قصه رانيا

رانيا حست إن الدم اتجمد في عروقها. إيدها اللي كانت على الأكرة اتهزت، وجومانا كلبشت في فستانها وضمت الدبدوب البمبي لبطنها وهي بتكتم صرختها بسنانها. الصوت اللي جاي من ورا الباب مكانش صوت كريم.. كريم صوته جهوري وحاد، لكن الصوت ده كان واطي، مبحوح، وفي نبرة فزع حقيقية تخلي الركب تخبط في بعضها.
”رانيا.. افتحي بسرعة بس من غير صوت، أنا جلال.. أخو كريم.. بسرعة قبل ما حد يشوفني!”
رانيا رجعت خطوة لورا. جلال؟ أخو جوزها الكبير؟ جلال دايماً كان بعيد عنهم، راجل في حاله، عايش في وسط البلد وقاطع علاقته بكريم بقاله سنين بسبب مشاكل على الميراث وكلام كتير رانيا مكنتش بتفهمه. إيه اللي جابه هنا؟ وإيه اللي يخليه يهمس بالرعب ده؟
”مش هفتح يا جلال.. إنت عايز إيه؟ وكريم لسه ماشي!” رانيا قالتها بصوت مرعوب وهي بتبص لعين السحرية. لقت جلال واقف، لابس جاكيت أسود، وشه عرقان، وعينيه بتتحرك يمين وشمال في الممر الفاضي بتاع الدور الثالث.
”يا رانيا اخلصي! كريم مش مسافر إسكندرية! كريم قالب الدنيا عليكي، ولو فضلتي في الشقة دي نص ساعة كمان، مش هتخرجي منها صاحية.. افتحي هفهمك وعربيتي تحت!” جلال همس بقهر وهو بيخبط على الخشب بأطراف صوابعه.
الأفكار ضربت في دماغ رانيا زي السكاكين. تفتح؟ ولا ده فخ؟ يمكن كريم باعت أخوه عشان يثبت عليها حاجة؟ بس شكل جلال المرعوب، وكلام جومانا عن المكالمة بتاعة “خليها تبان حادثة”، خلوها تاخد القرار في ثانية. لفت القفل وفتحت الباب مواربة.
جلال زق الباب بسرعة ودخل، وقفل وراه بالمفتاح والترباس. سحب نفسه وهو بنهج وحط إيده على ركبته، وبص لرانيا والشنطة اللي على كتفها وشهادة الميلاد اللي طرفها باين من الجيب.
”كويس إنك كنتِ بتجهزي نفسك.. كريم بايعك يا رانيا. بايعك إنتِ وبنتك.” جلال قالها وهو بيمسح العرق من على جبهته بـكم الجاكيت.
”يعني إيه بايعني؟ جومانا سمعته بيقول خليها تبان حادثة.. حادثة إيه؟” رانيا سألته وصوتها بيترعش، وجومانا استخبت ورا ضهرها.
جلال بصلهم بنظرة شفقة حزينة، ونزل على ركبة ونص عشان يكون في مستوى جومانا، وطبطب على رجليها براحة، وبعدين بص لرانيا وقال: “كريم مديون.. مديون لـ ناس تقال قوي في السوق، ناس مابيرحموش. خسر كل فلوسه في حوارات مشبوهة وعقود مضروبة في أكتوبر وزايد، والشقة دي.. الشقة اللي إنتوا قاعدين فيها دي، مضى عليها تنازل من وراكي من شهر فات.”
رانيا حطت إيدها على بقها: “تنازل؟ بس الشقة دي بفلوس ورث أبويا! أنا اللي دافعة تمنها وهو كاتبها باسمه عشان الإجراءات!”
”ما هو ده السكين اللي بيدبحك بيه يا رانيا،” جلال كمل بحنث ومرارة: “كريم مش بس خسر الشقة.. كريم عمل وثيقة تأمين على حياتك وحياة جومانا من تلات شهور بـ مبلغ خيالي، ملايين.. والنهاردة، الصبح ده، هو مأجر ناس.. ناس من اللي بيخلصوا الحوارات دي في الجبل، عشان يدخلوا الشقة، يسرقوا اللي فيها، و.. ويولعوا في المكان وإنتوا جواه.. عشان تبان ماس كهربائي وحادثة سرقة، وياخد هو فلوس التأمين ويهرب برة البلد!”
البيت كله فجأة تحول في عين رانيا لـقبر محكم الغلق. الحيطان اللي كانت شيفاها أمان، السقف اللي بيسترهم، الأجهزة.. كل حاجة بقت عبارة عن قنبلة موقوتة مستنية الشرارة.
”هو.. هو يوصل بيه الفجر لـ كده؟ يقتل بنته؟” رانيا صرخت بصوت مكتوم وهي بتشد جومانا لحضنها لدرجة إن البنت أنَّت من الوجع.
”كريم مبيحبش غير نفسه يا رانيا. لما كلمني امبارح بليل وسكران وبيقولي إنه هيخلص من كل مشاكله الصبح، قلبي نقرني. ولما سحبت منه الكلام وعرفت إنه مرتب مع عيال صيع من ورا المدافن يجوا هنا الساعة تمانية.. جيت جري. الساعة دلوقتي تمانية إلا ربع.. العيال زمانهم على بوابة الكومباوند أو دخلوا فعلاً!”
فجأة، تليفون رانيا اللي في الشنطة رن. الصوت خضهم تلاتتهم كأنه ضربة نار. رانيا طلعت التليفون بـإيد بتترعش.. الاسم على الشاشة كان “كريم”.
جلال شاورلها بـإيده بسرعة: “ردي! ردي وعلي الصوت وافتحي السبيكر.. بس اوعي تبيني إنك عارفة حاجة، اتصرفي طبيعي عشان نكسب وقت ونعرف هو فين!”
رانيا بلعت ريقها الناشف، وفتحت الخط، ويدوبك قالت: “أيوة يا كريم.. وصلت؟”
صوت كريم جه من السماعة، بس مكانش فيه صوت هوا ولا طريق سفر، كان فيه صوت صدى صهاريج ميه، كأنه واقف في مكان مقفول وقريب. “رانيا.. إنتِ في البيت صح؟ لسه منزلتش جومانا للحضانة؟”
رانيا بصت لجلال اللي كان بيشاورلها براسه تقول اه. “لأ يا حبيبي، جومانا تعبانة شوية فقلت هقعد بيها النهاردة.. إنت فين؟ الصوت عندك فيه صدى.”
كريم ضحك ضحكة باردة، نفس الضحكة اللي البنت سمعتها امبارح. “أنا؟ أنا وقفت على الصحراوي أشرب قهوة.. بقولك يا رانيا، أنا نسيت ملف مهم جداً في الدولاب الصغير اللي في المطبخ، تحت الحوض.. ادخلي هاتيه وبصي فيه كده، شوفيه هو ولا لأ.”
رانيا عقدت حواجبها: “دولاب المطبخ؟ كريم مفيش ملفات تحت الحوض، ده مكان الفلتر وأنبوبة الغاز الصغيرة بتاعت الشواية!”
”ادخلي بصي بس.. ادخلي شوفي كاتبلك فيه إيه.. يلا يا رانيا، أنا معاكي على الخط اهو، سامعك.” صوت كريم اتحول لنبرة خبيثة ومستفزة، كأنه بيتلذذ بـحاجة هتحصل.
جلال مسك إيد رانيا وشدها براحة ناحية المطبخ وهو بيمشي على طراطيف صوابعه، ورانيا ماشية وراه والتليفون في إيدها. دخلوا المطبخ.. جلال نزل على الأرض وفتح الضلفة اللي تحت الحوض برفق شديد عشان متعملش صوت.
أول ما الضلفة اتفتحت، رانيا كتمت صرختها بـإيدها التانية.
مكانش فيه ملفات. كان فيه جهاز أسود صغير ملزوق في أنبوبة الغاز بشريط لحام عريض، وفي لمبة حمراء صغيرة عمالة تطفئ وتنوّر بانتظام، وجنبها عداد رقمي بيعد تنازلي: 00:12:34.. اتناشر دقيقة وثواني بتقل!
كريم مكانش مستني عيال يجوا يخلصوا الموضوع.. كريم لغم البيت بنفسه قبل ما ينزل الصبح، والمكالمة دي عشان يتأكد إنهم جوة المطبخ أو قريبين من الانفجار!
صوت كريم جه من التليفون تاني، حاد وزي الإبرة: “ها يا رانيا؟ لقيتيه؟”
رانيا دموعها نزلت من الرعب، بصت للعداد اللي بقى 12:15.. الموت بيبعد عنها وعن بنتها خطوات. جلال شاورلها تتماسك وترد بسرعة.
رانيا حاولت تظبط نبرة صوتها: “لأ.. لأ يا كريم مفيش حاجة هنا، الظاهر إنت أخدته معاك.. أنا.. أنا هخرج برة المطبخ أشوف الحضانة تاني.”
”تمام.. تمام يا رانيا.. خليكي في البيت متخرجيش عشان الجو برة مطر وتراب.. مع السلامة.” كريم قالها وقفل السكة فوراً.
”ده ابن كلب!” جلال شتم بصوت واطي وهو بيشد رانيا وجومانا برة المطبخ. “العداد قدامه اتناشر دقيقة.. الشقة هتبقى رماد. لازم ننزل حالا من سلم الخدامين اللي ورا، بلاش الأسانسير وبلاش السلم الرئيسي عشان كاميرات الكومباوند.. كريم أكيد مراقب الكاميرات من تليفونه عشان يشوف هتنزلوا ولا لأ!”
رانيا لمت نفسها بسرعة، جومانا كانت بتعيط من غير صوت، دموعها نازلة على وشها الأبيض وزي الأصنام. جلال فتح باب المطبخ الصغير اللي بيؤدي لسلم الطوارئ والخروج الخلفي للعمارة. السلم كان ضلمة وريحتة تراب ورطوبة.
بدأوا ينزلوا بسرعة، رانيا شالت جومانا على كتفها رغم إن وزنها تقيل، بس الخوف بيدي قوة غريبة. جلال كان نازل قدامهم، بيفتح السكك ويبص من الشبابيك الصغيرة يشوف لو فيه حركة غريبة في الجنينة الخلفية.
وصلوا للدور الأرضي. الباب الحديد بتاع السلم كان مقفول بـ قفل جنزير. جلال اتصدم: “أولاد اللذينة قفلوا باب الطوارئ! أكيد أمن الكومباوند قافلينه صيانة!”
”هنعمل إيه يا جلال؟ العداد زمانه فاضل فيه أقل من تمن دقائق!” رانيا صرخت وهي بتبص للسقف، كأنها مستنية الخرسانة تقع فوق دماغهم في أي لحظة.
جلال بص حواليه بغضب، ولمح شباك مناور صغير بيطل على الجنينة الخلفية اللي فيها مواسير الصرف. “رانيا.. هرفعك من الشباك ده، هتعدي جومانا الأول وبعدين تعدي إنتِ.. الشباك ضيق بس هتجيبكم، أنا جسمي عريض مش هعرف أعدي، هطلع أجري على السلم الرئيسي والوز الخطة.”
”وأسيبك؟” رانيا سألته بلهفة.
”مفيش وقت للكلام ده! اخلصي!” جلال عمل إيديه زي السلم ورفع رانيا. رانيا زقت جومانا برفق من الشباك، البنت نزلت على النجيل الطري وبدأت تعيط وتمد إيدها لمامتها. رانيا حشرت نفسها بالعافية، الـدوسيه الأزرق اللي في شنطتها كان بيعوق حركتها، بس صممت متسبوش.. ده عمرها وحريتها وثمن عذابها. عدت رانيا ووقعت على الأرض، ركبها اتخدشت بس مقامتش تشتكي.
بصت وراها للشباك، جلال مكانش باين. “جلال! جلال!” همست بـأعلى صوت تقدر عليه.
صوت جلال جه من جوة: “أنا طالع من الباب الرئيسي.. اطلعي على الشارع العمومي برة الكومباوند، متمشيش في الشوارع الرئيسية.. استنيني عند ميكروباصات الحصري، عربيتي لادا زرقا.. اِجري!”
رانيا قامت بسرعة، مسكت إيد جومانا وبدأوا يجروا بين شجر الفيلات المحيطة بيهم. الكومباوند كان هادي، لسه الناس مصحيتش بالكامل، والهدوء ده كان مرعب.. الهدوء اللي قبل العاصفة.
فجأة.. وبدون أي مقدمات.. الأرض اتهزت تحت رجليهم.
صوت انفجار مرعب هز أركان المنطقة كلها. رانيا رمت نفسها فوق جومانا على النجيل، وصوت تكسير الزجاج والخرسانة كان مالي المكان. الشقة في الدور الثالث اتفتحت بالكامل، والناس بدأت تصرخ في البلكونات، وأجهزة إنذار العربيات في الشارع اشتغلت كلها في نفس اللحظة بصوت متواصل ومزعج.
رانيا بصت وراها.. الدخان الأسود كان طالع من شباك مطبخها وشيشت الصالة طار في الشارع. النار كانت بتاكل كل حاجة. رانيا بكت بهستيريا: “الحمد لله.. الحمد لله يا رب.”
”ماما.. بابا موت عمارة كلها؟” جومانا سألت وهي بتترعش في حضن مامتها.
رانيا مسحت دموعها بسرعة وقامت: “لأ يا حبيبتي، بابا مات في عينينا إحنا بس.. يلا بينا.”
جروا ناحية الأسوار الخلفية للكومباوند، استغلوا حالة الهرج والمرج وانشغال الأمن بالانفجار، وخرجوا من فتحة في السلك الشائك بيستخدموها العمال. وبدأوا يمشوا في الشوارع الجانبية لـ حد ما وصلوا لطريق المحور، وركبوا تاكسي عادي جداً عشان يوصلوا لميدان الحصري.
في التاكسي، رانيا كانت بتضغط على الدوسيه الأزرق، وعينها على الطريق. التليفزيون بتاع السواق كان شغال على راديو الأخبار، وبدأ المذيع يتكلم عن انفجار في كومباوند شهير بأكتوبر نتيجة ماس كهربائي في شقة سكنية، وأنباء عن وجود ضحايا.
وصلوا الحصري. الدنيا كانت زحمة ومخبوطة. رانيا نزلت وبدأت تدور بعينها على العربية اللادا الزرقا اللي جلال قال عليها. مشيت وسط الناس وهي مكلبشة في جومانا.
بعد عشر دقائق من التدوير، لمت العربية واقفة في صف تاني جنب موقف الميكروباصات. جلال كان قاعد ورا الدريكسيون، لابس كاب وموطي راسه. أول ما شافهم، فتح الباب اللي جنب السواق بسرعة وشاور لهم يدخلوا.
رانيا ركبت ورا وجومانا في حضنها، وقالت بنهج: “جلال! إنت كويس؟ الشقة اتمسحت.. كريم عملها فعلاً!”
جلال دور العربية وطلع بسرعة وسط الزحمة، وبص لها في المراية وعينيه كانت غريبة.. مكنش فيها الرعب اللي كان فيه في الشقة، كان فيها نظرة تانية خالص.. نظرة باردة، هادية.. شبه نظرة كريم الصبح!
”الحمد لله إنكم طلعتوا سلام.. كريم غبي، افتكر إنه هيعرف يخلص اللعبة لوحده.” جلال قالها وهو بيغير غيار العربية وبيدخل في طريق الواحات الصحراوي.
رانيا انتبهت للطريق: “جلال.. إحنا رايحين فين؟ طريق الواحات ده مقطوع وفيه مدافن وشغل كتير.. إحنا مش رايحين لـ مديرية الأمن نعمل محضر؟”
جلال ابتسم ابتسامة خفيفة، وبص لـ رانيا في المراية وقال بصوت هادي: “محضر إيه يا رانيا؟ كريم مات في الانفجار.. جثته لسه مطلعينها متفحمة من الشقة.”
رانيا صدمتها الجملة: “مات؟ كريم مكانش في الشقة! كريم كلمني من التليفون وقال إنه على الصحراوي!”
جلال ضحك بصوت عالي، ضحكة هزت العربية، وقفل زجاج الشبابيك كلها بالإيد: “كريم كان فاكر إنه على الصحراوي.. بس أنا لما جيتلك الشقة الصبح، كنت قابله تحت، وقلت له إنك عرفتِ كل حاجة ومستنياه فوق عشان تمضي على التنازل.. هو دخل الشقة عشان يثبتك، وأنا قفلت عليه الباب من برة بالمفتاح والترباس اللي سمعتِ تكته!”
رانيا حست إن الهوا سحب من العربية. “إنت.. إنت اللي قفلت على كريم؟”
”كريم كان مديون ليا أنا يا رانيا! الملايين اللي خسرها دي كانت فلوسي أنا وأمي! وثيقة التأمين اللي عملها ليكي ولجومانا؟ أنا اللي مخليه يعملها والمستفيد الأول منها بعد وفاته ووفاتكم هو.. أنا! كريم كان حمار، افتكر إنه هيخلص منكم وياخد الفلوس ويهرب.. ميعرفش إن الخطة الكبيرة كانت تخلص منه ومنكم في نفس الوقت، عشان تصفى لي الملايين كلها لوحدي!”
جلال وشه اتغير تماماً، والنبرة الطيبة اتمسحت. بص لرانيا بـشر وقال: “بس الغلطة الوحيدة إنكِ طلعتِ ذكية وهربتِ من الشباك.. بس مش مشكلة، طريق الواحات واسع والمدافن قريبة، والعربية دي هتقلب بينا في مأزق صحراوي.. وهيقولوا حادثة طريق، وأخو كريم وأرملته وبنته ماتوا هما كمان من الصدمة والحزن!”
جومانا صرخت وبدأت تعيط، ورانيا لقت نفسها في وسط كابوس ألعن من كابوس كريم. جلال كان سايق بسرعة جنونية، والطريق بدأ يفضى والشمس حامية.
رانيا بصت للدوسيه الأزرق اللي في إيدها.. شافت الموبايل بتاعها.. ولفت نظرها حاجة مكنتش عارفاها. التليفون كان لسه شغال.. والمكالمة الأخيرة مع كريم؟ لأ.. رانيا لمت إنها وهي بتفتح الشنطة في التاكسي، صباعها جه غلط وعملت “إعادة اتصال” بـ رقم النجدة اللي كانت مسجلاه سريع، والخط مفتوح بقاله 25 دقيقة بالكامل! كل كلام جلال، واعترافه بالقتل، وتدبير الانفجار، ومكانه الحالي في طريق الواحات.. كله متسجل وبيتسمع لايف على عمليات وزارة الداخلية!
في اللحظة دي، ومن ورا العربية اللادا، ظهرت سرينة شرطة قوية جداً، وتلات عربيات بوكس جيب ظهروا من ورا التبة وبدأوا يقفلوا الطريق على جلال..
جلال برق عينيه برعب وبص في المراية لرانيا: “إنتِ عملتِ إيه؟!”
رانيا حضنت بنتها بكل قوتها وابتسمت وسط دموعها: “عملت اللي يوديك ورا أخوك يا جلال.. أقف.. القيامة قامت!”جلال داس بنزين لآخر الدواسة، وعربيات البوكس بدأت تضيّق عليه الخناق من كل ناحية، وصوت السارينة كان بيصم الودان ويضرب في نفوخه زي الشاكوش. “مش هسجن.. مش هضيع عمري بسبب حتة حُرمة وعيلة صغيرة!” صرخ جلال بهستيريا وهو بيلف الدريكسيون يمين وشمال يحاول يفلت من عربية الجيب اللي حاولت تقفل عليه من المطب الأ Chestnut.
رانيا كانت ورا بتترج في العربية، مكلبشة في جومانا وضامة راس البنت لبطنها، والتليفون لسه في إيدها وصوت ضابط العمليات جاي من السماعة سبيكر بوضوح وسط الدوشة: “يا مدام رانيا! اثبتي وماتتحركيش، القوة معاكي.. يا جلال، ارمي المفاتيح واقفي حالا الطريق مقفول!”
”طريق إيه اللي مقفول يا أولاد الـ…!” جلال لمح قدامه كمين كامل متقفل بعربيات مدرعة وسلاسل شوك حديد على بعد كيلومتر واحد. وشه بقى أزرق، وعمى الغضب والغل عماه تماماً. بصلها في المراية وعينيه طالع منها شرار: “لو هموت.. مش هتمتعوا بالفلوس دي لوحدكم!”
وفي ثانية، جلال كسر الدريكسيون على آخره ناحية المدق الرملي اللي نازل من على المحور، العربية اللادا اتهزت بقوة، وبدأت تتقلب على الجنب..
الجهد الجاذبي والقصور الذاتي خلوا كل حاجة تطير في الهوا داخل صالون العربية. الدوسيه الأزرق اتفتح والورق والصور طاروا في كل حتة، جومانا صرخت صرخة عمرها، ورانيا حست إن الدنيا بتلف بيها لدرجة إنها مش عارفة فين السما وفين الأرض. العربية اتقلبت قلبتين كاملين على الرملة الناشفة لحد ما لفت واستقرت على سقفها، والتراب عماهم تماماً.
الدنيا سكتت فجأة.. مفيش غير صوت الموتور وهو بيطلع دخان أبيض، وتنقيط ميه الرادياتير على الرملة.
رانيا فتحت عينيها بالعافية. راسها كانت بتنزف دم دافي نازل على عينها، وحاسة إن ضهرها مكسور. بكت برعب والتفتت تدور على بنتها: “جومانا.. جومانا ردي عليا يا قلب ماما!”
لقت جومانا واقعة في جحر دواسة العربية ورا، مغمى عليها والدبدوب البمبي لسه تحت إيدها، بس النفس طالع ونازل من صدرها. رانيا حاولت تتحرك، بس رجلها كانت محشورة تحت الكرسي المقلوب.
بصت قدام.. جلال كان نصه برة العربية من الشباك المكسور، وشه كله دم، وبيحاول يزحف على الرملة عشان يهرب، بس رجليه الاتنين كانوا مكسورين ومش قادر يشيل جسمه.
في ثانية، المكان اتقلب بـ أصوات بيادات العساكر وهي بتجري على الرمل، وصوت تعمير السلاح. ضابط المباحث نزل من العربية الجيب وسلاحه في إيده، وزعق في العساكر: “هاتوا الراجل ده بسرعة واطلبوا الإسعاف.. اخلصوا!”
اتنين عساكر كلبشوا جلال وهو بيصرخ من الوجع والغل، والضابط جرى على الباب الوراني للعربية المقلوبة، ونزل على ركبه وبص لرانيا: “مدام رانيا؟ إنتِ سامعاني؟ متتحركيش.. الإسعاف دقيقة وهتكون هنا.”
رانيا بدموع ووهن شاورت على بنتها: “بنتي.. بنتي الأول يا فندم.. أرجوك.”
الضابط مد إيده بالراحة وسحب جومانا اللي بدأت تفوق وتكح من التراب، وسلمها للعساكر، وبعدين ساعد رانيا تخرج من وسط حديد العربية المفعوص. أول ما رانيا رجليها لمست الرملة، وقعت من طولها، بس عينها كانت على بنتها اللي العسكري كان شايلها وبيطمنها.
بعد مرور تلات شهور..
المكان مابقاش أكتوبر، ولا طريق الواحات. رانيا كانت قاعدة في بلكونة شقة صغيرة مأجراها في منطقة هادية في طنطا، قريبة من أهل والدتها. الشمس كانت دافية، وصوت ضحك جومانا كان مالي الصالة وهي بتلعب بالصلصال، ووشها رجع يورد تاني بعد ما كوابيس الليل بدأت تروح بالتدريج.
رانيا كانت ماسكة في إيدها كوباية شاي بالنعناع، وبتبص على جورنال الصبح المفرود على الترابيزة قدامها. كان فيه صورة صغيرة لكريم وجلال، وتحتها مانشيت عريض:
”إحالة أوراق ‘شيطان أكتوبر’ لفضيلة المفتي.. الستار يسدل على قضية تفجير الشقة السكنية ومحاولة قتل الزوجة والابنة بدافع أموال التأمين.”
النيابة استخدمت تسجيل المكالمة بتاعة النجدة كدليل قاطع مفيش فيه شك، والدوسيه الأزرق اللي رانيا صممت تحميه بروحها كان فيه كل الإثباتات اللي خلت المحكمة ترفض أي محاولة لتخفيف الحكم على جلال. أما كريم، فالتحقيقات أثبتت إنه مات مخنوقاً بالغاز والدخان قبل الانفجار نفسه، جوة الشقة اللي كان فاكر إنه بيقفلها على مراته وبنته.
رانيا خدت نفس طويل، وابتسمت لأول مرة من قلبها. الملايين بتاعة وثيقة التأمين؟ رانيا رفضت تستلم منها مليم واحد.. اعتبرتها فلوس حرام ومغموسة في الدم، وقررت تبدأ من الصفر، بـ شغلها في مشغل خياطة صغير، وبـ كرامتها وأمان بنتها.
جومانا خرجت البلكونة وهي ماسكة قطة صغيرة لقتها في الشارع: “ماما.. ينفع نقعد القطة دي معانا؟ أنا أكلتها من اللانشون بتاعي.”
رانيا ضحكت، وأخدت بنتها في حضنها، وبصت للسما وصوتها كله رضا: “يقعد معا إيه يا جومانا؟ ده البيت بيتك يا أميرتي.. ومحدش قفل الباب في وشنا تاني.”جومانا ابتسمت، وضمت القطة الصغيرة لحضنها وهي حاسة لأول مرة إن الهوا اللي بتتنفسه ملوش طعم الخوف. رانيا بصت لبنتها، وبصت للقطة، وحست إن ربنا بعتلهم الروح الجديدة دي في البيت كأنها إشارة إن صفحة الماضي اتقفلت وراحت لحالها.. بلا رجعة.
دخلوا هما الاتنين جوة الصالة، ورانيا قفلت باب البلكونة وراها. بس المرة دي، وهي بتلف المفتاح في الكالون، مكنش فيه أي رعب.. كانت تكة الأمان اللي بقالها سنين محرومة منها. تكة بتقول إن البيت ده بتاعهم، وإن السقف ده بيحميهم بجد، مش مجرد مصيدة.
بعد سنتين..
الوضع اتغير تماماً. المشغل الصغير اللي رانيا بدأت فيه كـ عاملة باليومية، بقى ملكها بالشركة مع واحدة صاحبتها بطنطا. رانيا طورت من نفسها، وبقت بتصمم فساتين أفراح وسواريه، والستات بقوا بيجوا لها بالاسم من كل حتة في الغربية.
جومانا كبرت وبقت في تانية ابتدائي، متفوقة في مدرستها، وضحكتها بقت بتملى المكان من غير ما تبص وراها برعب أو تكتم صرختها بسنانها. الدبدوب البمبي القديم لسه محطوط على سريرها، بس مبقاش السلاح اللي بتستخبى وراه، بقى مجرد ذكري من زمن فات وعدى.
وفي يوم جمعة، والنهار بيقفل، رانيا كانت قاعدة في الصالة بتراجع حسابات المشغل وجومانا بتذاكر جنبها. فجأة، تليفون رانيا رن.. رقم غريب مش مسجل.
رانيا قلبها انقبض لثانية، الذكريات القديمة ساعات بتعمل “فلاش باك” غلس. بس اتنفست براحة وفتحت الخط: “أيوة، مين معايا؟”
جاءها صوت ست كبيرة، فيه نبرة عياط وكسرة: “رانيا.. أنا الست نادية.. حماتك القديمة.”
رانيا سكتت. الست نادية، اللي كانت دايماً بتقول لها “الست الأصيلة متحاسبش جوزها”، واللي ابنها الكبير جلال اتعدم من سنة، وابنها الصغير كريم مات في حريق شقته.
”عايزة إيه يا ست نادية؟” رانيا سألتها بصوت هادي وفيه ثبات رهيب.
”أنا.. أنا عيانة يا بنتي، ومقطوعة من شجرة.. ومفيش حد في الدنيا دي من ريحة ولادي غير جومانا.. أنا مش عايزة فلوس والله، أنا بس نفسي أشوف البنت، وأشم ريحتها قبل ما أقابل ربنا.. سامحيني يا رانيا، أنا ظلمتك، بس ربنا انتقم مني في ولادي الاتنين في كام شهر.” الست كانت بتعيط بـ قهر يقطع القلب.
رانيا بصت لجومانا اللي كانت قاعدة بتلون كتاب الرسم بكل براءة ومش دريانة بحاجة. رانيا فكرت.. الانتقام والغل مبيجيبوش غير الوجع، وهي خلاص غسلت قلبها من كل القرف ده.
”أنا مسمحاكي يا ست نادية.. ربنا هو اللي بيحاسب. وجومانا هتشوفك، بس لما تكبر شوية وتفهم الدنيا.. أنا مش هحرمك منها، بس مش دلوقتي. ادعي لها، وادعي لنفسك بالرحمة.” رانيا قالتها بـ نبرة قوية وناضجة، وقفلت السكة بالمعروف.
بصت لجومانا وقالت لها: “حبيبة ماما، اجهزي يلا عشان هننزل نتمشى على البحر في الإسكندرية نغير جو، الويك إند ده بتاعنا.”
جومانا قفلت الكتاب وطارت من الفرحة: “هيييه.. بحبك يا أحلى ماما في الدنيا!”
جروا هما الاتنين، جهزوا الشنط، وخرجوا من الشقة. ورانيا وهي بتقفل الباب وراها، بصت للسما وابتسمت ابتسامة نصر حقيقية.. النصر مش إنك تنتقم، النصر إنك تعيش سعيد وتنسى إنهم حاولوا في يوم يدفنوك صاحي.




