اول حاحه فاكرها

أول حاجة فاكراها هي الصوت.
مش الۏجع.
ولا الصړيخ.
ولا حتى الأصوات اللي كانت حواليا.
الصوت بس.
حاجة ثقيلة وهي بتشق الهواء في ثانية واحدة قبل ما كل حاجة تتغير.
طول حياتي تقريبًا، كنت فاكرة إني فاهمة عيلتي صح.
عارفة طباعهم.
ومزاجهم.
واللي مستنيينه مني.
كنت عارفة إيه الكلام اللي أمي بتقوله عشان تجرحني بيه.
وعارفة إيه المناقشات مع أبايا اللي هتتحول لخناقة.
وعارفة أختي امتى بتبقى عايزة تلفت النظر.
كنت فاكرة إن لما تعرف الناس يبقى أنت كده فاهمهم.
بس طلعت غلطانة.
أوقات ممكن تعرف حد بقالك ثلاثين سنة، وتكتشف في الآخر إنك عمرك ما عرفته أصلاً.
أنا كان عندي ثلاثة وثلاثين سنة لما عرفت إن الناس اللي كان المفروض يحموني، قضوا سنين يعلموني قد إيه أنا مالياش قيمة عندهم.
وعرفت ده قدام سبعة وثلاثين ضيف.
في حفلة خطوبتي أنا.
أنا كبرت في حي راقي ومكان نظيف جدًا.
بالنسبة للناس الغريبة، طفولتي كانت شكلها مثالية.
بيت كبير.
منطقة حلوة.
مدارس خاصة.
وسفريات مع العيلة.
أبويا، الأستاذ مصطفى، كان صاحب شركة نقل كبيرة ورثها عن جدي.
وأمي، هدى، كانت معروفة وسط الناس بحفلات الخير واللمات الاجتماعية.
الناس كانت فاكرة إننا من العائلات اللي عندها كل حاجة.
وماديًا، ده كان حقيقي.
بس الفلوس مش هي اللي بتعمل السعادة.
هي بس بتخلي مشاكل معينة سهلة تستخبى.
أمي وأبويا كانوا بيهتموا بالمناظر جدًا.
أكتر من أي حاجة ثانية.
لما يجي عندنا ضيوف، البيت لازم يكون على سنقة عشرة.
لما نروح أي مناسبة، الكل لازم يلبس أحسن حاجة.
ولما حد يسأل عيلتنا عاملة إيه، كان الرد دايماً
الحمد لله، زي الفل.
حتى لو مكنتش كده.
بالذات لو مكنتش كده.
كان عندي أخ وأخت.
أخويا الكبير أحمد.
وأختي الصغيرة مريم.
وأحنا بنكبر، الفروق بينا كانت باينة أوي.
أحمد كان بتاع مسؤولية.
هادي.
ويتعمد عليه.
أمي وأبويا كانوا بيثقوا فيه في كل حاجة.
مريم بقى كانت العكس تمامًا.
كانت ډمها خفيف.
جميلة.
وبتحب الناس.
كانت تدخل أي مكان تجذب العيون ليها في ثانية.
أمي وأبويا كانوا بيموتوا في الطبع ده فيها.
وكانوا بيسموه ثقة بالنفس.
أنا بقى كنت بشوفها بشكل تاني.
مريم مكنتش بس بتحب لفت النظر.
دي كانت محتاجاه زي الهواء.
لو حد تاني أتدلع أو أتمدح، تلاقي طريقته وتقلب الكلام عليه.
لو حد تاني نجح، تطلع أي عيب في النجاح ده عشان يقل في نظر الناس.
وسبحان الله، كل ما مريم تكون محتاجة حاجة، كنت أنا دايماً الشخص اللي المفروض يضحي.
أول مرة فهمت الفرق بيني وبينها كنت وقتها عندي ستة عشر سنة.
كنت محوشة فلوس من شغلانة اشتغلتها في الصيف عشان اشتري لابتوب للدراسة.
ما كانش غالي أوي.
بس كنت فرحانة بيه وبنفسي.
تعبت فيه شهور.
وفجأة في يوم بعد الظهر، رجعت البيت لقيت مريم قاعدة بتستعمله.
سألتها بتعملي إيه ده بتاعي؟
أمي بصتلي وهي في المطبخ وقالتلي
يا بنتي هي كانت محتاجاه.
بقيت بصالها ومش مصدقة.
محتاجاه في إيه يعني؟
كملت وقوفي قدام أمي ومريم، واللابتوب في إيدها بتلعب بيه بكل برود ولا كأنها عاملة حاجة. محتاجاه في إيه يعني يا أمي؟ ده أنا شقيانة فيه طول الصيف! ده من عرق جبيني، مش فلوس مصروفي!، أمي بصتلي بقلة صبر ورمت الفوطة من إيدها على الرخامة وقالتلي بتأفيف جرى إيه يا بنتي؟ هتذلينا عشان حتة جهاز؟ أختك عندها بريزنتيشن للمدرسة وعايزة تعمل شوية سيرش، جرى إيه لما تسلفيهولها؟ هو أنتِ ھتموتي لو شاركتيها؟ بكتها مريم بضحكة مستفزة وهي بتبصلي من فوق لتحت وقالت خلاص يا مامي، خليهولها، أنا مش عايزة حاجة منها، هي أصلاً بتبخل عليا بكل حاجة!… في اللحظة دي، حسيت بنغزة في قلبي، نغزة إحباط وقهر هتكبر معايا سنة ورا سنة لحد ما توصل للقمة في ليلة خطوبتي.
مرت السنين وكنت ديماً بحاول

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *