الطياره

الحقنة دي كانت حقنة فوقان ونادية واخدة المطب على تمانين، الكلمة المكتوبة في التقرير الطبي مكنتش مجرد تشخيص، كانت حكم إعدام مؤجل ومكتوب بالخط العريض فوق اسم “هناء نصحي”: (سرطان الغدد اللمفاوية – مرحلة متأخرة).
​نادية حست إن الإكسجين اتقطع تماماً عن العربية، الدريكسيون اللي كانت مكلبشة فيه من شوية كأنه طوق نجاة، اتفرد قدامها وبقى زي المشنقة. صوابعها بدأت تترعش وهي بتقلب في الأوراق، الروشتات، تقارير الأشعة المقطعية، وتاريخ أول جلسة كيماوي اللي كان المفروض يبدأ من أسبوعين، بس مكتوب عليه بخط الدكتور “تأجيل بناءً على رغبة المريضة لحين السفر”.
​السفر!
​هناء مكنتش رايحة تتفسح، هناء كانت رايحة تشوف الدنيا لآخر مرة قبل ما الجلسات تنهش في جسمها، أو يمكن أمها كانت عايزة تخطف لها يومين يفرحوها قبل ما تبدأ رحلة العذاب اللي ملهاش آخر. الدعم، الطبطبة، النظرات المكسورة من أبوها، السكوت اللي نادية افتكرته قهر وظلم ليها، كان حزن عاجز من أب عارف إن بنته الصغيرة بتموت بين إيديه ومش قادر يعمل لها حاجة.
​”أنا عملت إيه؟!”
​الكلمة طلعت من بق نادية زي الصرخة المكتومة. افتكرت الموبايل اللي عمال يرن، وافتكرت رسايل الإلغاء اللي نزلت على إيميل أمها وأبوها أول ما شبكة الطيارة فتحت في مطار الترانزيت أو أول ما نزلوا باريس. هيروحوا هناك مش هيلاقوا فندق يناموا فيه، ولا لقمة يأكلوها، ولا مواصلة تنقلهم، هيلاقوا نفسهم في بلد غريب، بلغة ميعرفوهاش، ومعاهم بنت بتموت، وكل ده بسبب “الغل” اللي عمى عينيها.
​مسكت الموبايل بسرعة، إيديها بتتحرك زي المجنونة وهي بتحاول تفتح الأبلكيشن تاني عشان ترجع الحجوزات، بس السيستم كان قاطع، الرسايل بتظهر لها باللون الأحمر: (عفواً، تم إلغاء الحجز ولا يمكن الاسترداد أو التعديل في الوقت الحالي).
​دموعها نزلت غرقّت شاشة الموبايل، وبدأت تتصل بأمها.. الخط بيدي جرس بس مفيش رد. اتصلت بأبوها.. مقفول. اتصلت بهناء.. الشبكة مش مجمعة. نادية دورت العربية وطلعت بيها بأقصى سرعة وهي مش عارفة هي رايحة فين، بس كل اللي في دماغها إنها لازم تلحقهم، لازم تتصرف قبل ما الكارثة تكبر.
​في نفس التوقيت، في مطار شارل ديغول في باريس، الأجواء كانت عكس الرومانسية تماماً. الدنيا برد وغيم، والحاجة رضا واقفة وسط صالة الوصول، جافة من التعب، وماسكة شنطتها بإيد، وبالإيد التانية ساندة هناء اللي وشها بقى أصفر زي الليمونة وجسمها يترعش من البرد والمجهود.
​الحاج نصحي كان واقف بعيد معاه ورقة مطبوعة فيها عنوان الفندق اللي نادية كانت كاتباهاله قبل ما يمشوا، وواقف قدام موظف الاستعلامات بيحاول يفهمه بكلمتين إنجليزي مكسرين:
​”لو سمحت.. فندق.. فندق النيل؟ لا.. فندق لافاييت؟”
​الموظف بصله ببرود، وبدأ يكتب على الكمبيوتر بناءً على رقم الحجز اللي الحاج نصحي ادهوله، وبعد ثواني الموظف ملامحه اتقلبت وبص للحاج نصحي بشفقة وقال بالإنجليزي:
​”The reservation was canceled two hours ago, sir.” (الحجز اتلغى من ساعتين يا فندم).
​الحاج نصحي مكنش فاهم إنجليزي كويس، بس كلمة “كpreview” أو “كنسلة” لقطها. سأل الموظف بزهول: “كنسل؟ مين اللي كنسل؟ نادية؟”
الموظف هز رأسه: “Yes, from the application.”
​في اللحظة دي، تليفون الحاجة رضا لقط شبكة الواي فاي بتاعة المطار، وبدأت الإشعارات تنزل ورا بعض زي المطر. رسايل الإلغاء من بنك الإسكندرية باسترداد المبالغ (اللي نادية لغتها)، ورسايل الأبلكيشنز. الحاجة رضا شافت الرسايل ومسكت قلبها:
​”يا لهوي يا نصحي.. نادية لغت كل حاجة! الفندق والفسح والقطر.. نادية لغت الرحلة كلها!”
​نصحي رجع لورا خطوتين وضهر اتقوس أكتر ما هو مقوس: “لغتها؟ طب هنعمل إيه في هناء؟ البنت مش قادرة تقف على رجليها يا رضا! إحنا في الشارع!”
​هناء كانت قاعدة على كراسي المطار، حاطة راسها بين رجليها وبتنهج بصعوبة، السرطان كان بياكل في عافيتها، وهي مكنتش عايزة تيجي اصلاً، بس أمها ترجتها: “يا بنتي شوفي الدنيا، اطلعي من جو المستشفيات والكيماوي والدموع، نادية عامله لينا مفاجأة ومجهزة كل حاجة، اطلعي اتبسطي يا هناء قبل ما نربط راسنا ونقعد في الأوضة الضلمة”.
​الحاجة رضا قعدت على الأرض في نص المطار، وبدأت تعيط بحرقة وهي بتدعي: “ليه يا نادية؟ ليه يا بنتي تعملي فينا كده؟ أنا عارفة إني جيت عليكي.. بس مكنتش أعرف إن قلبك هيبني طوب أسود بالطريقة دي!”
​في مصر، نادية كانت وصلت البيت في عين شمس، دخلت الأوضة بتاعة هناء زي الإعصار. كانت بتدور على أي حاجة، أي تفصيلة تفهمها أكتر. فتحت درج المكتب، لقت أجندة صغيرة بتاعة هناء. فتحتها وبدأت تقرأ خط أختها الصغير:
​”النهارده الدكتور قالي إن الورم انتشر في الغدد، وبقيت في المرحلة التالتة ب.. قالي لازم نبدأ كيماوي فوراً. ماما انصدمت وقعدت تصوت في العيادة، بس أنا مكنتش زعلانه على نفسي، أنا كنت زعلانه على نادية.. نادية بقالها سنتين مابتنامش عشان تسفر ماما باريس.. لو ماما قعدت جمبي، فلوس نادية هتروح، وحلمها هيموت. أنا وافقت أسافر مكان نادية مش عشان طفسة ولا عشان باخد مكانها.. أنا وافقت عشان ماما تطلع بره مصر وتشوف الفرحة قبل ما تدخل معايا نفق الموت.. وعشان نادية متضيعش شقاها على دكاترة مش هيقدموا ولا يأخروا.. أنا آسفة يا نادية.. عارفة إنك كرهتيني النهارده.. بس أنا بحبك أوي.”
​نادية وقعت على الأرض والأجندة في إيدها. دموعها بقت تنزل بصوت، صريخ مكتوم طالع من أعماق قلبها. هي مكنتش ضحية، هي كانت الجاني اللي دبح أهله بدم بارد عشان حتة “إيجو” وكبرياء أعمى.
​طالعت الموبايل تاني، لقت رسالة مبعوتة من رقم أبوها على الواتساب، الرسالة كانت فويس نوت من هناء، فتحتها وإيدها بتترعش، صوت هناء كان طالع ضعيف جداً وفي وراه صوت دوشة مطار فرنسي:
​”نادية.. أنا عارفة إنك زعلانة، وعارفة إنك لغيتي الحجوزات عشان تكسرينا زي ما افتكرتي إننا كسرناكي. أنا مش زعلانة منك يا حبيبتي، إنتي عندك حق.. الفلوس فلوسك والحلم حلمك. بس أنا تعبانة أوي يا نادية.. البرد هنا غريب، ومش عارفين نروح فين وأبوكي راجل على باب الله مبيعرفش يتكلم معاهم.. أنا بس كنت عايزة أشوف برج إيفل اللي إنتي حكيتي عنه، وأتصور جنبه صورة وأشيلها معايا وأنا باخد الكيماوي.. سامحينا يا نادية.”
​الفويس خلص، ونادية حست إن روحها بتتسحب.
“لأ.. مش هسيبكم.. مش هضيعكم!”
​نادية قامت، مسكت الفيزا بتاعتها، ونزلت جري في الشارع. ركبت تاكسي وطلعت على شركة سياحة كبيرة في مصر الجديدة بتشتغل ٢٤ ساعة. دخلت للموظف وهي بتنهج ووشها خالي من الدم:
​”عايزة حجز فندق حالا في باريس.. خمس نجوم، وعايزة عربية خاصة تستقبل ناس من مطار شارل ديغول حالا، وعايزة دكتور يتواصل مع المستشفى هناك لو حد تعب.. أدفع أي حاجة.. أبيع العربية، أبيع دهبي، بس اخلصلي ده في دقيقة!”
​الموظف اتقض من منظرها وبدأ يشتغل بسرعة على السيستم. نادية كانت بتدفع تمن غلطتها الغبية غالي أوي، مش بس بالفلوس، دي كانت بتدفع قطعة من عمرها ومن أعصابها وهي مستنية الموظف يقول لها “تمام”.
​في مطار باريس، الساعة بقت تنانية بالليل بتوقيتهم. الأمن الفرنسي بدأ يلاحظ العيلة المصرية اللي قاعدة في الركن بقالها ساعات والبنت اللي حالتها بتدهور. جه ظابط ومعاه مترجم عربي وسأل الحاج نصحي:
​”في مشكلة معاكم؟ مينفعش تفضلوا هنا، البنت شكلها مريض.”
​الحاج نصحي بدموع وعجز: “يا ابني إحنا محجوزاتنا اتلغت، ومش عارفين نروح فين، وبنتي عيانة.. أرجوك ساعدنا.”
​وقبل ما الظابط يرد، تليفون الحاج نصحي رن. كانت نادية.
نصحي رد بصوت ناشف ومليان قهر: “عايزة إيه تاني يا نادية؟ لغيتي الفندق ورميتينا في الشارع.. ارتحتي؟ أختك بتموت في المطار!”
​نادية صرخت من الناحية التانية والدموع مغرقاها: “يا بابا اسمعني! أنا آسفة.. أنا غبية وجزمة وبوس رجليكم كلكم! اخرجوا بره الصالة حالا.. في عربية مرسيدس سودا رقمها (….) مستنياكم بره، السواق مصري واسمه كابتن أحمد، هو مستنيكم وهيوديكم فندق خمس نجوم قدام برج إيفل بالظبط، الحجز مدفوع بالكامل، والأكل هيطلع لحد الأوضة، وفي دكتور مكلمينه هيجي يبص على هناء في الفندق.. أرجوك يا بابا متقفلش في وشي، خليني أكفر عن ذنبي!”
​الحاج نصحي بص لمراته ولأمن المطار وهو مش مصدق. المترجم ساعدهم يشيلوا الشنط وخرجوا بره البوابة، وفعلاً.. لقوا العربية السودا واقفة، والسواق المصري جري عليهم أول ما شافهم وشال الشنط وبدأ يرحب بيهم بلهجة مصرية دافية: “أهلاً بيكم في باريس.. خطوة عزيزة يا حاج، نادية من مصر مكلشاني بيكم وموصياني مشيلكمش من الأرض شيل”.
​الحاجة رضا قعدت في الكرسي الوراني وخدت هناء في حضنها، هناء بدأت تبتسم بتعب وهي باصة من شباك العربية على شوارع باريس المنورة، وفي النص.. ظهر برج إيفل من بعيد وهو بينور ويطفي باللون الذهبي الساحر.
​هناء طلعت موبايلها وبعتت رسالة لنادية:
​”البرج منور أوي يا نادية.. شكله أحلى من وصفك بكتير.. شكراً إنك سيبتي تذاكر الرجوع.. عشان أرجع وأنا شبعانة من الدنيا.. وشبعانة منك.”
​نادية قرت الرسالة وهي قاعدة في صالة بيتها في عين شمس، العياط نشف في عينيها وحل محله إصرار جديد. الرحلة دي مش هتبقى النهاية، دي البداية. مسكت ورق هناء الطبي، وفتحت اللاب توب وبدأت تدور على أكبر مستشفيات لعلاج الأورام في فرنسا، وبدأت تكتب إيميلات ليهم بتقرير أختها.. لو كانت لغت الفسحة بغبائها، فهي هتبيع عمرها كله عشان تشتري لأختها يوم زيادة تعيشه معاهم.نادية مكنتش بتكتب الإيميلات دي بإيدين بترتعش، دي كانت بتكتبها بقلب مقاتل بيحارب الموت عشان يخطف منه أخته. فضلت سهرانة لحد الفجر، تترجم التقارير الطبية للإنجليزي والفرنسي، وتبعتها لكل مستشفى أورام في باريس، مع رسالة واحدة: “أنا مستعدة أبيع كل ما أملك، مستعدة أشتغل خدامة في مستشفاكم، بس ابعتوا لي موافقة مبدئية لعلاج أختي”.
​الساعة بقت تمنية الصبح بتوقيت القاهرة. نادية منمتش ولا ثانية. موبايلها رن، كان السواق، كابتن أحمد، من باريس. نادية ردت بلهفة: “طمني يا كابتن؟ هناء عاملة إيه؟ وأمي وأبويا؟”
​صوت كابتن أحمد كان هادي وفي خلفيته صوت عصافير وهواء نقي: “يا بنتي اطمني، أنا لسه منزّلهم حالا في جنينة “شامب دي مارس” قدام برج إيفل بالظبط. هناء وشها نور، الدكتور اللي جيبتهالهم الفندق بالليل أداها مسكنات ومحاليل، وقال إنها تقدر تتحرك ساعتين تلاتة في الهواء من غير مجهود. هما قاعدين دلوقتي بيشربوا قهوة وبياكلوا كرواسون، وأمك عمالة تسبّح وتبكي من الفرحة”.
​نادية نزلت دموعها بس المرة دي كانت دموع راحة: “أمانة عليك يا كابتن، صورهم لي.. عايزة أشوفهم”.
​بعد خمس دقائق، الموبايل هزر بالواتساب. صورة واصلة من باريس.
الحاجة رضا قاعدة على كرسي خشب، لفة الشال الصوف ومبتسمة للكاميرا وعينيها مدمعة، والحاج نصحي واقف جمبها حاطط إيده على كتفها وباصص للكاميرا بنظرة فخر لأول مرة من سنين.. وفي النص، كانت هناء.
​هناء كانت ماسكة البونبوني بتاع النعناع اللي نادية حطته لها في الشنطة، وواقفة ساندة ضهرها على سور حديد، ومن وراها برج إيفل طالع للسما في كادر سينمائي يجنن، وشها كان شاحب، بس ضحكتها كانت صافية.. ضحكة بنت شافت حلمها بيتحقق قبل ما القطر يفوت.
​نادية حطت الصورة على صدرها وعيطت.. عيطت وهي بتشكر ربنا إنها ملغتش تذاكر الرجوع، وإن ربنا أداها فرصة ثانية تصلح اللي انكسر.
​فجأة، نغمة الإيميل ضربت على اللاب توب.
رسالة جديدة باللغة الفرنسية من مستشفى “جاستون ريسي” للأورام في باريس. نادية فتحت المترجم بسرعة وهي حابسة نفسها، والرسالة كانت بتقول:
​”عزيزتي الآنسة نادية، لقد قمنا بمراجعة التقرير الطبي لشقيقتك هناء نصحي. لدينا بروتوكول علاجي تجريبي جديد لسرطان الغدد اللمفاوية في مرحلته الثالثة، وبنسب نجاح واعدة جداً. نظرًا لأن المريضة متواجدة حاليًا في باريس، يمكنكم الحضور غدًا صباحًا الساعة العاشرة لإجراء فحص مبدئي مجاني لبحث إمكانية قبولها في برنامج الدعم الدولي.”
​نادية صرخت بعلو صوتها في الشقة الفاضية، صرخة هزت الحيطان. جرت على التليفون واتصلت بأبوها: “بابا! اسمعني يا بابا وقول لأمي وتخلي هناء تسمع! بكره الساعة عشرة الصبح عندكم معاد في مستشفى هناك.. هناء هتتعالج في باريس يا بابا! هناء مش هتموت.. ربنا بعتلنا طاقة قدر من وسط الغم اللي عملته!”
​صوت الحاج نصحي اتهز على الناحية التانية، وبدأ يدعي بصوت عالي: “الله يصلح حالك يا بنتي.. الله يفتحها عليكي ويريح قلبك زي ما ريحتي قلوبنا.. أنا مسمحك يا نادية، وأختك مسمحاكي، وأمك بتدعي لك قدام البرج دلوقتي.. اجهزي يا بنتي وحصلينا، السند مش إننا منغلطش، السند إننا لما نغلط نعرف نشيل أهلنا في وقت الشدة”.
​نادية قفلت السكة، ولمت هدومها في شنطة صغيرة، ومسكت تذكرتها اللي كانت حجزتها لنفسها في نفس اليوم. نزلت السلم وهي بتجري، عينيها مش شايفة غير طريق المطار، وقلبها بيقول لها إن الحكاية مخلصتش في عين شمس، الحكاية الحقيقية لسه هتبدأ هناك.. تحت أنوار باريس.الطيارة كانت طايرة فوق السحاب، ونادية باصة من الشباك على النور اللي بدأ يظهر من بعيد.. باريس من فوق شبه عقد لولي منور في وسط الضلمة. مكنتش حاسة بالخوف، ولا بالتعب من السهر؛ كان جواها طاقة غريبة، طاقة حد رايح يخطف أخته من بق الموت.
​أول ما رجليها لمست أرض مطار شارل ديغول، كانت الساعة دقة تسعة الصبح بتوقيت فرنسا. جرت على الصالة، لقت كابتن أحمد السواق مستنيها، ووشه بشوش كالعادة. ركبت معاه وطلعت الموبايل: “يا كابتن، اطلع بينا على مستشفى ‘جاستون ريسي’ فوراً، بابا وأمي وهناء زمانهم وصلوا هناك”.
​العربية كانت بتقطع شوارع باريس، ونادية عينيها على المباني القديمة والشجر، بس مكنتش شايفاهم؛ كانت شايفة وش هناء وهي تعبانة.
​وصلوا المستشفى، مبنى ضخم لونه أبيض وفيه جنينة كبيرة. نادية دخلت تجري على صالة الاستقبال، ولمحتهم من بعيد.. الحاج نصحي قاعد على كرسي خشب وساند راسه على عصايته، والحاجة رضا ماسكة المصحف الصغير وبتقرأ فيه بصوت واطي وهي بتهز جسمها، وجنبهم هناء.. واخدة محاليل في إيدها، ووشها هادي وفيه لمحة أمل مكنتش موجودة من يومين.
​نادية أول ما شافتهم، رجليها شالتها وجرت عليهم. رمت نفسها في حضن هناء وبقت تعيط وتتنطط زي العيلة الصغيرة: “أنا جيت يا هناء.. أنا جنبك أهو، مش هسيبك ثانية واحدة”.
هناء دمعت وابتسمت وضمتها بتعب: “عارفة إنك هتيجي يا نادية.. عمرك ما سبتيني في المذاكرة، هتسيبيني في دي؟”
​الحاجة رضا قفلت المصحف وقامت خدت نادية في حضنها، وبست راسها: “المسامح كريم يا بنتي، وإنتي عملتي بأصلك.. ربنا يجعله في ميزان حسناتك”. والحاج نصحي بصلها بنظرة رضا كانت بالدنيا كلها عند نادية.
​بعد ساعة، دخلوا لمكتب الدكتور الفرنسي “برنارد”، ومعاهم مترجم من المستشفى. الدكتور بدأ يعرض الإشاعات والتحاليل الجديدة على شاشة كبيرة، وبص لنادية بالذات وقال من خلال المترجم:
​”الآنسة نادية.. أختك هناء محظوظة جداً. البروتوكول الجديد اللي بنجربه هنا بيستهدف النوع ده من الخلايا بالظبط وبدون آثار جانبية مدمرة زي الكيماوي التقليدي. التحاليل المبدئية بتقول إن جسمها مستجيب، وبكره الصبح هنبدأ أول جرعة.. العلاج هياخد حوالي ست شهور، ونسبة الشفاء بتعدي الـ 85%.”
​نادية حست إن رويداً رويداً الجبل اللي كان شايل أهله فوق ضهرها بدأ ينزل. بصت لهناء ولقت عينيها بتلمع بفرحة حقيقية، فرحة بنت لسه شايفة إن العمر قدامها طويل.
​الحاج نصحي وقف وحط إيده في جيبه، طلع رزمة فلوس كان محوشها من مكافأة نهاية الخدمة وقسط الشقة القديم، وحطها على مكتب الدكتور: “قوله يا ابني إن ده شقا عمري، خلوه معاكم تحت حساب علاج البنت.. وأنا مستعد أبيع هدومي بس هناء تقف على رجليها”.
​الدكتور برنارد ابتسم ورجع الفلوس لإيد الحاج نصحي براحة، وقال:
​”يا حاج نصحي.. بنتك نادية بعتت قصة هناء لإدارة الدعم الدولي في المستشفى، والبرنامج التجريبي ده ممول بالكامل من جمعيات خيرية فرنسية للمواقف الإنسانية الصعبة. إنتوا مش هتدفعوا ولا مليم.. فلوسك دي خليها عشان تفسحهم وتأكلهم لقمة حلوة هنا في باريس”.
​الأوضة كلها اتقلبت عياط ودعاء، الحاجة رضا بقت تبوس إيد نادية وهي مش مصدقة إن ربنا فرجها من وسع كده.
​بعد ست شهور..
الجو كان خريف في باريس، ورق الشجر الأصفر مالي الشوارع، والنسمة باردة بس بتنعش القلب.
​قدام برج إيفل، في نفس المكان اللي هناء اتصورت فيه وهي عيانة، كانت واقفة تاني. بس المرة دي وشها كان راجعله الدم، شعرها اللي كان بدأ يقع رجع يثبت ويطول تاني، ولابسة فستان أحمر مبهج وبتضحك من قلبها.
​جمبها كانت نادية، الحاجة رضا، والحاج نصحي اللي جابوا لهم كريب بالشوكولاتة وبياكلوا وهم فرحانين. كابتن أحمد السواق كان واقف بعيد ومعاه الكاميرا الديجيتال بتاعته، وبيصوت بلهجته المصرية: “يلا يا جماعة.. اضحكوا.. واحد.. اتنين.. تلاتة!”
​”فلاش” الكاميرا ضرب، واللقطة ثبتت.
نادية بصت لأختها هناء وبستها من خدها، وقالت لها: “شفتي؟ باريس طلعت بتاعت الغلابة والناس الطيبين كمان.. مش بتاعة الأغنياء بس”.
هناء ضحكت وقالت لها: “باريس طلعت بتاعة اللي قلبه حنين يا نادية.. وشكراً إنك لغيتي الفسحة زمان، عشان لولا الغلطة دي، مكنتش هبقى واقفة هنا النهارده وأنا خافة وبضحك معاكي”.
​نادية حضنت أختها بقوة وهي باصة للبرج المنور وسط ضلمة الليل، وعرفت إن ساعات ربنا بيكسر حلم صغير عشان يفتح مكانه باب لمعجزة تغير العمر كله. وتوتا توتا، خلصت الحدوتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *