مسكت الورق بين ايديا

مسكت الورق بين إيديا، وصوت صفير الهواء في المكان بقى هو الصوت الوحيد اللي مسموع. صمت المرعوبين أحياناً بيبقى أعلى من أي صراخ.

أبويا كان واقف، إيده ع الترابيزة بتهتز بدرجة مش عارف يداريها، وعيونه متعلّقة بالملف اللي في إيدي كأنه شايف قنبلة موقوتة هتفرقع في وش الكل. أمي كانت كتمت نفسها تماماً، ووشها اتحول للون أصفر باهت زي أوراق الشجر الناشفة في الخريف.

فريدة أختي كانت واقفة بين نارين؛ جوزها إيهاب اللي السجاد بيتسحب من تحت رجليه ومستقبله بيضيع في لحظة، وأبوها اللي منظره قدام الغرباء بقى يصعّب على الكافر.

“ورق إيه ده يا نور؟” فريدة قالتها بصوت مخنوق، وطريقة كلامها اتغيرت من نبرة التعالي لنبرة خوف طفل تايّه.

ما رديتش عليها. عيني كانت على الإمضاء. إمضاء الحجة فاطمة العطار.. جدتي. الإمضاء كان واضح، خطها العريض اللي كنت حافظاه زي اسمي، بس الإمضاء كان محطوط على عقد تنازل نهائي عن كافة أصول وممتلكات محلات “العطار” ومؤسستها التجارية لصالح ابنها.. فاروق العطار.. أبويا.

التاريخ تحت الإمضاء كان: 14 أكتوبر 2017.

غمضت عيني لحظة واسترجعت التاريخ.. التاريخ ده كان قبل وفاة جدتي بأسبوع واحد بس! أسبوع واحد كانت فيه الحجة فاطمة غايبة عن الوعي تماماً في الرعاية المركزة في مستشفى الصفا، مش قادرة حتى ترفع جفن عينها، فكيف إيدها ترمز إمضاء بالدقة والوضوح ده على عقد بيجرّدها وبيجرّدني من كل حاجة؟

رفعت عيني لأبويا وبصلته بثبات، القوة اللي في قلبي وقتها ما كانتش نابعة من الفلوس ولا الشركاء ولا الشركات.. كانت نابعة من حق الست اللي علمتني أقف على رجلي، الست اللي هما افتكروها ماتت وسرتها اندفنت معاها.

“أنت تزوّرت إمضاء أمك وهي على فراش الموت يا فاروق بيه؟”

الكلمة نزلت على الترابيزة زي الصاعقة. إيهاب مسك رأسه بإيديه الاثنين وقعد على الكرسي كأنه ج.ثة، وميرفت والأستاذ صلاح بتوع الشؤون القانونية وقفوا متابعين المشهد بحذر شديد.

“أنتِ اتجننتي؟!” أبويا أخيرًا نطق، بس صوته كان مبشورش، نبرة الزعيق بتاعته اللي كان بيمشي بيها البيت زمان تلاشت، حل محلها ذعر راجل انزنق في زاوية ضيقة. “أنتِ بتتهمي أباكِ؟ أنتِ عارفة أنتِ بتقولي إيه؟ الشغل ده أنا اللي بنيته مع أمي! العيلة دي أنا اللي شيلتها!”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *