مسكت الورق بين ايديا

بصيت لفريدة اللي كانت واقفة مصدومة، مش قادرة تستوعب إن حياتها الاجتماعية بفلوسها وشياكتها وسفرياتها اتهدت في لحظة.

“يا فريدة..” قلت لها وأنا بظبط ساعتي في إيدي. “كنتِ بتقولي عليّ غبية عشان شغال في محل.. بس المحل ده هو اللي علمني أعرف الفرق بين الذهب الفالصو والذهب الحر.. وعلمني إن الشاطر مش اللي يتفنّن في الفشخرة، الشاطر هو اللي يعرف يقف على رجله لما الدنيا كلها تتهد فوق رأسه.”

مشيت خطوتين ناحية باب الخروج، وميرفت والأستاذ صلاح ماشيين ورايا خطوة بخطوة. الصمت في الصالة كان رهيب، المترات والعمال كانوا واقفين بعيد متابعين اللي بيحصل بذهول، والشمس كانت طالعة تعكس على مية النيل الهادية، عكس العاصفة اللي سيبتها ورايا ع الترابيزة.

وقفت قبل ما أخرج من باب الزجاج كلياً. التفت وبصيت ليهم أخر بصة.

كانوا قاعدين وسط الورد الأبيض والكاسات البلور، بس المرة دي ما كانش في ضحك، ولا في ميموزا، ولا في تعالي.. كانوا مجرد ناس غرباء، أشباه عيلة، اتجمعوا على باطل وتفرقوا على حقيقة.

خرجت للهواء الطلق. نسيم الصباح نزل على وشي يطفي النار اللي كانت جوايا من سنين. أخدت نفس عميق حسيت بيه لأول مرة من 12 سنة.. نفس حرية صافي.

ركبت عربيتي، وميرفت قعدت جنبي في الكرسي اللي ورا.

“على فين يا فندم؟” السواق سألني وهو بيبصلي في المراية.

“على المقابر يا سويفي.. نروح نزور الحجة فاطمة.”

العربية مشيت ببطء في شوارع القاهرة. طول الطريق، كنت بصة من الشباك على المحلات، الناس، الشوارع.. وكل ما ألمح يافطة من يافطات محلاتنا المنتشرة في كل مكان، كنت بحس بامتنان غريب للماضي. الأيام الصعبة، الدموع اللي نزلتها في العربية وأنا عندي 22 سنة، السهر للتعب، الاحتقار اللي شفته في عيونهم.. كل ده كان السلم اللي طلعت بيه للمكانة دي.

وصلنا المقابر. المكان كان هادي وصامت، ريحة الصبار والتراب المبلول تحسسك بإن الدنيا دي كلها ما تسواش جناح بعوضة.

وقفت قدام مدفن الحجة فاطمة العطار.

قريت الفاتحة بصوت واطي، ونزلت على ركبتي حطيت إيدي على الرخام البارد.

“حقك رجع يا حجة..” قلتها وأنا ببتسم والتنهيدة طالعة من أعماق قلبي. “محدش هيدنس اسمك تاني، ولا حد هيسرق شقاكِ. الشركة بقت أكبر مما كنتِ بتحلمي، والسيستم اللي ضحكوا عليه زمان.. بقوا يبوسوا الإيدين عشان يشتغلوا بيه.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *