كنت وقفه بخدم

الحي كله بدأ يلاحظ إن سعاد بقت أهدى، صوتها واطي، وما بقاش في بيتها صړيخ. جارتها أم هاني مرة سألتها باستغراب: “إنتِ عملتي إيه في العروسة؟ شكلها ماسكة البيت ومش سامعين صوت خناقة”. سعاد ابتسمت وقالت: “عملت إيه؟ سمعتها بس”. الجملة انتشرت بينهم زي سر صغير، وكل واحدة فيهم كانت بتفكر ترجع تسمع قبل ما تزعل.
ابن سعاد، اللي كان دايمًا واقف في النص بين أمه ومراته، حس لأول مرة إنه مش محتاج يدافع عن حد فيهم. بقى يرجع من شغله يلاقيهم قاعدين بيضحكوا على برنامج قديم، أو بيتفقوا يطبخوا وصفة جديدة من الإنترنت. مرة دخل عليهم لقاهم بيقلبوا في صور الفرح، وسعاد بتقول: “بصي هنا كنتي خاېفة قد إيه”، ورحاب ترد: “وأنتِ كنتي مړعوپة تسيبي العصاية”. ضحكوا التلاتة، واللحظة اللي كانت ممكن تبقى ذكرى سودة، اتحولت لنقطة تحول بيحكوا عنها بخفة.
بعد شهور، رحاب رجعت شغلها بنص وقت، وسعاد كانت هي اللي بتشجعها تجهز بدري وتفطر كويس. كانت تقول لها: “قوتك من قوتنا”. ومع الوقت، العلاقة بينهم بقت أعمق من مجرد تفاهم؛ بقت مشاركة حقيقية. رحاب بقت تحكي لها عن ضغط الشغل، وسعاد تحكي لها عن خۏفها القديم من الوحدة بعد ما ابنها يتجوز وينشغل. الاتنين اكتشفوا إن خوفهم كان متشابه، بس كل واحدة كانت لابسة قناع قوة.
في ليلة شتوية هادية، سعاد دخلت أوضتها
وفتحت الدرج اللي حاطة فيه الورقة الصغيرة. فضلت تبص عليها شوية، وبعدين نادت رحاب. لما طلعت لها، مدت لها الورقة وقالت: “خديها، دي بتاعتك”. رحاب اتفاجئت وقالت: “لا خليهالك ذكرى”. سعاد هزت راسها وقالت: “الذكرى دي مش عشان نفتكر خوف، عشان نفتكر إننا اخترنا الرحمة بدل القسۏة. وإنتِ خلاص بقيتي قوية، مش محتاجة تعتذري عن تعبك تاني”. رحاب حضنتها حضڼ طويل، حضڼ بنت لقت أم مش خصم.
السنين عدت، وكل ما البيت كان يعدي بموقف صعب، كانوا يرجعوا للحظة دي. لحظة الباب اللي اتفتح بعصبية واتقفل بحنان. ولما ربنا رزق رحاب بطفلة صغيرة بعد فترة، سعاد كانت أول واحدة تشيلها وتهمس في ودنها: “إحنا في البيت ده بنتعلم نسمع قبل ما نحكم”. رحاب كانت بتبص لها بعين فيها امتنان عميق، لأنها عرفت إن أصعب اختبار في حياتها كان أول يوم، وإن نجاحها ما كانش في إنها تثبت قوتها، لكن في إنها كتبت كلمتين صادقين غيروا قلب حد تاني.


