العنايه المركزه

المعلم فتحي اتنفض من مكانة، ونسي تعبه ووجع رجله، وبصلي بذهول وقال:
ـ ملجأ؟! يتنقل ملجأ وهو لسه حتة لحمة كده؟! ملهمش حد يربيه؟ يتيم من أول يوم في الدنيا؟!
ـ للأسف ده القانون يا معلم فتحي.. طالما الأهل اتخلوا عنه ومفيش حد من القرايب يسأل.. الدولة بتتولى أمره.
فضل المعلم فتحي واقف يسرح في الأوضة، يروح ويجي، عينيه على الولد الصغير اللي جوه الحضانة.. الولد كان نايم في سلام، مش عارف إن المستقبل مستنيه بظروف صعبة أوي..
عدت الأيام.. والمعلم فتحي مكنش بيسيب المستشفى.. يجي كل يوم من الساعة ثمانية الصبح يفضل قاعد مع ابن صابرين لحد بالليل.. يشيله، يرضعه بالبزازة لما كبر شوية، يغيرله الحفاضة، يغني له بصوته الرخيم أغاني قديمة بتاعة سيد درويش ومحمد قنديل.. الواد بدأ يتغير.. صحته بدأت تتحسن بسرعة غريبة.. الوزن بتاعه زاد، ونشاطه كبر، والأجهزة بدأت تتشال منه واحدة ورا التانية.. الدكاترة كلهم كانوا مذهولين من السرعة اللي بيتحسن بيها الولد.. بس إحنا كنا عارفين السر.. السر كان في الحضن اللي مش بيسيبه طول اليوم.
في يوم من الأيام، بعد حوالي شهرين.. جه وقت خروج الولد من المستشفى.. الشئون الاجتماعية بعتت مندوبة عشان تستلم الولد وتنقل الدار..
المعلم فتحي كان قاعد في الأوضة، شايل الولد وهو لابس هدوم الخروج الصيرة اللي فتحي جابها له بنفسه.. طقم ابيض جميل وفوقه كاب صغير.. فتحي كان عمال يبوس في إيديه الصغيرة ويدمع..
مندوبة الشئون الاجتماعية دخلت وقالت:
ـ يلا يا جماعة الأوراق جهزت والسيارة مستنية تحت عشان ننقل الطفل دار الرعاية.
المعلم فتحي وقف.. وقفت راجل جبل.. بص للمندوبة وبصلي، وبعدين طلعت من جيبه محفظة قديمة، وطلع منها ورقة مطوية بعناية ومقصوصة من الجريدة، وحطها على الترابيزة وقال بصوت ثابت وواثق:
ـ مفيش عربية هتنقل الواد ده لدار أيتام يا أبلة..
المندوبة بصتله باستغراب وقالت:
ـ نعم؟ يعني إيه حضرتك؟ أنت مين أصلاً؟
ـ أنا فتحي المحمدي.. صاحب محلات حدادة وشغل فورجيه في السبتية.. وأنا جيت هنا وبقالي شهرين بخلص أوراق الكفالة الرسمية للطفل ده عن طريق وزارة التضامن الاجتماعي..
أنا أترسمت على وشي أعمق علامات الصدمة والفرحة في نفس الوقت!
كمل المعلم فتحي وهو بيبتسم والدفء مالي عينيه:




