمة ولا الأشكال المرعبة اللي بنشوفها..
كان مكتوب بخط عربي جميل ومعاه رسمة قلب صغير ووردة دبلانة، التاريخ والاسم:
“حبيبتي ونور عيني.. فريدة.. 15/8/2018”
وتحتها جملة واحدة تقطع الخلفية: “رحلتي بدري أوي يا بنتي.. واستنيتيني عند ربنا.”
أنا وقفت متسمرة.. عيني اتعلقت بالتاتو.. والمعلم فتحي لاحظ إني بصيت على دراعه.. غطى دراعه بسرعة وبص للأرض، والدموع جمعت في عينيه الواسعين اللي كانت حمرة من السهر..



