الشمس كانت لسه بتحاول تشق ضباب الحاره

الحاج إبراهيم أشار على الباب إشارة واحدة حاسمة: “اطلع برة.”
“بابا…”
“اطلع برة بدل ما أطلب النجدة وتسلم نفسك بصل الأمانة حالا!”
حسام بص حواليه.. شاف أمه بتبصله بنظرة كره عمره ما شافها، وشاف منى واقفة زي الجبل، وورا الستارة كان مالك وفريدة باصين عليه بعيون مليانة خيبة أمل.
حسام لف وشه، ومشي. خطواته على السلم المرة دي كانت بطيئة، مكسورة، وزي ما يكون رجليه بتسحل وراه جثة كبرياءه اللي اتدمر.
لما الباب اتقفل، النظافة ردت في الشقة.
أمل قعدت على الأرض وبكت، بس المرة دي كانت دموع راحة. منى راحت عندها، وطت وجابتها في حضنها. الحاج إبراهيم مشي ناحية الأوضة، فتح الباب، وطلع مالك وفريدة.
مسك إيد مالك، وقال: “من بكرة يا بطل.. أنت وأختك وأمك ترجعوا معانا طنطا. البيت الكبير يتفتح، والمدارس تترتب، ومحدش فيكم هيحتاج لحاجة طول ما أنا حاي.”
مالك بص لجده، وابتسم لأول مرة من ثمان شهور.
بعد شهرين…
في محكمة الأحوال الشخصية بوسط القاهرة.
كانت الجلسة الأخيرة. منى كانت واقفة ببدلة رسمية سوداء شيك، شعرها ملموم، وعيونها فيها لمعة أمل جديدة. كانت استلمت شغل جديد في مكتب محاسبة كبير بفضل معارف الحاج إبراهيم، وحياتها بدأت ترجع لصحابها.
القاضي رفع رأسه من بين الأوراق، وبص للحضور.
“حكمت المحكمة بتطليق المدعية منى خلعاً طلقة بائنة، وإلزام المدعى عليه حسام بكافة المصاريف، وثبوت حضانة الأطفال للمدعية، مع إحالة حرز وصل الأمانة والعقود الصورية للنيابة العامة للتحقيق في واقعة التزوير والتعدي على حقوق القصر.”
صوت الشاكوش لما ضرب على الخشب، كان زي صوت القفل اللي بيتفتح بعد سنة من السجن.
منى اتنفست بأعمق نفس أخدته في حياتها. بصت للحاج إبراهيم والست أمل اللي كانوا قاعدين في أول بنش في المحكمة بيبتسمولها بخرور.
وهي طالعة من باب القاعة، شافته.
حسام كان قاعد على بنش في الطرقة، شكله متبهدل، دقنه طويلة، وبدلته الكحلي بقت واسعة عليه ومكرمشة. كان مستني دور قضيته في النيابة المالية بعد ما شيرين رفعت عليه قضية نصب هي كمان لما اكتشفت إن حساباته اتجمدت.
حسام رفع رأسه وبص لمنى. كان في عينيه رجاء، التماس، ندامة متاخرة.
منى ما وقفتش. ما بصلتلوش حتى بانتصار.
عدت من جنبه وريحة برفانها هي اللي غطت عليه المرة دي.. كملت طريقها للباب اللي كان منور بشمس القاهرة الدافية، حيث كان مالك وفريدة مستنيينها برة بالبلونات.



