كنت عند اختي

أبويا ما سكتش، كلف محامي العيلة ورفع قضايا الطلاق للضرر وأخدلي كل حقوقي من رامي بالقانون. رامي حاول يبعت ناس ويتترجى ويبكي، وكان مستعد يدفع كل حيلته عشان بس أرجع أو أسامح، بس الباب ده اتردم عليه بخرسانة. الراجل اللي ينكسر ويبتز ويبيع كرامته، ما يلزموش ست مصونة تحميه وتستأمنه على اسمها.
أما مريم… فاللي عملته اترد لها أسرع مما تتخيل. الشارع كله عرف بالقضية وبمصايبها، والناس بقت تبص لها بقرف وأقرب جيرانها قطعوا العلاقة بيها. حتى ابنها الصغير بقيت لما أبص له أترحم عليه وعلى اللي هيشوفه في تربيتها. أبويا حرمها من دخول البيت نهائيًا، وقطع عنها أي مصاريف أو مساعدة كان بيبعتها لها، وسابها لتأنيب الضمير والوحدة اللي صنعتهم بإيدها.
في يوم، كنت قاعدة في البلكونة بشرب شاي مع أبويا في ساعة عصر. بصلي وطبطب على إيدي وقال لي:
— الضربة اللي مابتموتش بتقوي يا هدى.. ربنا كشفهم ليكي عشان تفتحي عينك وتبدأي نضيفة، العيب مش فيكي، العيب في النفوس المريضة اللي كنتِ مأمناهم.
ابتسمت له بوجع هادي، وعرفت إن الحياة مش بتقف عند بني آدم. أوقات ربنا بيبعت لنا الصدمة الصعبة دي مش عشان يدمرنا، لكن عشان ينقذنا من غفلة كانت هتدمر باقي عمرنا. قفلت الصفحة دي من حياتي للأبد، وفتحت صفحة جديدة بقلب أنضف، وكرامة مفيش مخلوق يقدر يمسها تاني.
مرت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة بذلت فيها كل جهدي عشان أرمي الرماد ده ورا ضهري وأبدأ من جديد. نزلت اشتغلت في حضانة أطفال، ورجعت لحياتي ونفسي اللي كنت نسياهم في زحمة التضحية والخدمة للناس ما تستاهلش.
وفي يوم جمعة عادي، كنت نازلة أشتري طلبات للبيت مع أبويا، شفتها.. مريم كانت واقفة عند دكان الخضار في آخر الشارع. وشها كان باهت، كبرت عشر سنين في سنة واحدة، ودبلت زي ورقة شجر ناشفة وقعت في الخريف. عينها جت في عيني لثواني، وحسيت فيها بكسرة وخزي مش طبيعي.. وشها نزل في الأرض وأخدت ابنها واستخبت في أول زنقة.
ما حسيتش بشماتة، ولا حتى بغل.. حسيت بنعمة الستر والراحة اللي ربنا نزلهم على قلبي. وعرفت إن أسرع عدل في الدنيا هو العدل الإلهي؛ لما بني آدم يختار الشر والابتزاز طريق، ربنا بياخد منه كل حاجة: الهيبة، السند، واللمة.
رامي بعد الطلاق ساب المنطقة وسافر الخليج عشان يهرب من الفضيحة ووشوش الناس، ومريم بقت عايشة في الشقة اللي شهدت قسوتها، بس المرة دي لوحدها تمامًا.. الباب مقفول عليها هي وسكوتها وخوفها من المجهول.

